العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1741
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 03-مارس-2007
مشاهدات 59
نشر في العدد 1741
نشر في الصفحة 46
السبت 03-مارس-2007
أحمد نجيب صورة عالمية لأديب الأطفال الشامل
محمود خليل
أحمد نجيب الأديب الراحل (۱۹۲۸م. ۲۰۰۳م)، هو كاتب الأطفال الموسوعي صاحب الثقافة والإبداع، الذي عاش عمره عاكفًا على الطفل وعلومه، وعالمه، ومعارفه، وثقافته، حتى جعل منه مقررات مدرسية، ومادة جامعية، ودائرة معارف إنسانية، وديوان شعر جميل، ومسرحية حية ناطقة.
ولد أحمد نجيب بمحافظة الجيزة في ٢٧ يوليو عام ١٩٢٨م، وحفظ القرآن الكريم في المكتب وهو ابن الحادية عشرة، والتحق بالتعليم العام حيث حصل على الشهادة الثانوية من المدرسة الخديوية الثانوية عام ١٩٤٨م، وكان قد تعرف على الفكرة الإسلامية، وانتمى إليها ثقافيًا وفكريًا، قُبض عليه لعدة أيام عام ١٩٤٩م بتهمة الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين.
وقد تفتحت مواهبه الأدبية في هذه الفترة، حيث يروي الكاتب الكبير أنيس منصور فيقول: ذهبت أنا وأحمد نجيب لمقابلة الإمام الشهيد حسن البنا أوائل عام ١٩٤٨م، وتحت إبط كل منا مجموعة من كتاباته، فاطلع عليها ووجهنا مشكورًا إلى التمرس بالأدب والفكر والصحافة، مظهرًا أهمية هذا المجال وخطورته في تشكيل الوعي ونشر الفكر، وتهيئة الرأي العام لما يجب أن يكون، وأكد افتقار الحركة الإسلامية للموهوبين المتفرغين لهذا الجانب، وقد وجه الإمام «البناء» أحمد نجيب إلى أدب الأطفال بصفة خاصة، وكانت هذه الرؤية بمثابة استشراف ملهم، قال به الرجل الملهم حسن البنا، ثم كان ما كان من كلينا فيما بعد.
ثم أكمل أحمد نجيب تعليمه، فتخرج في مدرسة المعلمين، وعمل بالتدريس إلى جانب عكوفه الدائب على أدب الأطفال، إنتاجًا وإبداعًا وتأصيلًا علميًا رصينًا، حيث قدم أول كتاب عن أدب الأطفال في الوطن العربي وهو كتاب «فن الكتابة للأطفال» الذي طبعته له وزارة الثقافة عام ١٩٦٨م، إلى جانب (١٢) كتابًا آخر، قدمها كمراجع للكبار في أدب الأطفال.
وتدفقت عطاءات أحمد نجيب عبر فضاء الطفولة والأطفال، فقدم ديوانه الشعري الضخم، وقد كتبه بناء على أصول ومنهجية، لم تتأت للكثير من أناشيد وأشعار الأطفال؛ ذلك لأن المبدع أحمد نجيب كان متمكنًا من الأضلاع الأربعة لأدب الأطفال من: علم، وقصة، ومسرحية، وشعر.
نتاج وجوائز:
وألف الراحل أحمد نجيب أكثر من (٣٥) كتابًا للأطفال، ما بين قصة ومسرحية، أشهرها «مغامرات في أعماق البحار» المقررة حاليًا على تلاميذ الصف الخامس من المرحلة الابتدائية، و«عقلة الأصبع في مدينة الشمع» التي ظلت مقررة على السنة النهائية من المرحلة الابتدائية لمدة (١٥) سنة متواصلة، ثم حولت بعد ذلك إلى مسرحية بثتها القناة الفضائية المصرية عام ٢٠٠١م.
كان أحمد نجيب يؤمن بأن كاتب الأطفال هو العملة المفقودة في عالم الكتابة؛ حيث يجب أن يتمتع بكل ما يتمتع به كاتب الكبار، علاوة على موهبته الخاصة التي لا يملكها أي كاتب آخر، لهذا كان يرى أنه متى وُجد هذا النوع النادر من الكتَّاب، فإنه يجب تقديمه للناس، والاحتفاء بإنتاجه، بل وإتاحة الفرصة له للاحتكاك العلمي والتفرغ العملي لرفع سقفه الإبداعي، لأنه الأديب المهم، الذي يعمل في المجال الأهم.
حصل أحمد نجيب على جائزة الدولة التشجيعية عام ۱۹۷۲م، وعلى جائزة الدولة التقديرية عام ١٩٨٩م.
كما حصل على الجائزة التقديرية من اتحاد الإذاعة والتلفزيون في مهرجان الطفولة كأحسن كاتب أطفال، ليكون كاتب الطفل العام ١٩٨٤م.
يرى أن الطفل قارئ نهم، ومُطَّلع شغوف، وأن مشكلة كتب الأطفال لا ترجع إلى الأطفال إطلاقًا، ولكنها ترجع إلى ندرة كتاب الأطفال المجيدين، وندرة الفنانين المجيدين الذين يقومون برسم كتب الأطفال.
تأسيس علم أدب الأطفال:
قدم أحمد نجيب كل ما قدم من دراسة وقصة وشعر ومسرحية، بناءً على أسس علمية متينة من التربية والثقافة، وعلم نفس الطفل، وعلم نفس النمو، في لغة سهلة عميقة ممتعة، تسبح بقارئها في بحار الطفولة في يسر وفائدة وأمان.
وظل أحمد نجيب يدرس مادة «أدب الأطفال» و«ثقافة الأطفال» على مدى ٣٩ سنة في جامعات القاهرة وعين شمس وطنطا، وكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، ثم اختارت جامعة «يوتا» بالولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من كتبه لتدرس بها، كنموذج لأدب الأطفال العربي الحديث.
ترأس لمدة (10) سنوات مجلة «مصر أم الدنيا» التي تصدرها الهيئة العامة للاستعلامات عن وزارة الثقافة المصرية، قدم فيها تاريخ مصر وأعلامها ومعالمها بما يجعل من هذه الأعداد عملًا موسوعيًا قائمًا بذاته، كما قدم (٤) دوائر معارف وقاموسًا لغويًا للأطفال، وعددًا من المسرحيات الفنية الممتعة.
وفي عام ١٩٩١م حصل أحمد نجيب على جائزة الملك فيصل العالمية، وجاء في أوراق ترشيحه لها: «أنه أول من بدأ يجعل من أدب الأطفال العربي علمًا له قواعد وأصول، وكان من ثمرة هذا الجهد، أن أصبحت «كتب الأطفال»، لأول مرة مادة دراسية في كلية الآداب بجامعة القاهرة ابتداء من أكتوبر عام ١٩٧٥م، وانتدب لتدريسها باعتباره أول أستاذ لهذه المادة في تاريخ أدب الأطفال العربي».
رحل عنا أحمد نجيب في ٢٤/٢/٢٠٠٣م بعد حياة حافلة بالعلم، والإبداع، والإخلاص، والمثابرة، جعل خلالها أدب الطفل العربي والمسلم علمًا وثقافة وفنًا أصيلًا، يتم تدريسه على مقاعد الجامعات، ويتغنى به الأطفال في الطرقات، رحمة الله على أحمد نجيب، الذي قضى حياته مثالًا للمبدع المسلم الملتزم.
بتوجيه من الشيخ البنا عام ١٩٤٨م توجه أحمد نجيب إلى «أدب الأطفال»
عبر (٣٥) كتابًا للأطفال، و(٤) دوائر معارف وقاموس وديوان ضخم من شعر الأطفال وعدد كبير من المسرحيات- امتدت حياة أحمد نجيب أستاذ «فن الكتابة للأطفال».
واحة الشعر
مؤتمر إسلامي
«شعر: قصي أحمد»
ومؤتمر سامي المقاصد رائع *** به الحق والإسلام والشرق يفخر
يضم من الأبطال كل مهذب *** عطوف وأما في الوغى فغضنفر
دعوا دعوة فالله عالم قصدها *** فليس لهم خلف الستائر متجر
ودعوتهم فلك النجاة من الردى *** تشق عباب الحادثات وتمخر
فمن حاد عنها فهو في اليم غارق *** وحظ الذي تنجيه فيها موفر
إذا الحاسدون الحاقدون تلمسوا *** ذنوبًا وعابوا الأبرياء فأكثروا
فقل جاء نصر الله والحق شاهد *** وبالشرعة السمحاء المجد أبشروا
ولما رأوها دعوة عالمية *** يدين لها بالحب بدو وحضر
تملكهم ذعر وجن جنونهم *** فقل لهم موتوا بغيظ أو اصبروا
فإن يجهلوا الإسلام دينًا ودولة *** فنحن بدين الله أدرى وأخبر
أنترك دنيانا يسوس أمورها *** أخو شهوات ظالم متجبر
تساس بدنيا الملحدين شؤونها *** وشرعتنا تقضي جحودًا وتهجر
فيا مجمع الإسلام قرر مصيرها *** ولا تأمن الأعداء فهي تغرغر
يا مجمع الإسلام عزك مقبل *** ونصرك مكفول عزيز مؤزر
ويا مجمع الإسلام جيشك حاضر *** عليه لواء النصر الله أكبر.
أدونيس وأدب الاستسلام
سلوى عبد المعبود قدرة
الأمم العظيمة كالأمة المسلمة لا يمكن أن تموت بضربة قاضية، إنها تحمل في شرايينها دائمًا، عوامل بقائها وانتصارها، هذه العوامل تعيد الروح إلى منبع عزها وهو الإسلام، حقًا قد تخبو هذه العوامل حينًا من الزمن، ولكن تبقى تحت الرماد ساخنة متقدة تنتظر من ينفخ، فإذا الأمة التي كانت قد استكانت وصمتت واستسلمت، قد انتفضت من جديد رغم قلة الإمكانات، من أجل هذا يتجه الأعداء لمحاربة هذه الأمة ببث عوامل الضياع والهزيمة فيها.
ولقد دأب بعض المثقفين والأدباء على الترويج لما يمكن أن نسميه «فكر الهزيمة» والذي يتخلص في ثلاثة محاور:
أولًا- الدعوة والتمهيد للسلام قبل الحرب.
ثانيًا- الدعوة للاستسلام والهرب أثناءها.
ثالثًا- الدعوة للتغني بالحياة والحب بعدها.
والآن بعد اجتياح اليهود لـ «لبنان» وتدميرها، وسفك دماء الجميع على أرضها بدأ المحور الثاني في الظهور، وكان الذي سبق به هو الصامت طويلًا، والمتحدث أخيرًا، ولكن بأدب الاستسلام ذلك هو: د. محمد أحمد سعيد المعروف بـ«أدونيس» إذ خرج علينا بقصيدة عنوانها: «خمسة وعشرون يومًا» وذلك في جريدة الحياة الصادرة في ١٠/٨/٢٠٠٦م.
في هذه القصيدة اعتراف بوحشية الهجوم اليهودي ودمويته عبر عدة جمل، مثل: «تتساءل عن طفلها أين؟ ماذا؟ الرماد جواب»
وهي جملة تثبت قتل الأطفال وحرقهم بالقنابل حتى صاروا رمادًا وأخرى: «ارفعوا هذه القماشة عنها، أزيحوا عن تقاسيمها الغطاء إنها أسلمت وجهها للسماء».
وهي أيضًا تؤكد قتل النساء، وإذن قتل أطفال ونساء؛ أي قتل عزّل أبرياء، ويصور بقلمه الإصرار على الإبادة والإفناء حين يقول:
«هذي جهنم مجنونة دائرة»
«جسد ذائب في اللهيب»
«إنه الماء يبكي»
«الهواء يراق»
هذه الجمل الواصفة للحرب، والمؤكدة لوحشيتها، دلف منها الشاعر إلى التشكيك في الثوابت التي بنيت عليها هذه المعركة وهي ضرورة قتال وجهاد اليهود.
هو يشكك في وعد الله -تعالي- للمجاهدين بالنصر: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الروم: ٤٧).
ويبدأ ذلك بتساؤل:
«أترانا نعود إلى أرضنا الخراب والدليل الكتاب؟»
ثم يستمر في ممارسة التشكيك وزلزلة الثوابت بقوله:
«للسماء لما كتبته السماء
الأساطير تنزف»
وهكذا يتحول الكتاب إلى أساطير تأكيدًا لما كان يقول كفار قريش: ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (سورة الأنعام: ٢٥)
ووصولًا في النهاية إلى ذروة التشكيك والانفلات حين يقول على لسان جندي مستسلم خانع:
«قال: رحماكم
عند موتي خذوني، خذوا كتبي
وافرشوها
تحت رأسي وسادًا
وادفنونا معًا»
إن هذا الجندي فقد ثقته في موازينه، رفض التمسك بثوابت أمته التي ينطق بها الكتاب، والذي هو القرآن الكريم، والذي تحول في قصيدة شعرية إلى أساطير تنزف، ولا ندري ما سبب النزف، ربما هو يقول ضمنيًا الأساطير تنزف لأنها تسببت بكذبها في إسالة دماء البشر، وعدتهم بالنصر ثم ها هي تنزف باكية عليهم لأنها خدعتهم، أو ربما لأنها لن تجد لنفسها مكانًا في المستقبل.
وبين وحشية القتال والاعتداء والتدمير والإبادة، وبين التشكيك في الثوابت ونشر فقدان الثقة في التاريخ والحاضر والمستقبل.. يبرز «النفق».
«يرسمون الغسق
نفقًا موغلًا في نفق
بُهت الضوء للضوء عينان»
وتأتي دلالة النفق لتؤكد ضياع الطريق، وتعثر الخطوات، وفقدان القدرة على الاختيار، إنه يريد أن ننساق وراءه إلى التردد والشك في مصداقية حقنا وضرورة المطالبة به والدفاع عنه، وبعد أن اغتال الشك قدرة العقل على التمييز بين الطرق المتشعبة، يقدم الشاعر «الحل» وهو الهروب عبر «أفق» جديد:
«أفق مغلق، ضيق
أفق للرحيل
لا أريد رفيقًا سوى نخلة
آه ما أكرم النخيل»
إنه يطرح أفقًا واحدًا هو الرحيل؛ أي الهروب، إنه يدعو للتسليم للعدو بما نهب من أرض، ودماء، وأشلاء، ومستقبل.
ثم هو يريد أن نستحضر عند الهروب نخلة فلماذا؟ أهي رمز الحب الذي لم يعد يشمل الوطن ولا الديار ولا الأهل الذين لم يُدفَنوا بعد؟ أم لأن النخلة هي رمز العطاء الذي منحنا إياه الوطن، ثم نرده نحن اليوم بالهروب غدرًا وخيانة؟
إن تناقض الشاعر في عرض الصورتين يثير الغضب؛ إذ كيف يزعم أنه يشعر بوحشية القصف، ويبكي على الطفل المحروق كالرماد، والأم المغطاة رمزًا «لأمة تموت» والحرب الدائرة رامزًا لها «بجهنم» التي تلتهم الجميع، ثم ينبري بعد ذلك لطرح فكرة الاستسلام بدعوى حبه للطفولة؟
«يكتبون الحديد وأكتب أنشودة للطفولة».
الطفولة التي هي في حقيقة الأمر أكثر الفئات دمارًا وضياعًا إما بالقتل تحت الأنقاض، أو بالتشرد في الآفاق، أو بتلك الصور المفجعة التي ستحتفظ بها ذاكرتهم تغتال إقبالهم على الحياة.
إنه يصر على مواجهة القتل بالاستسلام، ومقابلة الدماء والأشلاء بالهروب.
في دعوته للاستسلام رفض وصل الماضي بالحاضر؛ لأن ذلك مدعاة لليقظة والاندفاع نحو التغيير.
وضع «فرعون» مقابل «يهوه» وتخطى مرحلة الإسلام، وكأن التاريخ توقف عند فرعون واليهود.
ضمنيًا لم يكن الشاعر قادرًا على تمرير هذه المعادلة المضللة إلا بعد أن يميّع القضية ويخفي الحقيقة، إنه يخلط بين القاتل والضحية، وبين المعتدي والمعتدى عليه، والجمل واضحة تنطق بمعناها:
«لا أريد أن يكون لواء لفرعون
أو يهوه»
«اكتبوا فوق أنقاضه:
من هنا مرَّ جند الإله»
إنه يحاول أن يوزع الأشلاء المحترقة في العسكريين، لتضيع المسؤولية وتتوزع الدماء فلا نصل إلى القاتل الحقيقي.
إن وضع «فرعون» مقابل «يهوه» مقابلة تكشف خللًا في فهم المعتقدات وحقيقة الصراع فـ«يهوه» إله اليهود أو هكذا هم يظنون، والمفروض أن أعداءهم يدينون «لله» تعالى وليس لفرعون، إن «الله» -عز وجل- هو إله المسلمين.
أما «فرعون» فقد كان «إله» المصريين في زمن وثنيتهم وشركهم، وهو رمز لزمن ذل وضياع عاشه الشعب المصري.
وهو أيضًا الذي أذاق اليهود مرارة الذل والاستحياء والقتل حين كانوا مؤمنين يتبعون موسى -عليه السلام- فما وجه المقارنة؟ كانوا حين واجهوا فرعون مؤمنين، نصرهم الله بمعجزة، وهم اليوم يقتلون المؤمنين «المسلمين» فأي خلط، وأي تضليل، وتعمية للحقائق، والتاريخ، والواقع؟
إن الشاعر تخطى مرحلة الإسلام، وكأن التاريخ توقف عند فرعون واليهود؟
إنه يصر على تأكيد الصورة المزيفة المضللة.
«اكتبوا فوق أنقاضه
من هنا من جند الإله»
فأي جند للإله يقصد؟
مرة أخرى يظهر التنكير ليخدم التضليل في كلمة «جند» فأي جند للإله يقصد؟ جند اليهود، أم جند المسلمين؟
إنه يلتفت إلى الهارب الفار بعيدًا عن دائرة القتال يقول له:
«أيها المتشرد لا وقت في الأرض
إلا لكي تجعل الأرض حياء»
إنها دعوة تقابل حرقة في القلب، ودموعًا متحجرة ودماءً مازالت تُلصق بالملابس المقطعة بالأجساد المرهقة من السير في الطرقات، حقًا دعوة غريبة تقابلها دعوة فطرية للقصاص والرد والعقاب، ولكن الشاعر يتخطى كل ذلك، فيدعو المذبوح لكي يرنو بحب إلى ذابحه، ولا يدعو الجزار إلى ترك السكين.
إنه استسلام لا يشمل الأجساد فقط، بينما العقول تفكر وتسعى للنصر.
إنه يصنع بذلك فجوة كبيرة بين تاريخ سابق لهذه الأرض يشهد بالعزة والكرامة، وبين حاضر دام مضرّج بالأشلاء، محاط بكل صور العجز والدمار.
إنه يرفض وصل الماضي بالحاضر؛ لأن ذلك مدعاة لليقظة والاندفاع نحو التغيير.