; أخطر أنواع الاستعمار | مجلة المجتمع

العنوان أخطر أنواع الاستعمار

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008

مشاهدات 68

نشر في العدد 1808

نشر في الصفحة 38

السبت 28-يونيو-2008

الشيخ رشيد رضا.. ومعاركه مع العلمانية والصهيونية «أخيرة»

  • كان نموذجًا للوعي السياسي الإسلامي عند أعلام التيار الإيحاني التجديدي إزاء الخطر «الصليبي- الصهيوني» على الشرق العربي والإسلامي..
  • من أقواله: أعتقد أن من باعوا أرضهم لليهود لم يكونوا يعلمون أن بيعها خيانة لله ولرسوله وللأمة كلها

سعى الشيخ رشيد رضا سعيًا سياسيًا حثيثًا إلى فك الرباط غير المقدس، بين الحركة الصهيونية وبين الاستعمار في مقابل أن يعيش اليهود الذين يريدون العيش ببلاد المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

نعم.. سعى إلى ذلك، وبذل الجهود مع الحركة الصهيونية.. وحاور زعيمها، حاييم وايزمان... «١٨٦٤- ١٩٥٢م» قائلاً لهم: إنه خير لليهود، إذا كانوا يريدون أن يكثروا في البلاد العربية ويكونوا فيها أحرارًا آمنين متمتعين بما يتمتع به سائر أهلها من الحقوق المدنية والشخصية، أن يتفقوا مع زعماء العرب أنفسهم على ذلك من وسائل ومقاصد... وذلك بدلاً من المشروع السياسي الصهيوني، والتحالف اللا أخلاقي مع الاستعمار الغربي ضد العرب والمسلمين... ظل الرجل يسعى- سياسيًا - وراء هذا الهدف - قبل صدور وعد بلفور، سنة ١٩١٧م... وبعده، لكن الحركة الصهيونية والاستعمار الذي أقام معها هذه الشراكة، ليستخدمها في تحقيق مخططاته ضد العرب والمسلمين قد أحبط مساعي الشيخ رشيد... حتى كتب الرجل فقال:

ثم انقطعت المذاكرة في هذه المسألة لاعتماد الصهيونية على قوة الإنجليز في إعادة ملك إسرائيل لهم... وكل منهما يمكر بالآخر..... «1»!!

فعلمنا رحمه الله- بهذا السعي وبهذه النتيجة التي انتهى إليها هذا السعي- درسًا آخر يجب أن يعيه الذين يعلقون الآمال على مثل هذه المساعي... وهذه التسويات!!

  • فالسين القرآنية التي تعلمنا ﴿لَيْسُوا سَواءً (آل عمران: 113) هي التي تعلمنا أن منهم من هم الأشد عداوة للمؤمنين.. ﴿أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ (البقرة: ١٠٠).. والذين لا يزالون يقاتلون المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا لأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله.
  • كما تعلمنا السنن التاريخية كيف تحالف أجدادهم مع الوثنية الجاهلية ضد التوحيد الإسلامي، وقالوا: إن الحق مع عباد الأوثان من «اللات... والعزى» وليس مع التوحيد والتنزيه الذي جاء به رسول الإسلام: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ نَصِیبࣰا مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ یَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَیُرِیدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِیلَ (النساء: ٥١).
  • كما تحالفت الصليبية الأوروبية في عصورها الوسطى- مع الوثنية التترية ضد الإسلام والمسلمين.

فنحن- إذن- أمام سنن تحكم حركة  التاريخ.. وتحكم سلوك الجماعات التي ناصبت وتناصب الإسلام والمسلمين العداء عبر هذا  التاريخ.

  • وفي دراسة الشيخ رشيد رضا لأسباب هذا الحلف غير المقدس بين النصرانية الغربية وخاصة البروتستانتية- مع اليهود الصهاينة.. أشار إلى العامل الديني، وأساطيرهم عن عودة المسيح ليحكم العالم ألف سنة سعيدة بعد حشر اليهود في فلسطين، وإعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى... نعم.. أشار الشيخ رشيد إلى هذا البعد الديني في هذا الحلف غير المقدس فقال:

«وأعجب من ذلك أن دسائس اليهود تمكنت من إغواء كثير من نصارى أوروبا وأمريكا وإقناعهم بأن الإيمان بالكتاب المقدس يقتضي مساعدتهم على العودة إلى فلسطين واحتلال أورشليم.. إلخ. تصديقًا للأنبياء وتحقيقًا لظهور المسيح الذي يختلف الفريقان في شخصه وعمله، فاليهود يعنون مسيحهم الملك الدنيوي الذي يعيد ملك سليمان لهم، والنصارى يعنون المسيح عيسى ابن مريم، الذي يجيء في ملكوته ليدين العالم... «2»».

  • لقد انتهز الشيخ رشيد رضا فرصة الموقف الواعي والشجاع الذي اتخذه شيخ الجامع الأزهر الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي «۱۲۹۸- ١٣٦٤هـ- ١٨٨١- ١٩٤٥م» إبان ثورة البراق سنة ١٩٢٩م ضد المخطط الاستعماري الصهيوني في فلسطين.. انتهز الشيخ رشيد هذه الفرصة للإشادة بموقف الأزهر وشيخه... وللتنديد بالغفلة والجبن اللذين سادا موقف الساسة الليبراليين- الأحرار، سواء أكانوا من الحاكمين أو المعارضين إزاء هذا الخطر المحدق بالعرب والمسلمين.. فكتب مشيدًا بالشيخ المراغي الذي ارتفع صوته ضد المخططات الإنجليزية واليهودية في فلسطين، في وقت خرست فيه ألسنة جميع أمراء مصر وكبرائها والأحرار والليبراليين. حتى غير المقيدين بسياسة الحكومة ومشربها، لا الوزراء والرؤساء الرسميين وحدهم والشيخ المراغي من كبارهم وموقفه هذا فتح جديد في النهضة العربية واليقظة الإسلامية... معًا «3».

وفي الوقت الذي كانت الصحافة الصهيونية بمصر تنشر الإعلانات التي تغري اليهود بشراء أرض فلسطين كان الشيخ رشيد رضا ينشر فتواه الشهيرة بتحريم بيع الأرض العربية لليهود.

فلقد جاءه من أرض فلسطين سنة ۱۹۳۳م سؤال من محمد يعقوب الغصين. رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشبان العرب بفلسطين. يسأل عن حكم الشرع فيمن يساعد اليهود على امتلاك فلسطين ببيع أرضها؟! فكانت فتوى الشيخ رشيد التي حذر فيها من المخطط الصهيوني للاستيلاء على فلسطين بالمال والسيطرة على مرافقها الاقتصادية وتشريد سكانها. وإجلائهم عن بلادهم.. لتصبح فلسطين المقدسة يهودية..

ولأن هذه الفتوى، هي وثيقة دينية وسياسية، تعبر عن ثوابت الموقف الإسلامي من كل ذرة من ذرات أرض فلسطين.. فإن إعادة نشرها هو فريضة دائمة... يجب ألا تغيب عن العقل المسلم في يوم من الأيام. 

لقد قال الشيخ رشيد في هذه الفتوى: 

«بسم الله الرحمن الرحيم، رب آتني حكمًا وفهمًا، وعلمني من لدنك علمًا. أما بعد، فإن حكم الإسلام في عمل الإنجليز واليهود والصهيونيين في فلسطين حكم قوم من أهل الحرب أغاروا على وطن من دار الإسلام فاستولوا عليه بالقوة، واستبدوا بأمر الملك فيه، وشرعوا في انتزاع رقبة أرضه من أهله بتدابير منظمة ليسلبوهم الملك- بكسر الميم- كما سلبوهم الملك بضمها».

وحكم من يساعدهم على عملهم هذا امتلاك الأرض، بأي نوع من أنواع المساعدة وأية صورة من صورها الرسمية كالبيع. وغير الرسمية كالترغيب، حكم الخائن لأمته وملته، العدو لله ولرسوله وللمؤمنين، الموالي لأعدائهم وخصومهم في ملكهم ومُلكهم، لا فرق بينه وبين المجاهد معهم للمسلمين بماله ونفسه، فالذي يبيع أرضه لليهود والصهيونيين، والذي يسعى في شراء أرض غيره لهم من سمسار وغيره كالذي يساعد أي قوم من الأجانب على قومه فيما يحاولون فتح بلادهم بالسيف والنار وامتلاك أوطانهم، بل أقول، ولا أخاف في الله لومة لائم، ولا إيذاء ظالم إن هذا النوع من فتح الأجنبي لدار الإسلام هو شر من كل ما سبقه من أمثاله من الفتوح الحربية والسياسية والدينية على اختلاف أسمائها في هذا العصر. لأنه سلب لحق أهل الوطن في ملك بلادهم وحكمها، ولحقهم في ملك أرضها لأجل طردهم منها، ومن المعلوم بالبداهة أنه إذا بقي لنا ملك الأرض تيسر لنا إعادة ملك الحكم وإلا فقدناهما معًا.

هذا، وإن فقد فلسطين خطر على بلاد أمتنا المجاورة لهذا الوطن منها، فقد صار من المعلوم بالضرورة لأهل فلسطين المجاورين لهم ولكل العارفين بما يجري فيها، عزم اليهود على تأسيس الوطن القومي الإسرائيلي واستعادة ملك سليمان بقوة المال الذي هم أقطاب دولته الاقتصادية، وبقوة الدولة البريطانية الحربية. إن هذا الخطر سيسري إلى شرق الأردن، وسورية، والحجاز، والعراق، بل هو خطر سينتقل من سيناء إلى مصر.

وجملة القول: إن الصهيونية البريطانية خطر على الأمة العربية في جميع أوطانها الآسيوية، وفي دينها ودنياها، فلا يعقل أن يساعدهم عليهم عربي غير خائن لقومه ووطنه، ولا مسلم يؤمن بالله تعالى وبكتابه العزيز وبرسوله محمد خاتم النبيين صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه.

بل يجب على كل مسلم أن يبذل كل ما يستطيع من جهد في مقاومة هذا الفتح، ووجوبه أكد على الأقرب فالأقرب، وأهون أسباب المقاومة وطرقها المقاومة السلبية، وأسهلها الامتناع عن بيع أرض الوطن لليهود، فإنه دون كل ما يجب من الجهاد بالمال والنفس الذي يبذلونه هم في سلب بلادنا وملكنا منا.

ومن المقرر في الشرع أنهم إن أخذوها، وجب على المسلمين في جملتهم بذل أموالهم وأنفسهم في سبيل استعادتها، فهل يعقل أن يبيح لنا هذا الشرع تمهيد السبيل لامتلاكهم إياها بأخذ شيء من المال منهم، وهو معلوم باليقين لأجل أن يوجب علينا بذل أضعاف هذا المال مع الأنفس لأجل إعادتها لنا، وهو مشكوك فيه، لأنه يتوقف على وحدة الأمة العربية وتجديد قوتها بالطرق العصرية وأنى يكون ذلك لها وقلب بلادها وشرايين دم الحياة فيها في قبضة غيرها؟!

فالذي يبيع أرضه لليهود في فلسطين أو في شرق الأردن يعد جانيًا على الأمة العربية كلها لا على فلسطين وحدها. 

ولا عذر لأحد بالفقر والحاجة إلى المال للنفقة على العيال، فإذا كان الشرع يبيح السؤال المحرم عند الحاجة الشديدة، ويبيح أكل الميتة والدم ولحم الخنزير للاضطرار، وقد يبيح الغصب والسرقة للرغيف الذي يسد الرمق ويقي الجائع من الموت بنية التعويض، فإن هذا الشرع لا يبيح لمسلم بيع بلاده وخيانة وطنه وملته لأجل النفقة على العيال، ولو وصل إلى درجة الاضطرار، إن فرضنا أن الاضطرار إلى القوت الذي يسد الرمق يصل إلى حيث لا يمكن إزالته إلا بالبيع لليهود وسائر أنواع الخيانة، فالاضطرار الذي يبيح أمثال ما ذكرنا من المحظورات أمر يعرض للشخص الذي أشرف على الموت من الجوع، وهو يزول برغيف واحد مثلًا وله طرق ووسائل كثيرة. وإنني أعتقد أن الذين باعوا أرضهم لهم لم يكونوا يعلمون أن بيعها خيانة لله ولرسوله ولدينه وللأمة كلها كخيانة الحرب مع الأعداء لتمليكهم دار الإسلام وإذلال أهلها وهذا أشد أنواعها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (الأنفال: ٢٨)

هكذا تألق الوعي السياسي الإسلامي للشيخ رشيد رضا كنموذج للوعي السياسي الإسلامي عند أعلام التيار الإحيائي والتجديدي إزاء الخطر الصليبي . الصهيوني على الشرق العربي والإسلامي... فحيث كان أهل الجمود والتقليد في غيبوبة عن الوعي بهذا المخطط العالمي والإقليمي والمحلي... وحيث كان المتغربون في غفلة عن هذا الذي يديره الغرب لأمتهم ووطنهم.. كان التيار الإحيائي التجديدي المنطلق من الوعي الإسلامي بثوابت الإسلام والوعي السياسي بحقائق الواقع المعيش يقظًا لهذا الذي يديره الاستعمار والصهيونية لعالم الإسلام وأمة الإسلام.

ولقد كان للشيخ رشيد رضا شرف التعبير عن هذا الوعي السياسي الإسلامي بحقائق هذه القضية قضية الغزوة الصهيونية، والحلف غير المقدس الذي عقده الغرب مع الصهاينة ضد الإسلام والمسلمين...

  • فالاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو أخطر أنواع الاستعمار .. لأنه يسلب ملك الأرض وملك الحكم جميعًا.. بينما استعمار الغزو الحربي يسلب ملك الحكم فقط.. ومن ثم تكون إزالته والتحرر منه أيسر من إزالة الاستعمار الاستيطاني ولذلك فالخيانة في حالة الاستعمار الاستيطاني . كل ألوان الخيانة . هي أشد وأنكى من كل ألوان الخيانات التي عرفها  التاريخ في الصراعات ضد غزوات المستعمرين
  • والاستعمار الصهيوني الاستيطاني لفلسطين لا يقف خطره الداهم عند هذا القطر العربي المسلم وحده، وإنما يمتد من نقطة الارتكاز هذه إلى كل وطن الأمة العربية.. من مصر إلى العراق
  • وإذا كانت الصليبية الغربية والصهيونية اليهودية قد وظفت الأساطير الدينية لخدمة هذا المخطط الاستعماري، فإن الوعي الإسلامي بحقائق الدين الحق.. وبالسنن الإلهية.. الكونية والاجتماعية.. وبحقائق الواقع وإمكانات الأمة هي الأسلحة الماضية في مواجهة هذه التحديات «5»

رحم الله هذا الإمام العظيم الشيخ محمد رشيد رضا.. وسدد خطانا على الطريق الذي سار فيه.. طريق الإحياء بالإسلام.

الهوامش

«1» المصدر السابق، المجلد ۳۰، ج ۵/ ۳۹۱ ۳۹۲

«2» المصدر السابق، المجلد ٣٠ ج ٧ ٥٥٥

«3» المصدر السابق، المجلد ٤٦٦/٦/٣٠ 

«4» المصدر السابق المجلد ٣٣. ج ٢٧٣/٤- ٢٧٥ عدد ربيع الأول سنة ١٣٥٢هـ  يونيو ١٩٣٣م.

«5» انظر في فقه مواقف الشيخ رشيد رضا إزاء الصهيونية، كتابنا في فقه الصراع على القدس وفلسطين، ص ۸۱ . ١٠٤. طبعة دار الشروق القاهرة سنة ١٤٢٦هـ - ١٩٠٥م.

الرابط المختصر :