العنوان أخلاق النصر عند جيل الصحابة: اتهام النفس والشعور بالتقصير
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 44
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
أخلاق النصر عند جيل الصحابة: اتهام النفس والشعور بالتقصير
اتهام النفس بين الصحابة ونبي الله يوسف
عرف عن الصحابة
-رضي الله عنهم، ورضوا عنه- أنهم كانوا مع استقامتهم ووقوفهم عند حدود الله يتهمون
أنفسهم، ويشعرون دومًا بالتقصير، انطلاقًا من قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ
بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف:
53).
اللهم أنت ربي
لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر
ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا
أنت» (1). «لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
«ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة» (2).
وقوله ردًا على
أم العلاء الأنصارية وقد زكت عثمان بن مظعون لما مات، فقالت: رحمة الله عليك أبا
السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«وما يدريك أن الله أكرمه»، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «أما عثمان فقد جاءه والله اليقين، وإني لأرجو له الخير،
والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به» (3).
نماذج من تقصير السلف
هذا أبو بكر
الصديق -رضي الله عنه- يدخل عليه عمر يومًا، وهو يَجْبذُ لسانه (4)، فيقول له: غفر
الله لك. فيرد عليه أبو بكر قائلًا: «إن هذا أوردني شر الموارد» (5). وهذا عمران
بن حصين يدخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فيقول له نفر منهم: إنا
لنيأس لك لما نرى فيك. قال: فلا تَبْتَئِسُوا بما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو
الله عنه أكثر. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُم
مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:
30) (6).
وهذا عمر بن
الخطاب -رضي الله عنه- وكانت رأسه في حجر ولده عبد الله بن عمر في مرض الموت، يقول
لابنه: «ضعه لا أم لك، ويلي، ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربي» (7). وهذا أبو الدرداء
يصيبه المرض، ويدخل عليه أصحابه ليعودوه ويقولون له: أي شيء تشتكي؟ فيقول: ذنوبي.
فيقولون: أي شيء تشتهي؟ فيقول: الجنة (8). وهذه أسماء بنت أبي بكر الصديق كانت
تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول: «بربي وما يغفر الله أكثر» (9).
وهذا ابن عمر
كان يصلي على الجنازة ثم ينصرف. ولما تَبَيَّنَ حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه
وسلم قال: «مَن شهد جنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله
قيراطان». قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين». بعث إلى أم المؤمنين
عائشة يسألها عن ذلك، قال: «لقد فرطنا في قراريط كثيرة» (10).
وهذا حنظلة
الأسيدي، وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لقيني أبو بكر فقال:
كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول
الله صلى الله عليه وسلم، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من
عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عافسنا الأزواج والأولاد، والضيعات، فنسينا
كثيرًا. قال أبو بكر: «فوالله إنا لنلقي مثل هذا». فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا
على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-: «وما ذاك»؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار
والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد، والضيعات،
نسينا كثيرًا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده لو تدومون
على ما تكونوا عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا
حنظلة ساعة، وساعة»، قالها ثلاث مرات (11). إلى غير ذلك من النماذج.
أثر اتهام النفس في النصر والتمكين
وهكذا كان اتهام
النفس، والشعور بالتقصير دومًا مظهرًا من مظاهر صدق هؤلاء مع ربهم، الأمر الذي حدا
بهم إلى مضاعفة الجهد، وأخذ النفس بالحزم والعزم. ومن يضاعف من جهده ويأخذ نفسه
بالحزم والعزم سيكون بعين الله ورعايته، يُمَدُّ بالنصر والتمكين. وهو ما ظفر به
هؤلاء، وبمقدورنا نحن المسلمين أن نحظى اليوم بما حظي به هؤلاء بالأمس من العزة
والنصر والتمكين، بشرط أن نتوجه إلى أنفسنا دومًا بالاتهام، وأن نشعر هذه النفوس
بأنها مهما عملت، ومهما شكرت فإنها في جنب نعمة الله، وفضله، ورحمته، مقصرة.
ويعيننا على ذلك
أن نستحضر نعمة الله التي تغمرنا في أنفسنا وفي الكون المحيط: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
(لقمان: 20) ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: 53)، وأننا
مهما تفانينا في الطاعة وسائر أعمال البر فلن نستطيع الوفاء بشكر أدنى نعمة من هذه
النعم. وإلى هذا لفت النبي -صلى الله عليه وسلم- النظر بقوله: «فقال: يا محمد
والذي بعثك بالحق إن لله عبدًا من عباده، عبد الله خمسمائة سنة على رأس جبل في
البحر، عرضه وطوله ثلاثون ذراعًا في ثلاثين ذراعًا، والبحر محيط به أربعة آلاف
فرسخ من كل ناحية، وأخرج له عينًا عذبة بعرض الإصبع تفيض بماء عذب، فيستنقع في
أسفل الجبل، وشجرة رمان تخرج له في كل ليلة رمانة يتعبد يومه، فإذا أمسى نزل فأصاب
من الوضوء وأخذ تلك الرمانة فأكلها، ثم قام لصلاته فسأل ربه عند وقت الأجل أن
يقبضه ساجدًا وألا يجعل للأرض ولا لشيء يفسده عليه سبيلًا، حتى يبعثه الله وهو
ساجد. قال: ففعل. فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا فنجد له في العلم أنه يبعث
يوم القيامة، فيوقف بين يدي الله، فيقول له الرب: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي،
فيقول: بعملي. فيقول الله: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فتوجد نعمة البصر قد
أحاطت بعبادته خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد فضلًا عليه، فيقول: أدخلوا عبدي
النار، فيُجَرُّ إلى النار، فينادي: رب برحمتك أدخلني الجنة. فيقول: ردوه، فيوقف
بين يديه، فيقول: يا عبدي من خلقك ولم تك شيئًا؟ فيقول: أنت يا رب. فيقول: من
أنزلك في جبل وسط اللجة، وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح، وأخرج لك كل ليلة
رمانة، وإنما تخرج مرة في السنة، وسألته أن يقبضك ساجدًا، ففعل؟ فيقول: أنت يا رب.
قال: فذلك رحمتي، ورحمتي أدخلك الجنة. أدخلوا عبدي الجنة.. فنعم العبد كنت يا
عبدي. فأدخله الله الجنة. قال جبريل: إنما الأشياء برحمة الله يا محمد» (12).
«يخرج لابن آدم
يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه
النعم من الله عليه. فيقول الله عز وجل لأصغر نعمة -أحسبه قال في ديوان النعم-:
خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح، ثم تنحى وتقول: وعزتك ما استوفيت.
وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدًا قال: يا
عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمي» (13).
وأن نُدِيمَ
النظر دائمًا في سير النبيين والمرسلين من خلال القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين
محمد -صلى الله عليه وسلم- وكيف كان اتهامهم لأنفسهم، وخوفهم وإشفاقهم لمجرد
إتيانهم ما هو خلاف الأولى. ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين. هذا آدم وحواء حين
يهبطان من الجنة إلى الأرض لمجرد أن خالفا أمر الله وأكلا من الشجرة التي نهاهما
الله عن الأكل منها يقران بما وقع منهما ويطلبان المغفرة وإلا كان البوار والخسران
المبين، قال تعالى حاكيًا عنهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا
ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ
الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23).
وهذا نوح عليه
السلام حين ينهاه ربه أن يسأله شيئًا في حق ولده الكافر يخاف ويتهم نفسه، ويسأل
ربه العفو والمغفرة فيقول كما حكى القرآن الكريم: ﴿قَالَ
رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا
تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود:47).
وعن أبي هريرة
-رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوة فرفع إليه الذراع
وكانت تعجبه فنهش منها نهشة، وقال: «أنا سيد القوم يوم القيامة». هل تدرون بم؟
يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر **و**يسمعهم الداعي،
وتدنو منهم الشمس فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألا
تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم. فيقول بعض الناس: أبوكم آدم. فيأتونه فيقولون:
يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك،
وأسكنك الجنة. ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربي
غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي،
نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح أنت أول
الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا. أما ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى
إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبًا، لم يغضب قبل
مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي، نفسي، ائتوا النبي -صلى الله عليه وسلم-. فيأتوني
فأسجد تحت العرش فيقال: يا محمد ارفع رأسك واشفع تُشَفَّع وسل تُعْطَه... الحديث
(14).
وإن إكثار
التجوال في سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان شعورهم بالتقصير،
واتهامهم لأنفسهم، مع أنهم خير العصور بشهادة الله ورسوله، على النحو الذي قدمنا
أنفًا، فإن مثل هذا التجوال له دور كبير في شحذ الهمة وتقوية العزيمة، انطلاقًا من
اتهام النفس والانحناء عليها دومًا باللوم والتأنيب والتوبيخ. وأخيرًا اليقين بأن
مثل هذا الاتهام والشعور بالتقصير والتفريط في جَنْبِ الله هو بداية السعي نحو
الكمال، وحينئذ نصير أهلًا للتمكين والعون والنصر الرباني.
الهوامش
ـــــــــــــــــــــــ
1. الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الدعوات،
باب أفضل الاستغفار يقول إذا أصبح، 8/83-88، عن حديث شداد بن أوس مرفوعًا به.
2.
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب صفات
المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى،
4/2169-2171، رقم 71-78.
3.
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب صفات
المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى،
4/2169-2171، رقم 78-71 من حديث أبي هريرة وجابر ابن عبد الله، وعائشة -رضي الله
عنهم- مرفوعًا به.
4.
الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب
الشهادات، باب القرعة في المشكلة، 3/238، والنسائي في السنن الكبرى، تحفة الأشراف
بمعرفة الأطراف للحافظ المزي، 13/94، كلاهما من حديث أم العلاء الأنصارية مرفوعًا
به.
5.
قوله: «وهو يحبذ لسانه» يعني: يجذبه، إذ الجبذ
لغة في الجذب. انظر: النهاية لابن الأثير، 1/141.
6.
الحديث أخرجه مالك في الموطأ، باب ما جاء فيما
يخاف من اللسان، رقم 1810 من حديث زيد بن أسلم عن أبيه به، وأورده المنذري في
الترغيب والترهيب، 3/534 وعزاه إلى مالك.
7.
الحديث أورده الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن
العظيم، 4/11 وعزاه إلى ابن أبي حاتم في تفسيره.
8.
كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، 13/276، رقم
16328 من حديث ابن عمر موقوفًا عليه بهذا اللفظ.
9.
الحديث أورده ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب
الزهد، باب كلام ابن مرة، عن أبي الدرداء موقوفًا بهذا اللفظ.
10.
الحديث أورده السيوطي في الدر المنثور في
التفسير بالمأثور، 5/10 وعزاه إلى ابن سعد في الطبقات الكبرى، عن ابن أبي مليكة عن
أسماء موقوفًا.
11.
الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الجنائز،
باب فضل اتباع الجنائز، 2/110، ومسلم في الصحيح، كتاب الجنائز: فضل الصلاة على
الجنازة واتباعها، 2/652-654، رقم 945، 946، وأحمد في المسند، 2/470، 498، كلها من
حديث أبي هريرة -رحمه الله عنه- مرفوعًا به.
12.
الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب التوبة: باب
فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات
والاشتغال بالدنيا، 4/2106-2107، وأحمد في المسند، 4/346، كلاهما من حديث أبي
عثمان الهندي عن حنظلة مرفوعًا، واللفظ لمسلم.
13.
الحديث أورده الحافظ المنذري في الترغيب
والترهيب، 4/399-401 وعزاه إلى الحاكم في المستدرك من حديث جابر بن عبد الله
مرفوعًا به، وقال: «قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
14.
الحديث أورده المنذري في الترغيب والترهيب،
4/397-398 وعزاه إلى البزار.
15.
الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب
الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، 2/1215-1216، رقم 3162 من حديث أبي هريرة
مرفوعًا بهذا.