; أخلاق النصر عند جيل الصحابة: العناية بالفروسية | مجلة المجتمع

العنوان أخلاق النصر عند جيل الصحابة: العناية بالفروسية

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1993

مشاهدات 45

نشر في العدد 1036

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 02-فبراير-1993

أخلاق النصر عند جيل الصحابة: العناية بالفروسية

بقلم: د. سيد نوح - أستاذ الحديث وعلومه بجامعتي الأزهر والإمارات سابقًا

الفروسية: قوة مطلوبة شرعاً

وكان من الأخلاق التي تحلى بها الصحابة -رضي الله عنهم- وكانت سببًا في جلب النصر، والعون والتأييد الإلهي لهم العناية بالفروسية ممثلة في السباق على الخيل والإبل والرمي، والمصارعة، والسباحة والركض ونحوها انطلاقًا من قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ ﴾ (الأنفال: 60)، ومن قوله -صلى الله عليه وسلم- «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» الحديث (1) «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فلان» (2)، «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» (3) «من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا» (4) «إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه المحتسب في عمله الخير، والرامي به والمعد به» وفي رواية: «ومنبله، فارموا واركبوا، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا كل لهو باطل، ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه، ونبله فإنهن من الحق، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها» (5) «عليكم بالجهاد، فإنه باب من أبواب الله يدفع الله به عن النفوس الهم والغم» (6) «من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة» (7)

اقتداء الصحابة بالرسول في الفروسية

واقتداء وتأسيًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذ تقول عائشة -رضي الله عنها- سابقني النبي -صلى الله عليه وسلم- فسبقته فلبثنا، حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: «هذه بتلك» (8) وفي رواية أخرى أنهم كانوا في سفر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: «تقدموا» فتقدموا، ثم قال لعائشة «سابقيني» فسابقها فسبقته، ثم سافرت معه مرة أخرى فقال لأصحابه: «تقدموا» ثم قال: «سابقيني» فسابقته، فسبقني، فقال: «هذه بتلك» (9) وصارع النبي -صلى الله عليه وسلم- ركانة فصرعه، وكان ركانة من أشد الناس لا يصرع «وسابق -صلى الله عليه وسلم- بين الخيل».... الحديث (10). وكانت العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسابقها، فسبقه الأعرابي، وكأن ذلك شق على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «حق على الله ألا يرفع شيء من الدنيا إلا وضعه» (11). ويقينًا منهم أن هذه الفروسية هي طريق تطبيق وحماية الواجب الذي كلفوا به، وهو العبودية لله الممثلة في عمارة الأرض، والتقوى وقديمًا قيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

اهتمام الصحابة بالتدريب والمواقف العملية

هذا سلمة بن الأكوع يقول: بينما نحن نسير، وكان رجل من الأنصار، لا يسبق شدًا. فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك، فقلت: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا؟ قال لا، إلا أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ذرني فلأسابق الرجل، قال: «إن شئت فسبقته إلى المدينة» (12) وهذا سعد بن أبي وقاص، كان يقول لبنيه: «أي بني تعلموا الرماية فإنها خير لعبكم» (13) وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن علم غلمانك العوم، ومقاتلتكم الرمي فكانوا يختلفون في الأغراض، فجاء سهم غرب، فقتل غلامًا، وهو في حجر خال له لا يعلم له أصل فكتب أبو عبيدة إلى عمر إلى من أدفع عقله؟ فكتب إليه عمر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «إن الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له» (14). وقال إبراهيم التيمي عن أبيه رأيت حذيفة يعدو بين الهدفين بالمدائن في قميص» (15) وقال الأوزاعي عن بلال بن سعد: «أدركت قومًا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهبانًا» (16) وقال مجاهد: «رأيت ابن عمر يشتد بين الهدفين، ويقول: أنا بها» (17)، وكان عقبة بن عامر يختلف بين الغرضين، وهو شيخ كبير فقيل له: تفعل هذا وأنت شيخ كبير يشق عليك؟ فقال: لولا كلام سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم أفعله، سمعته يقول: «من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا» وفي رواية «فقد عصى» (18) هذا وغيره كثير، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على مدى عناية الصحابة بالفروسية واعتبارها جزءًا من العبادة الأمر الذي كان سببًا في نصرهم والتمكين لهم في الأرض.

دعوة إلى إحياء الفروسية

وإذا كنا – نحن المسلمين – نسعى اليوم من أجل التخلص من حياة الذل والهوان التي نحياها الآن فإن علينا أن نهتم بقضية الفروسية ونجعلها ضمن القضايا التي تشغلنا، وتقلق بالنا، كي يمدنا الله بمدد وعون وتأييد منه، ويعيننا على ذلك.

•       دوام النظر في كتاب الله عز وجل وسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنته. فإن فيهما دعوة صريحة وواضحة وملزمة بضرورة تعلم الفروسية والعناية بها من حيث إنها طريق للتمكين لمنهج الله في الأرض وحمايته من كيد الكائدين، وعبث العابثين، وقد قدمنا شيئًا من ذلك في مقدمة هذا الخلق.

•       دوام النظر كذلك في سيرة الصحابة -رضي الله عنهم ورضوا عنه- ومدى اهتمامهم وعنايتهم بالفروسية، والنظر إلى فعلها على أنه طاعة من الطاعات ينالون بها أجرًا، ومغفرة من ربهم ورضوانًا، كما أن التقصير فيها إثم يوجب العقاب، والذل والهوان المتمثل في الدنيا بعدوان الأعداء علينا، واستعبادهم وإذلالهم لنا وفي الآخرة بالنار، وبئس المصير.

•       وتذكر أنها طريق استخراج الطاقات والمواهب التي منحنا الله لتحقيق الخلافة في الأرض، والتي تبقي كامنة من داخل النفس البشرية ما لم يكن هناك تعويد، وتدريب وصبر ومصابرة.

•       وتذكر أنها الطريق الذي حمى به المسلمون دولة الإسلام خلال القرون الطويلة الغابرة، وخير تنظير لذلك الانكشارية فرسان الدولة الإسلامية إبان الخلافة العثمانية، حيث كان الواحد منهم يقاتل جيشًا وحده راجلًا وراكبًا على ظهر فرسه أو على جنبه أو تحت بطنه وهلم جرا.

•       وتذكر أن عدونا أخذ يحيي هذا الخلق في داره حتى صار لديه نماذج قوية البأس من المشاة، والصاعقة، والمصارعين، والملاكمين والخيالة، وهم لا يرجون من وراء هذا العمل إلا العلو والفساد والإفساد في الأرض، وأولى بنا إذًا أن نهتم بهذا الأمر، ونحول وجهة ما هو قائم الآن في الأندية ونحوها إلى أن يكون لله. ومن أجل إعلاء كلمة الله حتى لا يضيع سعينا هباء أو سدى.

•       وأن نطمئن إلى أن هذا العمل والجهد المبذول فيه لا يضيعان هباء وإنما لنا فيهما الأجر والمثوبة في الدنيا والآخرة شريطة أن يكون لله ومن أجل إعلاء كلمة الله U أن يقول -صلى الله عليه وسلم- «كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لغو أو سهو إلا أربع خصال مشى الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، وتعلم السباحة» (19) «من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة». (20)

الفروسية سلاح الرعب في قلوب الأعداء

•       وأن نتذكر أن هذه الفروسية عندما تكون نابعة من مهارة وإتقان فإنها تلقي الرعب في قلب العدو فيفر تاركًا وراءه كل شيء وحسبنا منفعة لون واحد من ألوان الفروسية ألا وهو الرمي إذ يقول الحافظ ابن القيم: «إن منفعة الرمي، ونكايته في العدو فوق منفعة سائر آلات الحرب، فكم من سهم واحد هزم جيشًا وإن الرامي الواحد ليتحاماه الفرسان وترعد منه أبطال الرجال، هذا وإن السهم بريد الموت ترسله إلى عدوك فيكفيك مؤونته على البعد، وقد علم بالتجربة أن الرامي الواحد إذا كان جيد الرمي فإنه يأخذ الفئة من الناس الذين لا رامي معهم، ويطردهم جميعًا، ولهذا عند أرباب الحروب أن كل سهم مقام رجل فإذا كان مع الرجل الرامي 100 سهم، عد ب100 رجل، والخصم يخاف من النشاب أضعاف خوفه من السيف والرمح، وإذا كان رجل واحد رام أمكنه أن يأخذ 100 فارس لا رامي فيهم ويغلبهم، و100 فارس لا يغلبون راميًا واحدًا، ولهذا يُلقى من الرعب لصاحب الرمي – عند خشخشة النشاب والجعبة ما لم يلق لصاحب السيف والرمح، وهذا معلوم بالمشاهدة حتى إن الألف ليفزعون من رام واحد، ولا يكادون يفزعون من ضارب سيف واحد، فصوت الرامي الجيد في الجيش خير من فئة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة» (21)

قصة سلمة بن الأكوع في ذي قرد

وأضع الآن بين أيدينا نحن المسلمين ولاسيما شبابنا قصة هذا الصحابي الرامي سلمة بن الأكوع والذي استطاع وحده أن يقاوم جيشًا وأن يرده على أعقابه خاسرًا خاسئًا، وهي واردة في صحيح مسلم يقول سلمة -رضي الله عنه- قدمنا الحديبية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن أربع عشرة مئة، وعليها 50 شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جبا الركية يعني ما حول البئر فإما دعا، وإما تفل فيها، قال: فجاشت يعني ارتفعت وفاضت فسقينا، واستقينا. قال: ثم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا للبيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس، ثم بايع، وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس قال بايع يا سلمة، قال: قلت، قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال: «وأيضًا»، قال: وأراني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عزلًا يعني: ليس معه سلاح قال: فأعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجفة أو درقة أشبه بالترس ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس. قال: «ألا تبايعني يا سلمة»؟ قال: قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس. وفي أوسط الناس، قال: «وأيضًا» قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: «يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟» قال: قلت يا رسول الله لقيني عمي عامر عزلًا، فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: «إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيًبا هو أحب إلى من نفسي، ثم إن المشركين راسلونا بالصلح، حتى مشى بعضنا في بعض، واصطلحنا، قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله أسقى فرسه وأحسه -يعني أحك ظهره بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه وأخدمه وأكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي، مهاجرًا إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم، واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي للمهاجرين قتل ابن زنيم قال فاخترطت سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة، وهم رقود فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثا أي مجموعًا في يدي، قال: ثم قلت: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يعني أمية الصغرى يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فرس مجفف، يعني عليه ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه من السلاح على فرس مجفف، فنظر إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال «دعوهم، يكن لهم بدء الفجور وثناه» فعفا عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ﴾ (سورة الفتح: 24). قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جبل، وهم المشركون، فاستغفر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، قال: فرقيته تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا، ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بظهره يعني أبله المعدة لركوب وحمل الأثقال مع رباح غلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة، أنديه يعني أسقيه قليلًا ثم أرعا مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستاقه أجمع وقتل راعيه، قال: فقلت يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن المشركين قد أغاروا على سرحه، قال: ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا، يا صباحاه، ثم صرخت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول: أنا ابن الأكوع *** واليوم يوم الرضع

 قال: فوالله: ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل. فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم أتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من 30 بردة و30 رمحًا. يستخفون ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه أرامًا من الحجارة.. يعرفها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، حتى أتوا متضايقًا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري، فجلسوا ينضحون «يعني يتغذون» وجلست على رأس قرن قال الفزاري ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال فليقم إليه نفر منكم أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام قال قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال قلت أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد -صلى الله عليه وسلم- لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني قال أحدهم أنا أظن. قال: فرجعوا فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخللون الشجر. قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، قال فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين فقلت: يا أخرم احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه قال يا سلمة: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعبد الرحمن، فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمد -صلى الله عليه وسلم- لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ولا غبارهم شيئًا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد ليشربوا منه وهم عطاش قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم. ف**خليتهم** عنه «يعني أجليتهم عنه» فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم، فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. قال: يا ثكلته أمه أكوعه بكرة. قال قلت نعم يا عدو نفسه أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على الماء الذي حلأتهم عنه. فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقذه من المشركين، وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذها من القوم، وإذا هو يشوى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كبدها وسنامه قال قلت يا رسول الله خلني، فانتخب من القوم 100 رجل فاتبع القوم، فلا يبقى مخير إلا قتلته، قال: فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه في ضوء النار فقال: «يا سلمة أتراك كنت فاعلًا؟» قلت: نعم والذي أكرمك فقال: «أنهم الآن ليقرون في أرض غطفان»، قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا فقال أتاكم القوم، فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «كان خير فرساننا» وقال أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة قال: ثم أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة الحديث.

ومن يعايش القرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية، وينعم النظر في فقه السلف وهديهم يمكنه أن يحصل الكثير من هذه الأصول، وتلك القواعد، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

________________________________________

📝 الهوامش

(1) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب القدر باب في الأمر بالقوة 4/2052 رقم 664 وابن ماجه في السنن المقدمة باب في القدر 1/31 رقم 79 كلاهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الجهاد باب التحريض على الرمي رقم 2899 وأحمد في المسند 4/50 كلاهما من حديث سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- مرفوعًا.

(3) الحديث أخرجه أحمد في المسند 2/358، 425 والنسائي في السنن كتاب الخيل: باب السبق 6/226-227 وأبو داود في السنن كتاب الجهاد باب السبق رقم 2574، والترمذي في السنن: كتاب الجهاد باب ما جاء في الرهان والسبق كلهم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا.

(4) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الإمارة باب فضل الرمي رقم 1919 وأبو داود في السنن: كتاب الجهاد باب الرمي رقم 2013 كلاهما من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا.

(5) الحديث أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الجهاد باب الرمي 2013 من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا.

(6) الحديث أخرجه أحمد في المسند 5/114 وقال عنه الهيثمي في المجمع 5/272 ورواته ثقات.

(7) الحديث أورده ابن حجر في تلخيص الحبير 4/182، وعزاه إلى الطبراني من حديث أبي ذر مرفوعًا.

(8) الحديث أخرجه أحمد في المسند 6/39، 554 وأبو داود في السنن كتاب الجهاد.

(9) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند 6/239-364 وأبو داود في السنن: كتاب الجهاد في السبق على الرجل رقم 2578 كلاهما من حديث عائشة مرفوعًا، وأورده الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير 4/179 وعزاه إلى الشافعي والنسائي وابن حبان والبيهقي.

(10) الحديث أخرجه أبو داود في السنن كتاب اللباس باب العمائم رقم 4078 والبيهقي في السنن الكبرى 10/18، وابن كثير في البداية والنهاية 3/102 بإسناد جيد عن ابن عباس.

(11) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الجهاد والسير باب ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- رقم 2872 من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- معلقًا وكتاب الرقائق باب التواضع رقم 6501، وأبو داود في السنن: كتاب الأدب باب كراهية الضحك في الأمور رقم 2802، 2803 كلاهما من حديث أنس مرفوعًا بهذا اللفظ وينحوه.

(12) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الجهاد والسير باب غزوة ذي قرد وغيرها 3/1433–1441 وأحمد في المسند 4/52–54 كلاهما من حديث سلمة بن الأكوع مرفوعًا في قصة طويلة ستأتي الإشارة إليها بعد قليل بإذن الله.

(13) الحديث أورده الحافظ ابن القيم في كتاب الفروسية باب ما جاء في النضال ص 41 من حديث مصعب بن سعد عن أبيه بهذا اللفظ وعقب عليه بقوله ذكره الطبراني في كتاب فضل الرمي.

(14) الحديث أخرجه أحمد في المسند 1/46 وصححه الشيخ أحمد شاكر رقم 323، والبيهقي في السنن الكبرى 10/14 من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمر موقوفًا.

(15) الحديث أخرجه سعيد بن منصور في السنن كتاب الجهاد باب ما جاء في الرمي وفضله 2/173 رقم 2457، 2458 من حديث إبراهيم التيمي بهذا اللفظ.

(16) الحديث أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 5/224 من حديث بلال بن سعد بهذا اللفظ وأورده الحافظ ابن القيم في الفروسية ص 48.

(17) الحديث أخرجه سعيد بن منصور في الفتن كتاب الجهاد باب ما جاء في الرمي وفضله 2/73 رقم 2459، 2460، وابن أبي شيبة في المصنف 5/502، وأورده الحافظ ابن حجر في تلخيص الخبير 4/183 وحسن إسناده وكذلك أورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الجهاد باب ما جاء في القسي والرماح والسيوف 5/269 وعزاء إلى الطبراني قائلًا: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

(18) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الإمارة باب فضل الرمي 3/1522–1523 رقم 1919 وأبو داود في السنن كتاب الجهاد باب الرمي 2/28–29 كلاهما من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا واللفظ لمسلم.

(19) الحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب القصي والرماح والسيوف 5/269 من الجهاد باب في حديث جابر ابن عبد الله وجابر بن عبيد الله الأنصاري مرفوعًا، وعقب عليه بقوله: «رواه الطبراني في الأوسط والكبير والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا عبد الوهاب بن بخت وهو ثقة».

(20) الحديث أورده ابن القيم في الفروسية ص 240 وعزاه إلى الطبراني في كتاب فضل الرمي، عن أبي ذر مرفوعًا.

(21) انظر: الفروسية للحافظ ابن قيم الجوزية ص 63.

(22) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الجهاد والسير باب غزوة ذي قرد وغيرها 3/1433–1441.


الرابط المختصر :