العنوان أدب الفوضى الجنسية.. ضياع للإنسان ودمار للحضارات
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 908
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 14-مارس-1989
لقد عرضنا في مواضيع سابقة إلى موضوع «الجنس» من خلال وجهة النظر الإسلامية، وانعكاساتها على الأدب الإسلامي، من حيث ضبط الميل الفطري بين الجنسين بما يكفل حياة الهناء والاستقرار. ووازنًا مرتقى النظرة الإسلامية بما يجوس خلال العالم - والأوروبي منه بخاصة - من نظرات منحرفة للجنس، بعيدة عن الهدى الإلهي، قد ضخمته وأعطته أكثر من مساحته نائبة عن طريق الفطرة الإنسانية، بما أورث الإنسان المعاصر القلق والفوضى وعدم الاستقرار، ثم رأينا - ويا للعجب بعض أدبائنا يتبنون تلك النظرة المنحرفة، بفعل تغربهم وصدورهم عن تصور مغاير لتصور أمتهم، فيعرضون تلك المباذل باسم الحرية الزائفة، استسلامًا لميولهم وتصوراتهم غير المنضبطة.
وفي هذه الحلقة الأخيرة نعرض خلاصة لآفاق الموضوع، حيث تتراءى لنا عواقب الفوضى الجنسية على حياة الإنسان وحضارات الشعوب نتيجة للبعد عن الناموس الإلهي والفطرة الإنسانية التي برأها الله.
الفوضى الخلقية ليست خروجًا على قوانين وأعراف وحسب، بل هي خروج عن ناموس الوجود الذي من سماته الضبط والوزن.. إن ترك الإنسان في القرن العشرين مسار الفطرة في الزواج واتباعه فوضى الجاهلية في الأخلاق جرع إنسانية الشقاء والضياع، ولذا نرى على هذا الطريق ضحايا وصرعى بفعل انحراف الأدب والمجتمع عن طريق الفطرة واضطراب ضبط الميل بين الجنسين.
وفي أدبنا المعاصر نلمح بادرة أصيلة إلى تبصير الإنسان في خضم الجاهلية المعاصرة بالثمن الذي يدفعه الإنسان الذي ينحرف عن الفطرة... فهي تسلط الضوء على الإقامة والارتفاع.
«فريد» رمز للفتى المخادع و«رولا» قناة تحلم بالبيت السعيد، وهما زميلان جامعيان في فئة واحدة، وبعد الانصراف تطوع بإيصالها إلى بيتها بسيارته، ولكن انطلق بها خارج المدينة، وأراد أن يطمئنها بأنه يريد خطابها في أمر هام، وأخذ يدغدغ عواطفها برغبته في الزواج من الفتاة الجميلة التي تناسبه فملأ نفسها طيف البيت السعيد فهمست:
-وماذا تنتظر إذًا؟ لم تخطبها يا فريد؟
فرد ينزف مستهجنًا أن تنسى:
-أخطبها هكذا وبمثل هذه العجلة، الزواج يا رولا عيشة عمر، وحتى يكون ناجحًا لا بد أن تسبقه فترة صداقة، ربما تكون فترة طويلة أو قصيرة، ولكنها ضرورية جدًا، صداقة ما قبل الزواج هذه، إنها صداقة مقدسة وشريفة....
أبطأ سرعة السيارة واصطنع التنهد
- بصراحة لقد أخترت الفتاة التي سأعيش معها، إنها رائعة وعصرية، تفهم معنى اللباقة، وتفهم معنى الصداقة البريئة بين الشاب والفتاة.
تململت، وأحست بالضيق، ولكن جارته في حركاته الآثمة على مضض، لتثبت له أنها رائعة وعصرية وتفهم معنى اللباقة.. فكرت في نفسها وهي تغالب اشمئزازها: أريد الزواج أريد الزواج.. ولكن.. هل هذا هو الطريق؟ أين تراني سانتهي؟
صارعتها الهواجس والأماني، وخدرها حلم هش كانت تقطعه ومضات محذرة من نهاية مفجعة، فانحدرت شيئًا فشيئًا إلى قاع كريه تملوءه عناكب بشعة.
عضت رولا على شفتها بحرارة حتى كاد الدم ينبجس منها وهي تسكن شعرها الثائر، وتراءت عينيها أطياف دموع نادمة أخفاها الظلام: ما هكذا يا رولا تبحث الفتاة عن الزواج؟ وليس هذا بطريق سعادة ولا أمان.. كادت الأوهام الخادعة تحطمك أيتها الغبية... آه، نعم، لقد نجوت هذه المرة بأعجوبة......
وقبل أن تغادر السيارة قالت بشرود:
- اتعلم بماذا ذكرتني هذه... ال... النزعة؟ لقد ذكرتني بإجابة مثقفة فرنسية لما سئلت عن رأيها بالصداقة «البريئة» بين الرجل والمرأة، أتدري بم أجابت؟
رد ببرود وهو ينفث دخان لفافته؟ لا، فأجابت:
- إن ما يقال عن تلك الصداقة إن هو إلا أكذوبة اختلقت لخداع النساء... رسم فريد على وجهه ابتسامة صفراء.
وألقى بوجهها الأحرف بطيئة:
- أرجو ألا تكون قد وصلت إلى هذه البدهية بعد فوات الاوان [1](1)
ويعرض نجيب الكيلاني لضحية من ضحايا اختلاط النساء بالرجال، فتاة جامعية تقطن مع أختها وزوجها الفنان الذي ولج بها الوسط الفني بحياته ومبادئه، ثم كان على يديه سقوطها في لحظة تسلط وطيش، ولما كان لاحل لها بالزواج من زوج أختها، فقد أعثرت أمامها الحلول، وفكرت بأن الانتحار هو الحل الوحيد، لولا عناية الله [2](1)..
إن حياة الاختلاط السافر بين الجنسين من خلال سهرات ورقص وسباحة وخمرة وميسر، والأحاديث المكشوفة فيها، تفرز مآسي عائلية من خلال انعدام ضبط الميل بين الجنسين واستحالته إلى شهوة متجددة لا تعرف السكن الزوجي.... وهذا ما كان من شأن «بنت أكابر» في قصة عبد الله الطنطاوي التي استهوتها الشهرة والإعجاب بجمالها، وكانت تطرب لهذا ويستخفها حتى لتكاد تطير... في هذا المجتمع المختلط المتحرر من الضوابط الخلقية تزوجت من ابن عمها، ولكن تداولتها أيدي صديقين له بالإطراء والكلمات المعسولة، وجذبها اهتمامهما فسايرتها حتى سقطت وطلقت.
-هجرها الجميع بعد سقوطها، وهي أم ولد في الرابعة من عمره، تأكلها الحسرة والندامة وتتمنى العودة إلى زوجها وولدها )[3](۲)
وفي هذا السبيل تطلق عزيزة هارون صيحة تحذير، مخافة أن تكون الفتاة العفة ضحية إغواء، وعندئذ يكون الخسار الذي لا يعوض:
ولرب مدح للفساد يسوق نفسًا عاتية
لهفي على الحسناء من شر البرايا غافية
سقطت وأحلام الفتاة باسمات حالية
تبكي على نعمائها بالعاطفات الباكية
أین علی نعمائها بالعاطفات الباكية
أين السعادة والهنا؟ أين الحياة الصافية
عصفت بها أيدي الغواة وما الغواة براثية
ما قيمة الحسنا إذا فقدت حلاها الغالية [4](3)
بعد عرضنا لعواقب الفوضى الخلقية بدافع الجنس متمثلة في ضحايا هذا الطريق المتغرب، وماثلة في ضياع الإنسان في كثير من الأحيان، ومفارقته أسباب إنسانيته، نعرض بإجمال لعواقب الفوضى الجنسية في حضارات العالم.
لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية السبب الأول في انحطاط الحضارات القديمة.. لقد كان وراء انحطاط الحضارة الرومانية [5](1)، ومن وراء انحطاط الحضارة الفارسية [6](٢).. وكل من سار على طريقهما في الفوضى الجنسية.
وهذه الفوضى نفسها أخذت تهز كيان الحضارة الغربية الراهنة، فمن ذلك: لقد كان من نتائج الفوضى الجنسية في فرنسا اضمحلال القوى الجسدية، وتدرجها إلى الضعف يومًا فيومًا بسبب الهياج الشهوي الدائم الذي أوهن أعصابهم، وجعل الأمراض السرية تفتك بهم، ويتناقص تعداد الأمة بشكل خطير[7](3).
والحال في أمريكا ليس أقل من ذلك، وإن كان شبابها وعنفوانها يخفي نذر المرض، لقد قررت لجنة الأربع عشرة الأمريكية التي تعني بحالة البلاد الخلقية: أن تسعين في المائة من أهليها مبتلون بالأمراض السرية «وذلك قبل شيوع التقنيات الطبية الحديثة» [8](4).
ومع ذلك فإن هناك من يعنيه الجنس المنحرف أكثر مما تعنيه الحضارة، فإن نزار قباني يعرض في ديوانه الذي اختاره من دواوينه «أحلى قصائدي» ثلاث قصائد هي: القصيدة المتوحشة [9](5) ونهداك [10](6) وإلى نهدين مغرورين (7)[11]، يقول في الأولى:
أحبيني بكل توحش التتر
بكل حرارة الأدغال، كل شراسة المطر
ولا تبقى ولا تذرى
ويوصيها ألا تتحضر أبدًا، لأن الجنس الذي يريد جنس الأدغال!
ولا تتحضري ابدًا
فقد سقطت على شفتيك
كل حضارة الحضر [12](1)
إنها سنة الله وفطرته في الإنسان ،من حاد عنها تلقته عقوبة الفطرة، دمارًا وخسارًا، لأنه خرج عن ناموس الله في خلقه، وألقى غاية وجوده، وأهدر تكريم الله له وما ناط به من دور في هذه الدار، وصدق الله العظيم:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء16:17) [13](۲) .
([1]) أختاه أيتها الأمل «رواية» أحمد بدوي ص: ۷۸ - ۷۹
([2]) حكايات طبيب دكتور: نجيب الكيلاني، أقصوصة «لحظة طيش» بيروت ۱٤٠٢ - ۱۹۸۲.
([3]) ذرية بعضها من بعض: عبدالله الطنطاوي، حلب ۱۳۹۷ ص ٨٨-١٠٤
([4] ) مجلة التمدن الإسلامي «الدمشقية»: م / ١١ ع: ١٠ عام ١٣٦٤ - ١٩٤٥ ص ١٩٧
([5]) انظر ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: أبو الحسن الندوي، بيروت - سادسة ١٣٨٥ - ١٩٦٥ ص ١٦٥
([6]) نفسه: ٣٨-٤١
([7]) انظر الحجاب: أبو الأعلى المودودي، بیروت ۱۳۹۸ - ۱۹۷۸ ص ۹۱
([8]) انظر في ظلال القرآن: 5/637
([9]) دیوان أحلى قصائدي: ١٠٠ - ١٠٤
([10]) نفسه: ۱۰5 - ۱۰۸
([11]) نفسه: ٩٥-٩٦
([12]) دیوان أحلى قصائدي: ۱۰۱
([13]) الإسراء: ١٦ - ١٧
أين نحن؟؟
- محمد حمود زيد الموشكي
أين نحن اليوم قولوا يا صحاب
ما دهانا؟ ما الذي يجري؟
وكيف المجد أضحى كالسراب؟
أین تاريخًا مجيدًا...
أین دستورًا سدیدًا...؟
كيف نرضى... أن نعيش اليوم
أحرارًا.. عبيدًا تحت سطان الذئاب
ننحني من كل باب!!
يا صحاب...
نحن تهنا... بعد أن صرنا
قطيعًا.. نطلب الموت
لكن نرتاح من هذا العذاب
بعد أن خفنا الكلاب
نلمح النور ولكن... نتعامى.. نتغابی
ونظن النور أوهامًا...
فضيعنا الخلافة والكتاب
يا صحاب
اسألوا التاريخ عنا....
هل صحيح مجدنا....
وهاماته قد طاولت
أفق السحاب
كيف لنا... كيف صرنا
كيف أصبحنا... وبتنا
في متاهات اليباب
يا صحاب
حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم
بدد الظلم ... تلاشت من حياة الناس
أوهام العقول
فبني أباؤنا مجدًا....
ونحن اليوم بالخراب
فاستفيقوا يا شباب؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل