العنوان أدب- العدد 553
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 553
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
هذه القضية
زاوية جديدة في ركن الأدب، توجه أنظار المهتمين الإسلاميين من كتاب وأدباء وباحثين إلى قضية حيوية ومهمة على مستوى الفكر يعاني المجتمع الإسلامي من القصور فيها، وتطلب إليها أن يسهموا في وضع الحلول العملية لمعالجتها، حتى نكون جميعًا من الذين يقولون ويفعلون، لا من الذين يقولون ولا يفعلون، أو لا يقولون ولا يفعلون، ونسأل الله الهداية للجميع ...
وفي هذه الحلقة نتساءل: أين أدب الطفل الإسلامي؟! الذي لا يقتصر على الأقصوصة فقط، بل يغطي معظم اهتمامات الطفل في القصة والشعر والمسرحية والموضوعات السهلة المبسطة؟! إننا نوجه أنظار الكتاب الإسلاميين إلى هذه القضية المهمة التي انتبه إليها قبلنا كل أصحاب المذاهب السياسية والفكرية فركبوا موجها وخاضوا لجها، وجئنا من بعدهم نتلقف ما صنعوا لأبنائنا وفيه مع الدسم السم الكثير القاتل.
فإلى إخوتنا الكتاب، ندعوهم بإلحاح ونحثهم إلى العمل في سبيل إيجاد «المكتبة الإسلامية الخاصة بالطفل المسلم».
والله ولي التوفيق،،
خاطرة
نفحة إيمانية!
عندما بدأنا نترجم باختصار لبعض الإخوة الشعراء مع عرض نماذج لأشعارهم الطيبة في زاوية «تحت الراية»، كنا نهدف إلى التعريف بكوكبة مخلصة تقف على الثغر الأول من ثغور الثقافة الإسلامية المعاصرة، مدافعة ومجاهدة وتحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكل الذي كان يدور في خلدنا آنذاك، أننا نؤدي واجبًا لازمًا علينا، نرجو المثوبة عليه من الله تعالى، وندع حسن الثناء والجزاء لدعوة طيبة في ظهر الغيب من أخ كريم، لعل رحمة الله تنال الجميع وما ذلك على الله بعزيز.
ولكن رقة نسائم اليمن حملت إلينا رسالة كريمة طيبة من أخينا الشاعر الأستاذ حسن بن يحيى الذاري المشرف الموجه بالمعاهد العلمية اليمنية، حفظه الله، وفيها يثني على ما قدمناه من تعريف به وبشعره، كما يفيض من معين خلقه الكريم صفات طيبة لهذه المبادرة التي قمنا بها.
ونحن إذ نؤكد مرة ثانية بأننا إنما نقوم بأداء بعض الواجب لنعتز برسالة الأخ الشاعر، ونعتبرها دافعًا لنا على الطريق، كما يسعدنا الشعور بأنه لقي اهتمامًا في مجلة إسلامية تدعو إلى تأصيل الأدب الإسلامي والتأكيد على دوره الفاعل في تكوين الشخصية الثقافية المثلى للإنسان المسلم.
ونحب أن نعلمه بأن جميع قصائده المرسلة قد وصلت إلينا، وهي محل تقدير منا، أما نشرها فسيكون حسب الإمكانية، وليعذرنا الأخ الشاعر في هذا، لأنه يرى بلا شك ضيق المساحة المخصصة للأدب وإلى لقاء إن شاء الله.
حكاية صديقي ... جلال!
للأخ/ مصطفى عبد الرحمن
بكل بساطة، وضع صديقي جلال فوهة مسدسه الحربي على قلبه وأطلق طلقة واحدة ... ومات!!
* * *
تلك بداية القصة، ولكنها نهاية واقع مر قاس عاشه جلال قبل ما يزيد على عشر سنوات من هذا التاريخ، ولا بد من التفاصيل.
* * *
تلك الواقعة مضى عليها الآن، في نوفمبر 1981 ثماني سنوات عجاف، فهل كان من المقدر على أن أمضي كل هذه السنوات حتى يتاح لي الآن فقط أن أروي تفاصيلها؟! إن مرور الزمن السريع هذا لن ينسيني أبدًا تلك الليلة الرهيبة التي بتها وحيدًا في خيمة مفردة في العراء تحت الأرض، على حدودنا مع العدو تلك الليلة القاسية من ليالي نوفمبر 73، وكانت قد مضت على نهاية حرب أكتوبر أيام لا تتجاوز شهرًا! حيث انتحر جلال.
* * *
آه من تلك الحرب التي نفخ في الدعاية لها إعلام يجيد قلب الحقائق والكذب على الله وعباده!! تلك الحرب هي التي قتلت صديقي جلالًا، الذي كان قائد مجموعتنا المقاتلة من المشاة، كان فتى صلب المراس، عنيدًا قاسيًا، ولكنه كان مع ذلك يحلم ومن أحلامه أنه صدق هذه الدعاية السوداء، يوم قالوا في الإذاعات والصحف: سنحرر البلاد ونطرد الأعداء، ونرجع المشردين إلى بلادهم.
* * *
صديقي جلال عسكري محترف، وكنا نخدم معه فترتنا الإلزامية فجمعنا الواجب تحت سقف خيمة كانت الشاهد على تلك المأساة ولأنه عسكري بحت لم يكلف نفسه جهدًا في المطالعة وتثقيف نفسه فاكتفى بالمجلة العسكرية يفتح صفحاتها ثم يقطعها لتكون خوانًا لطعامه! فصدق اللعبة القاتلة، وحمل معه زوادة المقاتل: مسدسه الحربي وبضع مئات من الطلقات، ولم ينس مع دهشتنا الشديدة، أن يحمل معه مايوه السباحة و... عذرًا إذا عرفت الآن بعد موته بأنه خبأ في ثنايا حقيبته الصغيرة زجاجة مشروب محرم!! كيف ذلك؟ ولم يا أبا عبده؟!
* * *
صديقنا جلال أبو عبده قال بثقة الجندي العمياء: سننتصر أيها الرفاق على اليهود، وسنصل إلى البحيرة، وهناك سنسبح، و... سنشرب!! بعد أن نصيد، نعم نصيد!! فهل في هذا عجب؟!!
* * *
لم نعد نعجب من تصرفاته، فقد كان مجموعة من التناقضات والإشكالات المعقدة، روى لنا هو بنفسه أنه درس في مطلع شبابه في معهد ديني، ثم انقلب على دراسته لأنه انزعج من أحد المدرسين ثم انقلب على أفكاره نفسها ... في رمضان، كنا نسأله: لم لا تصوم يا أبا عبده؟! فكان يقول: لأن رمضان سبب غلاء الأسعار، هؤلاء التجار يزيدون أسعار بضائعهم في رمضان، فهل هذا من الدين؟! فكان يفطر نكاية بهذا كله، وكنا في أول رمضان عندما بدأ النفير العام، فما أتى العاشر من الشهر حتى أخذنا دورنا في التشكيل المقاتل، زحفًا نحو الأرض المحتلة!!
* * *
إيه أبا عبده!! أين أنت الآن؟!
* * *
خاض أبو عبده الحرب مثل غيره، ولكنه ما إن تقدم عشر خطوات حتى تراجع مئة!! وهكذا عاد مع من عاد ذليلًا مهزومًا خجلًا!! قد ضيع طلقات المسدس مع حقيبته والمايوه والزجاجة!! ما أقسى شواهد الخيبة هذه!!
* * *
لم تكن هذه خيبته الوحيدة! فقد كان بانتظاره أعظم خيبة تنتظر إنسانًا مغرورًا مغترًا!! موقف خطيبته منه بعد هذه الهزيمة المنكرة!!
* * *
في الواقع، كان جلال يبني الآمال على هذه الخطبة التي طالت جدًا، ولم يكن بمقدوره أن ينهيها لصالحه، فقد كانت أزمة السكن القاتلة تأخذ بخناقه، وأهله يستعجلونه بالزواج وأهل خطيبته أيضًا!! هو يعدهم إلى ما بعد التحرير!! يا لتلك الكلمة القاتلة!!
* * *
مرت أيام قليلة بعد التراجع المشؤوم على خط الحدود، واتسع الحزن فزاد نصيب العدو من ممتلكاته في أراضينا!! وأشيع أن محاكمات ستليها أحكام قاسية قد تصل إلى الإعدام، سوف تطال المقصرين والمتخاذلين!! فخاف كثيرًا.
* * *
كان الإحباط شديدًا، وبقدر ما ارتفعت الآمال، انحطت النفس إلى مرحلة اليأس والقنوط القاتل.
في تلك الليلة من نوفمبر 73 غافلنا جلال، وقتل نفسه، ولكن أكتوبر ونوفمبر ما زالا يعودان كل سنة!
في عين الشمس
بركات ... الرعب!!
بالرغم من كل الضجيج الذي يطلقه الشعراء الجدد، وبالرغم من كل الحالات التي يفتعلونها ليضعوا أنفسهم في بؤرة الضوء، ضوء الشهرة والنجومية، فإنهم لا يستطيعون أن يخفوا حقيقة واحدة، بسيطة وملحة، هي أنهم محصورون في زاوية العالم، ومحاصرون بالرعب والخوف من المجهول والمعلوم على حدٍّ سواء!!
في مقابلة مع الشاعر الشاب سليم بركات أجرتها مجلة «الدستور» ع/211 اعترف بصراحة مطلقة بهذه الحقيقة، لأنه لم يجد أمامه مناصًا من ذلك، فالرعب فرض نفسه على الأجواء العامة في معظم الساحات العربية «خاصة»، سأله المحرر: من يقرأك يحس أن ثمة كوابيس تجثم على قلبك، هل تكتب الشعر وأنت في حالة راعبة؟!
فأجاب: أي لحظة من حياتنا ليس فيها رعب، أو جرس من الرعب؟!
نحن محكومون منذ الطفولة بالقمع: العائلة أولًا، والمدرسة ثانيًا، والشرطي ثالثًا، والنظام رابعًا، والحياة خامسًا، والموت سادسًا!! الرعب، هذا خبزنا اليومي، ماضينا وحاضرنا، لا شرط إنسانيًا لنا!! لا رأي لنا نعيش وفق ما يخطط الآخرون، وننام ونحلم ونموت كذلك، أي كابوس يعادل أن ترى من لا يستحقون الحياة يقطفونها عنقودًا عنقودًا وأنت في مخبئك الداخلي وراء القناع ترتجل حركات مهرج سعيد؟!
... تلك باختصار مقولة بركات، القادم من ريف سورية الشمالية، وهي شهادة أقرب إلى الصدق على واقع الحال؛ لأنها تأتي من داخل البيت!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل