; أدب | مجلة المجتمع

العنوان أدب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 788

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

فن النشيد عند أبي الوفا

انتبه الشاعر المرحوم «محمود أبو الوفا» إلى قضية النشيد في وقت مبكر، ونظر إليه نظرة تختلف كليًّا عن «القصيد» وفرق بينهما، فتحدث عن وحدة البيت في القصيد وما يقابلها في النشيد، فأوضح أن الشطرة في النشيد هي البيت، وعليه فيجب أن تبدو مستقلة تمام الاستقلال، لتكون فكرة تتصل اتصالًا معنويًّا بالمعنى الكلي للنشيد، وقد حدد هذه القضية بقوله: «النشيد عملية تآلف بين الكلمات والمعاني، ثم بين الشطرات التي يتلاقى بعضها مع بعض بما يشبه الجاذبية، فإذا بهذه الصورة البيانية هي النشيد».

وحول المعنى واللفظ وما بينهما من ارتباط، قال أبو الوفا: «ملاك الأمر الكلمة الواضحة محددة المعنى الواضح المحدد، وأما الأمر الثاني فهو في معرفة كيف تستخدم هذه الكلمة المختارة إلى جوار أختها، فإذا الذي بينهما من النسب أو التناسب، هو عين ما بين الإنسان وأخيه لأمه وأبيه، وإذا بكل منهما في موقعه الصحيح، كأنها العنوان الكامل على نسبها الصريح».

واللفظة عند أبي الوفا في النشيد ذات إيحاء معين، لا يشط عما يعرضه الطفل، أو ما يستطيع تحصيله. ومن شروط الألفاظ عنده القوة والنفاذ حتى تصل إلى الحس، بل إلى ما وراء الحس إن أمكن. ولا يصح عنده أن تكون من ذوات الهمس، ولكن يجب أن تكون من ذوات الرنين.

أما عن استعمال أوجه البيان من تشبيه واستعارة وكناية في النشيد، فإن أبا الوفا لا يعد ذلك من البراعة، وعنده أن النشيد بقدر ما تقل فيه أدوات البيان بقدر ما يسمو إلى أعلى مراتب الاستحسان. ويخطِّئ كثيرًا ممن يكتبون النشيد حين يظنون أن حشد الصور البيانية فيما يكتبون يساعد على نمو خيال الطفل، إذ إن خيال الطفل ليس هو ذاك الخيال المعقد الذي يستطيع أن يربط بين الجزئيات، ويقرب الحس من المعنوي، ويستخلص النتيجة من وراء هذا الربط الذي يوحي به الشبه. وبشكل عام فإن معظم الأطفال لا يريدون أن يحدد لهم الكبار خيالاتهم، وتبقى الصورة المبصرة هي اللون المفضل لدى الطفل، وكذلك ما يقوم على اللمس والسمع والشم والمذاق. ويلخص أبو الوفا رأيه بالنشيد فيقول: «للنشيد مواقف لا يجزئ فيها غيره، كما أن له وظائف لا يؤديها سواه، والواقع أن النشيد فن، ولكنه لا يزال محتاجًا إلى الكثير من العناية، والكثير من الإيضاح، والكثير من التحديد».

والسؤال هنا: هل أضاف الذين أتوا بعد أبي الوفا شيئًا جديدًا إلى فن النشيد؟

أبو بشير

غربة ودمعة

في رثاء الأستاذ الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا

كان الدكتور عبدالرحمن رأفت الباشا -رحمه الله- فيضًا من العطاء والعزيمة رغم مكابدته للمرض أثناء مؤتمر الندوة العالمية للأدب الإسلامي المنعقد في لكنهؤ- الهند عام 1401هـ الموافق 1980م، برئاسة الأستاذ الشيخ أبي الحسن الندوي.

وكان الدكتور الباشا حينئذ نائبًا لرئيس الندوة، وقد أصبح كذلك نائبًا لسماحة الأستاذ الندوي رئيس لرابطة الأدب الإسلامي في مؤتمرها المنعقد في لكنهؤ- الهند عام 1406هـ الموافق 1986م.

ولقد كان آخر لقائنا معه بعد تلك الجولات في إسطنبول- تركيا في صيف هذا العام 1406هـ (1986م)، التي كانت تعج بنشاط الأدب الإسلامي حيث وافاه الأجل.

وما إن سمعت بنبأ وفاته عندما عدت إلى الرياض حتى سكبت عليه هذه الدمعة:

أين الهزار وأين اللحن والوتر *** أين الشذى والندى! والأيك والشجر

كانت تموج فطواها الردى فنأت *** وعاد منها لنا الأصداء والصور

أبا يمَان! وكم خلفت رابية *** تلفت الشوق فيها والهوى خضر

هنا الرياض التي سامرتها زمنًا *** حن الندى بها والشدو والسمر

وكم رحلت إلى أفياء حانية *** زكا الجهاد بها والصبر والذكر

وكم رحلت على شوك تكابده *** فرق منك على أشواكه السفر

عزم على مرض، صبر على محن *** بلوى على وطن، يمضي بك القدر

تكاد تقتحم الأحداث في لجج *** ما صده حذر أو راعه خطر

حتى بلغت من الأيام غايتها *** كما تبلغ من أيامه الحذر

غرست في كل ناد غرسة نبتت *** طيبًا ففوّح منها العود والزهر

سكبت من عودك الفواح دفق هوى *** فطاب منه ومن طيب الهوى العمر

وقمت تجمع من روض الهدى أدبًا *** يفتح الورد أو تزهو به الغرر

وإن أطيب ما يلقاه مرتحل *** أهل إذا غاب عن ميدانهم ذكروا

يا يوم «لكنو» على ساحاته ائتلقت *** دنيا وماجت على ميدانها البشر (1)

أنوار فتيانها نور الشيوخ بهم *** وبين ساحاتها الأزمان تختصر

على رعايتهم يجلى البيان هدى *** ونفحة من يقين الحق تنتشر

تألق الحشد حتى كنت بينهم *** صفو الوداد أخا ما مسه كدر

جاد البيان على ما صغت من درر *** ومن سجاياك شعت بينها الدرر

على ضفافك يا «بسفور» رابية *** حنت وأوفت وأوفى عندها القدر

كم مجلس ضمنا من قبل فرقتنا *** دنا علينا ليهنا بيننا القمر

هناك بين ظلال التوت رفرفة *** من البيان زكا من طيبها الثمر

رف الهدى وجرت آياته ودنت *** أطيافه وحلت في ذكره السير

تطل منها على البسفور ننفحه *** شوقًا فينفحنا من شوقه النهر

حتى مضيت وخلفت الديار بها *** حيرى من الوجد يطويها ويعتصر

هلَّا رجعت لها؟ أم هل دعاك هوى *** أعلى ولجت بك الأشواق والعبر

أبا يمان! كأن الدار ما برحت *** هناك من ولَهٍ تهفو وتنتظر

هلا تلفت للشهباء تودعها *** لمحا من الشوق أم لم يهمل القدر؟

أم أنت كفكفت من عينيك أدمعها *** تستودع الله ما لم يبلغ النظر

خلفت في الشام أهلًا أم ترى أملًا *** ودمعة لم تزل تهمي وتستعر

يا ربوة الشام أين الورد نقطفه *** أم جف عندك منه العود والزهر

مضيت في الدرب! كم ضاقت به سبل *** فوسع الموت ما قد ضيق البشر

تلقى هناك من الرحمن جنته *** وتلتقي عندها الأجيال والعصر

تمتد حتى كأن الكون ساحتها *** فلا تضيق على سكانها الحجر

من كل ياقوتة تزهر بساكنها *** وكل حانية يزهو بها البصر

هي الحياة ممر لا انكفاء له *** وزحمة ماج فيها الشوق والضجر

وشهوة طحنت أنيابها جثثًا *** أو ملجأ رق فيه الآي والسور

كل ابن آدم مشغول بشهوته *** فمن صريع هوى أو فتية طفروا

لا يطمئن بها إلا فتى صدقت *** لله همته والسعي والأثر

فكم سؤال على الجفنين مختبئ *** وكم من الظن يطوى ثم يبتدر

يفتح الموت منها كل منغلق *** نورًا تدفق يجلى عنده الخبر

زخارف العمر أشباح، إذا نشبت *** منية ولت الأشباح والصور

هي الحياة ابتلاء لا نجاوزه *** حتى تمحصنا الأيام والغير

وتخلص النفس في ميزان بارئها *** لكل ما كانت الأعمال تدخر

الدكتور عدنان علِي رضا النحوي

(1)  إشارة إلى الندوة العالمية للأدب الإسلامي عام 1401هـ، «1981» في لكنهؤ-الهند.

 

  • أقصوصة

المنسيون

استلقى على جنبه الأيسر وهو يقول:

تبًّا لهذا الفراش القاسي، فهو لا يصلح للنوم ولا يصلح للجلوس، وأسبل عينيه وهو يتمتم ببعض التسبيحات المأثورة، وما لبث أن عدل من وضعيته وطابق ظهره الأرض، ويداه تتحركان بشكل عشوائي، فهما لا تعرفان كيف ولا أين تستقران، واضح أن النوم لا يجد إليه سبيلًا، يبدو أنه في حالة نفسية سيئة.

- ولكن لماذا يا همام؟ (جاء الصوت من أعماقه)، لك الآن ست سنوات أو أكثر وأنت على هذا الحال، ألم تعتد عليها بعد؟ ألم تألف هذا البساط الخشن الذي تسميه الآن فراشًا؟ أم تشعر بالارتياح عندما أخرجوا صديقك الذي كان يشاركك في زنزانتك هذه، والتي لا تصل المترين طولًا، والثمانين سنتيمتر عرضًا، وكنتما تنامان جالسين، وتجلسان واقفين؟ لقد أصبحت الآن وحيدًا في هذه الزنزانة تنام وتجلس كيف تشاء، أم إنك تجحد النعمة؟

وتنهد بعمق ثم قال: الحمد لله على كل حال، ولكن أتمُنُّ عليَّ أني أجلس وحيدًا بلا أنيس، وفي غرفة لا يزاحمها في الحجم إلا القبور؟ وسكت هنيهة ثم أردف:

يا إلهي! أوَمضى على وجودي في السجن ست سنوات؟! ورد عليه هاتفُه: أنت تستغرب ذلك؟ يا لك من مغفل! أحضِر المرآة وانظر إلى وجهك وعندها ستعرف أن لك ست سنوات، وربما تتوقع أنت أن لك في السجن أضعاف هذه المدة. تحسس عضلات يديك وبطنك، تفقَّد شعر رأسك هل هو كما كان سابقًا؟ صوتك كيف أصبح؟ عيناك.. يسكن فيهما ألف خريف وخريف.

وصاح بحدة: كفى.. كفى.. الفرج لم يعد بعيدًا، والله المستعان على ما تصفون. وجاءته قهقهة عالية:

- فرج؟! جميلة منك هذه العبارة. أي فرج هذا، وممن سيأتيك؟ من أصدقائك؟ من جماعتك؟ أم من أهلك؟ لقد خرجت من ساحة تفكيرهم غير مأسوف عليك، ومت عندهم منذ زمن، في بداية سجنك حزنوا، حزنوا كثيرًا وبكوا لفراقك أكثر، وابتهلوا إلى الله وتضرعوا. ثم لما اشتد الخوف والبطش بكم وبهم، حاولوا أن يتناسوك ويتناسوا أمثالك ثم نسوكم حقيقة، ثم رفضوا كل شيء يذكرهم بكم، ثم خططوا لحياة جديدة لا اسم لكم فيها ولا عنوان، لا ملامح ولا ذكران.

فرفيق الدرب ضل الطريق، وصديق الطفولة تنكر للسنين، وزوجة العمر تشابهت عندها معاني الوفاء والإخلاص. وكم منهن من طلبن الطلاق ليتزوجن بغير الحبيب الغائب، والزوج البار! وبقي الأبوان ينظران بعينيهما، ويبكيان بقلبيهما أسى على فلذة الكبد الغائب، والحبيب المجهول والعزيز المفقود.

وتدحرجت عبرة ساخنة على وجنته وضلت طريقها في تلك الأخاديد المتعرجة، ورفع بصره للسماء المتوارية وهو يقول:

يا رب، ليس لي من ملجأ إلا إليك، لا مخرج إلا بك، ولا فرج إلا من عندك.

اللهم أنت ربي وأنا عبدك، فرِّج عني وعن إخواني ما نحن فيه.

وفاضت عيناه بالدموع واختنقت كلماته وهو يقول: «اللهم إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي». وتحول إلى جبنه الأيمن يريد أن ينام.

عبد المؤمن فقير

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

120

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد