; أدب كعب بن مالك شاعر الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان أدب كعب بن مالك شاعر الدعوة

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1978

مشاهدات 86

نشر في العدد 400

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 20-يونيو-1978

أدب

كعب بن مالك

شاعر الدعوة 

بقلم: الأستاذ محمد عادل الهاشمي 

كلية الآداب- أبها 

نحن على موعد في حلقة اليوم مع شاعر فذ في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، كان من أوائل المنافحين عن الرسالة الإسلامية وصاحبها حين تصدى لها الشعراء الكافرون، إنه كعب بن مالك الصحابي البطل ذو السيرة العطرة والمواقف المشرفة مع رسول الله. يماني الأصل، عدناني النشأة، سلمي النبعة خزرجي القوم..

أسلم كعب مبكرًا، وكان له دور كبير في انتقال الرسول بدعوته إلى المدينة، فقد ترشف نور الإسلام أول ما شع في يثرب مع أول أربعين سبقوا إلى الإسلام في المدينة قبل الهجرة، وكان في العقبة الثانية أحد سبعين رجلًا وافوا رسول الله في مكة وبايعوه على الإسلام والإيواء والنصر ومعظم المصادر تروي قصة العقبة المذكورة عن طريقه.

شهد كعب مع الرسول صلى الله عليه وسلم جل حروبه وغزواته، وأبلى وقومه بنو سلمة في أحد بلاء حسنًا فجرح منهم أربعون رجلًا، وأثخن كعب يومئذ في بضعة عشر جرحًا، وأما قصة تخلفه عن غزوة تبوك فمشهورة بما أعقبها من ابتلاء واستغفار، فخرج منها شاعرنا الصحابي بصدق الحديث وعميق الإيمان ونزول القرآن بعفو الله.

كان كعب ممن تفاعلت نفوسهم مع الإسلام، محبًا لرسول الله، يفتديه بمهجته وروحه، ولشبهه برسول الله جعل من نفسه هدفًا لسهام المشركين ليدرأ عنه الأذى يوم أحد وكان الرسول يستمع إلى شعره ويرتاح له، ويستعين بسماعه على السفر، توفي سنة إحدى وخمسين للهجرة.

إذا ما قلبنا ديوان كعب بن مالك الأنصاري ألفينا من خلال نفحاته الوجدانية والفنية إنسانًا مؤمنًا بالدعوة الإسلامية. قد عكس شعره الرقيق الصادق خلوص نفسه للإيمان بهذه الدعوة وتكاليفها فكان مرآة نفسه وذوب مشاعره، وربما كان من دلائل خلوص شعره للإسلام دون سواه فإنه لم يصلنا سوى شعره الإسلامي وعفى الزمان على شعره الجاهلي..

وبعد، ماذا نأخذ من الشعر الغزير في ديوان كعب بن مالك وماذا ندع؟

آفاق واسعة، وميادين غنية تتصل بالفن اتصالًا وثيقًا عن طريق الصور واللوحات المعبرة عن حياة العصر كما تترجم المواجد وترسم المشاعر، وتجلو ملاحم الدعوة الإسلامية إزهاقًا للباطل وبنيانًا لدعائم الحق. لم يعرف شعره التحكيك والتنقيع، فقد كان صدى الوجدان ونداء القلب الملتهب حماسًا للدعوة وتفدية لها.

هذا شاعر لم تقيض له الدراسة الفنية المتذوقة فظلت جواهره مكنونة وخصائصه مدفونة. وقد ظاهر على هذا الإهمال أن عدت على كثير من شعره أحداث الدهر، وأنه لم يُجمع ديوانه إلا منذ عشرة أعوام فقط. ولعل الباحثين الذين نقلوا خطأ المستشرقين الذين يغفلون هذا العصر في دراستهم وإشاراتهم. لم يجربوا أن يغوصوا في كتب السيرة والتاريخ والتراجم ليستخرجوا فرائد شعره. فظل شاعرنا بمنأى عن التعرف الصحيح وبالتالي بمنأى عن التقويم المنصف، فضلًا عن دراسته من خلال المعطيات الفكرية الجديدة التي يحملها والتيار الذي يمثله.

عرف الرسول بذوقه المرهف وحسه الدقيق مزايا كعب بن مالك حين سمع شعره فقال: وأنت تحسن صفة الحرب.

فهذه قصائد كعب في وصف المعارك تمور بالحيوية الفنية وتمتاز بالطرافة والجزالة وحسن التصرف، وتكشف عن ينابيع شاعرية ظلت مجهولة لنا القرون الطوال.

لقد مزج شاعرنا إرث الجاهلية الفني بمعطيات الإسلام وآفاقه الرحبة فكان نتاجه الشعري فريدًا حيًا، عب من حياضه كثيرون لعل كعب بن زهير أحدهم كما سيمر معنا.

ولعلنا في استعراضنا لشعره لا نستطيع أن نحيط في نطاقنا المحدود بكل ما له من روائع جيدات. لذا نكتفي ببضع نماذج ترسم بعض ملامح شعره وقسمات فنه فحسبنا التعريف بشاعر اتسم بعراقة الفحولة والاعتراف بفضل إنسان جاهد في سبيل معتقده وصفاء نفسه وشعره.

واكب كعب الأحداث الإسلامية الكبرى في عصر الرسول بشعره، فأنشد في وقائع غزوة بدر فأقل، أو وصل إلينا القليل. وأنشد في وقائع أحد فأكثر، وكان تصويره لها استعراضًا شاملًا لرصيد معركة الإسلام مع الجاهلية، ولعله في ذلك كان يترسم خطى آيات القرآن الكريم التي تروي قصة بدر بعد انقضاء أحد تجلية لحقائق الإيمان التي هي زاد النصر في كل موقعة.

ينشد كعب بن مالك القصيدة المطولة التالية في أحد وقد شهدها بجلاده وبلائه حتى لقد جعل فيها من جسمه مجنًا يحمي الرسول سهام المشركين، فجاء وصفه لها وصفًا حيًا معبرًا، بما فيه من جمال فني وتعبير صادق حي يمر بالطرافة والابتكار، ونختار من القصيدة التي تبلغ تسعة وأربعين بيتًا كوكبة من الأبيات يفتتحها شاعرنا بمطلع طللي يشف عن اقتداره في تناول أغراض الجاهلية ورسومها، ولا يزيد في ذلك عن خمسة أبيات حيث ينتقل إلى غرضه، ويشرع فيه بالتأصيل لبطولة المؤمنين الذائدين عن دين الله مذكرًا المشركين في أحد بهزيمتهم الصاعقة في بدر.

مجالدنا عن ديننا، كل فخمة

                    مذرية فيها القواني تلمع 

وكل صوت في الصوان كأنها

            إذا لبست نهي من الناس مترع

ولكن ببدر سائلوا من لقيتم

             من الناس والأنباء بالغيب تنفع

ويتسامى نداء الرسول وسط المعركة إلى النفوس المؤمنة أن تتخطى أهوال المنايا فلن تخيفها جهومة الخطوب وهي تحث الخطى طمعًا في جنة عرضها السموات والأرض، في حياة سرمدية محفوفة بنعيم الله ورضاه، تلك الآفاق الرفيعة جديرة أن تشرى بها الحياة الفانية:

وقال رسول الله لما بدوا لنا 

         ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا

وكونوا كمن يشري الحياة تقربًا

                   إلى ملك يحيا لديه ويرجع

ثم يجلو صورة انتصار القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة فيقول:

فجئنا إلى موج من البحر وسطه

                   أحابيش منهم حاسر ومقنع

ثلاثة آلاف ونحن نصية

              ثلاث منين أن كثرنا وأربع

ويمضي في رسم صورة المعركة فيقدم لذلك بوصف عدة الحرب والخيل حين احتدام الصدام وتوهج اللظى وذلك بجزالة مستعذبة وتصوير فني بارع، فأما السلاح فسهام مثقفة يقطر منها الحتف والموت تسمع صوت اصطكاكها بالدروع والأجسام.

ومنجرفة حرمية صاعدية

                 يذر عليها السم ساعة تصنع 

تصوب بأبدان الرجال وتارة

                   تمر بأعراض البصار تضعضع

وأما الخيل فكالجراد المنتشر غدوًا ورواحًا تثوب بخفة وتقفز عشقًا للحرب في صورة مبتكرة: 

وخيل تراها بالفضاء كأنها 

                جراد صبا في قرة يتربع

ثم يجلو لنا استعار أوار المعركة وتوهج حميها، وقد جندل المؤمنون رؤوس الكفر على الثرى وذلك في صورة رائعة طريفة.

فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى 

                وليس لأمر حمه الله مدفع

ضربناهم حتى تركنا سراتهم

              كأنهم بالقاع خشب مصرع 

لدن غدوة حتى استفقنا عشية

                كأن ذكانا حر نار تدفع

كما يمثل هزيمة العدو الذي نفد وقود عزيمته أمام مطارق الحق وجحافل الإيمان بالسحاب المقلع الجهام الذي تلاشت شحناته وفاض ماؤه.

وراحوا سراعًا موجفين كأنهم 

                  جهام هراقت ماءه الريح مقلع

وفي ختام قصيدته المطولة هذه يشيد بالبطولة المؤمنة التي تعاف الفرار وتصمد للنوائب، وقد انتهجت لنفسها هذا الخلق البطولي الفريد:

ونحن أناس لا نرى القتل سُبةَّ

                  على كلّ من يحمي الذمارَ ويمنع

ولكننا نقلي الفرار ولا نرى!!

                  فرارا لمن يرجو العواقب ينفع 

جلاد على ريب الحوادث لا ترى 

                  على هالك عينًا لنا الدهر تدمع 

ولا يفوت الشاعر أن يصور نبل المؤمنين ومروءتهم في الحرب حيث لا يبطرهم الظفر في أعدائهم فيطغون ويفحشون ولا تخزيهم نكبات الحرب فيجزعون:

بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش

                         ولا نحن من إظفارنا نتوجع

وبيد أن كعب بن زهير قد استعار هذا البيت لأحد أبيات قصيدته -بانت سعاد- التي أنشدها بعيد الفتح؛ حيث يقول فيها مكررًا معنى كعب بن مالك في البيت السابق: 

لا يفرحون إذا نالت رماحهم 

                  قومًا، وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا

وبعد لعل من يطلع على ما ورد من شعر كعب بن مالك في حلقة اليوم ستروقه، ولا ريب، تلك الجزالة المحببة التي تدفع قول البعض بأن شعر صدر الإسلام يؤثر لين القول وسهله، كما يروقه جمال التصوير والتعبير في وصف ساحات الحرب وعدتها، واحتدام وهجها ولظاها والخلق البطولي الذي تميز به أبطالنا المؤمنون وقد تحلوا بحوافز إيمانية تدفعهم لبذل الروح في سبيل الله.

ولعل أجمل ما يرون في ذلك صدق الوصف وواقعيته، فشاعرنا فارس طعان مؤمن، يجلو لنا صور معارك خاضها وأثخن بجراحها والمعاناة عماد التجربة الفنية ودليل صدقها، وما يقصر مقامه عندنا أنه لم يخط بألوان الوصف الأخرى، لأن حروب الجهاد قد استغرقت حياته واهتمامه، فما يجد وقتًا أو منصرفًا لأوصاف أخرى.

ولو وجد لبرع فيها لصفاء شاعريته، ولكن كان شعره، يتدفق في حياته، في الجانب الجدي وحسب، فكان صادق التعبير والتصوير بارعهما عن هذه الحياة التي كان يعيشها في شغف وتفان، وفي هذا غناء لمقومات شاعر دعوة وكفاح ككعب بن مالك.

الرابط المختصر :