العنوان المجتمع الثقافي (902)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 902
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 31-يناير-1989
رابطة الإيمان في الأدب الإسلامي
بقلم الدكتور: محمد عادل الهاشمي
الحلقة
الثانية
لا تخفى على مسلم حقيقة رابطة الإيمان، ولا يجهل
طبيعة بنيانها وكيانها، فهي رابطة قائمة على العقيدة، والعقيدة تمنحها قوة وتواشح
لا نظير لها، عبر عنهما رسول الله ﷺ بالجسد العضوي والبناء المرصوص، فقال:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وشيك بين أصابعه» (1). إن هذا
البنيان المتواشج، لحمته الإيمان وصداه اجتماع القلوب عليه، وللخيال أن يتمثل هذا
البنيان المتلاحم المرصوص من البشر، الذي نذر نفسه لدين الله على قلب رجل واحد،
بمثل الأدب الإسلامي لهذا البناء العجيب، فيحدثنا الشاعر الحجازي د. زاهر الألمعي
عن هذه الوحدة المتراصة من خلال جموع الحجيج الزاخرة.
وقد جمع الله القلوب عزيزة
على «عرفات» الله فامتلأت حبا
فأضحت کبنیان ثباتًا وقوة
وقد جددت إیمانها صادقا صلبا
(2)
هذا الالتحام والتوافق في الله، من شأنه أن يوحد
القلوب على الإيمان، ويضم الأرواح في وحدة مرتصة مائلة في رابطة الإيمان. يعبر
الأدب الإسلامي عن الأبعاد الشعورية لكيان هذه الرابطة، وقوامها، وصدور المسلمين
عن وحدتها الجامعة، فيحدثنا الشاعر أحمد محمد صديق، بلسان كل مسلم ينبض قلبه بحب
أخيه عن عمقها في النفوس مهما تباعدت الديار، وله في ذلك تجارب وغيرة، منها نداؤه
إلى السودان، القطر المسلم يفصح فيه عن إحدى تجاربه في تمثل رابطة الإيمان.
يا فتية السودان جئت مهنئا
فتقبلوها من فمي عصماء
مهما تباعدت الديار... فإننا
أهل... ولسنا بينكم غرباء
آمالنا آمالكم... وقلوبنا
فيكم تجيش سودة وإخاء
وبلادنا في الله جسم واحد
نبتت عواصمها له أعضاء
إسلامنا أقوى وأوثق عروة
قد وحدتنا قبلة وولاء
أنا لست أولى حين أذكر موطني
منکم به أو أذكر الأيام
(۳)
ومن هذه التجارب نجاء الشاعر مجاهدي الأفغان
ومحرريها من ربقة الطغيان الشيوعي، يطالعنا فيه بسر النصر في رابطة الإيمان.
يا جبال الأفغان جزت السحابا
وتسامت
النجوم اقترابا
أنت منا.. ونحن منك.. كلانا
رحم
الدين شرفتنا انتسابا
وحدتنا - رغم المسافات - قلبًا
وشعورًا... ومحنة...
ومصابًا
يا جبال الأفغان... يا قسم الطهـ
ـر استزيدي عبر الفضاء انتصابا
وقفي كالخيول يهمزها الفر
سان... مدت نحو الخلود الرقابا
لا تبالي مهما ادعوا وتداعوا
وتنزت فيك الجراح التهابا
وثباتا على الهدى.. فلك العقـ
بى ... وللمعتدي أعدى
العقابا (4)
ب -
المشاعر المشتركة «الحب والتكافل»:
إن رابطة الإيمان تتواشج القلوب في ظلها، والتقاء
النفوس على مثلها؛ لتبث مشاعر الحب والتعاون بين المسلم وأخيه، فيهب لنجدته وعونه
مهما كلفه ذلك.
يحدثنا الأدب الإسلامي عما تبعثه
رابطة الإيمان في قلوب المسلمين من مشاعر الحب ومواقف التعاون، حين تظل النفوس
دائمًا مشاعر الرابطة الواحدة، يوافينا نجيب الكيلاني بصورة من ذلك..
«كان الناس يساقون في ظل الاحتلال
البريطاني إلى السخرة والجندية والمهمات القاتلة، وكثير منهم لا يعود، وتوسطت زوجة
الشيخ عبد العزيز الشلبي لدى الضابط البريطاني؛ ليعفي زوجها من الخدمة. واستجاب
الضابط البريطاني لإطلاق سراح الشيخ عبد العزيز بعد أن قبض الثمن، فماذا جرى بعد
ذلك؟، جرى أحمد شلبي إلى أمه مهتاجًا وأخذ يصرخ:
-لماذا فعلت ذلك يا أمي؟ لماذا؟
- أيضيرك أن يفلت أبوك من الخطر المحقق.
-لا أعني ذلك، لكن ماذا يقول الناس؟
-يقولون: لقد كتب الله النجاة للرجل الذي
نحبه، وعاد إلى القرية ينيرها بسماحته وعطفه وإنسانيته.
فأخذ أحمد يدق رأسه في الحائط ويبكي، ويقول:
-أنت لا تفهمين أنت لا تفهمين، الألوف
يذهبون ولن يعودوا، إن المأساة كما هي والحزن سيغلف القرية دائمًا، وستظل في عذاب،
أن واحدا فقط قد نجا (5).
بنسائكم وأطفالكم، ولا يبقين في القرية أحد،
واتصلوا بالمحامين ووكلوهم في قضيتكم، ولا تتركوا إخوانكم المسجونين قبل أن يأكلوا
ويشربوا، ويطمئنوا إلى مصيرهم، وأعلموهم أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأوصوهم
بتقوى الله على كل حال وليصبروا (6).
هذه صورة من الوحدة يؤلفها الأدب الإسلامي في ظل
رابطة الإيمان على مستوى التجمع القريب، وهذا نداء يجمد الوحدة الجامعة في قارات
الأرض يهتف به الشاعر الإسلامي شريف قاسم في ظل رابطة الإيمان.
أخي في مشرق الدنيا
نداك يهز وجداني
أخي في مغرب الدنيا
رؤاك طيوف أجفاني
سنضيء بالهدی قدما
لننشر حکم قرآن
فهذا وقت صحوتنا
به هیت سرایانا (7)
وينادي الشاعر أحمد محمد صديق برسالة رابطة
الإيمان في زمننا الحاضر، الذي تكالب فيه على المسلمين الأعداء، فيلقى في نصرة
المسلمين مجاهدي الأفغان، الذين وقفوا يحررون بلادهم من ربقة أكبر دولة طاغية في
الأرض، شطرا من تحقيق رسالة الإيمان، ها هو يخلد جهادهم المظفر من خلال «توقیعات
مجاهد أفغاني»؛ إذ يقول:
وصلينا صلاة الحرب... لم تهجع لنا
عين
ونحن لغير وجه الله في الميدان... لا
نعنو
مرابض أشدنا فوق السفوح يلفها الدجن
وفي الوادي صدى الهجمات.. تذهل دونها الجن
بدور الهول كالإعصار.. يعلو الضرب
والطعن
هنا كر.. هنا فر .. يعج السهل والحزن
وتبلغ في صراع الكفر... ما لا يبلغ
الظن
إن جهاد الأفغان الظافر قد قدم على
ساحة الجهاد مليونًا ونصفًا من الشهداء؛ لذا يرى الشاعر في غليان هذه الدماء
الزكية ابتعاثا لجيل الجهاد، الذي سيحرر الأقطار الإسلامية المغتصبة كافة، وهذا ما
يؤلق فجر رابطة الإيمان الوحدة، والتمكين لدين الله في الأرض.
قریب فجرنا الزاهي
يبشرنا بتمكين
فلا الأرزاء تطفئه
.. ولا نفخ
الثعابين
دم الأبرار... والشهداء.. يغلي في
الشرايين
وببعث خلفهم جيلا.. من الغر الميامين
لهيب الجرح في أفغان ينزف في فلسطين
وصوت الحرب في «هارات» يصدي في «الفلبين»
عدو شعوبنا أبدًا عدو الله والدين (۸)
(1) رواه البخاري: 5/71 في المظالم
وفي المساجد وفي الأدب، ورواه مسلم رقم (٢٥٨٥) في البر، والترمذي رقم (۱۹۲۹) في البر
والصلة.
(۲) دیوان على درب الجهاد د/ زاهر الألمعي، الرياض ١٤٠٠ هـ،
ص: ۷۸
(۳) نداء الحق: ٢٥٥
(1) نداء الحق: ۸۰ - ۸۳
(5) النداء الخالد: ۳۸
(6) رأس الشيطان «رواية» د/ نجيب الكيلاني،
بيروت ۱97۹-۱39۹، ص: ۱۹۸
(۷) دیوان صدی وذکری: ۱۰۹
(۸) ديوان الإيمان والتحدي: ۸۳ ،٨٦
أيا
طير
أیا طير مالك لا تسجع
كأنك تعرف ما نصنع
ترانا نجمع أشتاتنا
ومن ثم ننسف ما نجمع
وترفع بنياننا في السماء
وفي الصبح نهدم ما نرفع
ونزرع أشجارنا المثمرات
ونأتي فنجتث ما نزرع
نجوب السماء، نخوض البحار
وفي كل أرض لنا موقع
ولكننا لا نرى دومة
تظللنا حينما نفزع
أيا طير صوتك يشجي الفؤاد
فما لك في وشحتي تقطع؟
أتحزن مثلي؟!، فإن الطيور
لها جوها الهادئ الممرع
فطر وتنقل فأنت الطليق
ودع ما يسوء وما يفجع
أراك ترفرف فوق الغصون
وترحل إن شئت أو تقبع
ولو كان أفقك هذا الرحيب
لجسمي لحلقت أستمتع
ولكنني في مضيق عسير
أحس عقاربه تلسع
وحولي أناس قساة القلوب
جفاة إذا ضحكوا أفزعو
إليك حديثي ألا تسمع
ونجوى فؤادي وما أجرع
لقد كنت أكتم جرح الفؤاد
وأحسب كتمانه ينفع
وأبصر أرضي وراء الحدود
وأرهف حبي وأسمع
وأدفع عن خافقي ما يريب
ولو أنه عاصف زعزع
إلى أن أتتني رياح الخريف
وهاجت منافذها الأربع
فهزت فؤادي بعنف فطاحت
وريقاته الخضر والأفرع
أتعرفني عندما أرجع؟
وإن سمعت بي فهل تهرع
لقد طالب بعدي وطال اغترابي
وما لي من حيلة أدفع
ربا «حمص» ألمحها من بعيد
فإن الحواجز لا تمنع
فها هي أشجارها الباسقات
وها هي أغصانها شرع
تهيج الرياح لإذلالها
فتأبي انحناء ولا تخضع
وها هي أزهارها باسمات
وها هو منظرها ممتع
أرها تراقب نور الصباح
ففي النور تزهو وتضوع
أرى النهر ينساب وسط السهول
وكم يتلهى وكم يسرع
على جانبيه تقوم الفراس
وللفجر أعينها تنزع
مساجدها لا أزال أراها
كما هي نيرة تسطع
وروادها ملء ساحاتها
شباب على عهدهم خشع
وإني لأسمع صوت الأذان
نديا رخيما كما يرفع
أحس بقلبي يلبي النداء
يفكر في الخطو
بل يشرع
ويطلب مني أن أستجيب
وللصدر في لهفة يقرع
أهدهده فالمدى شاسع
وإن كنت أبصر
أو أسمع
إذا عدت يومًا إلى مربعي
فماذا يقول لي المربع؟
أيمنحني العطف أم أنه
يسوق من اللوم ما يلذع؟
إذا قال لي قد أطلت الغياب
فما كنت يا صاحبي تصنع؟
بماذا أجيب وقد ضاع وقتي
بما ليس يغني ولا ينفع
سأذكر أني جفوت السرور
وما طالب لي بعده موضع
سأذكر أني سهرت الليالي
وكم كنت من صابها أكرع
وكم حاول القلب مني الفرار
ولكن تمنعت الأضلع
سأذكر کم کان حبي له
وكم كان شوقي فقد يشفع
يحيى
حاج يحيى
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل