العنوان المجتمع الثقافي (901)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 901
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 24-يناير-1989
قراءة في كتاب: التيار الإسلامي في فلسطين وأثره
في حركة الجهاد 1917 – 1948
صدر في مطلع شهر ديسمبر 1988، كتاب «التيار
الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد (1917 - 1948)»، لمؤلفه محسن محمد صالح.
وقد قامت مكتبة الفلاح في الكويت بنشر الكتاب وهو
يقع في 533 صفحة من القطع المتوسط.
والكتاب في أصله رسالة ماجستير، نال عليها المؤلف
درجة الامتياز من جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان، وقد تم مناقشتها في
أبريل 1987.
وقد قدم لهذا البحث د. عمر سليمان الأشقر الذي أكد
على العرض الرائع للكتاب، وعلى أن الكتاب يعتبر تقويمًا للمسيرة في فترة حرجة –
وهي الفترة التي شهدت الانتداب البريطاني على فلسطين وتأسيس الكيان الإسرائيلي على
أرضها - وأن الذين يعالجون أمراض أمتهم يحتاجون للاستفادة من هذا التقويم.
وقد استفاد الباحث خلال فترة بحثه - التي زادت عن
سنتين - من المراجع المتوفرة في مكتبة كلية الآداب وكلية التجارة والعلوم السياسية
بجامعة الكويت والمكتبة المركزية في الكويت، ومكتبة الجامعة الأردنية، ومكتبة
جامعة الخرطوم ومكتبة جامعة أم درمان في السودان بالإضافة إلى الاستفادة من العديد
من الوثائق والكتب البريطانية، وكذلك القيام بالعديد من المقابلات الشخصية مع بعض
من عاصروا تلك الفترة أمثال أكرم زعيتر وكامل الشريف وغيرهم.
المواضيع التي ناقشها البحث:
ولقد تم تقسيم هذا البحث إلى ثلاثة أبواب، تضمن كل
باب منها بعض الفصول، وبدأ البحث بتمهيد تضمن تحديدًا لمصطلحه، وإبرازًا لأهمية
فلسطين الإسلامية وارتباط شعب فلسطين بالإسلام.
ثم تعرض الباب الأول للحديث عن التيار الإسلامي في
فلسطين في الفترة من 1917 وحتى 1929 حيث تضمن أربعة فصول، تحدث الفصل الأول منها
عن شعب فلسطين والخلافة العثمانية، وأبرز الفصل الثاني دور علماء فلسطين في الحركة
الوطنية، وتحدث الفصل الثالث عن المؤسسات والجمعيات الإسلامية في تلك المرحلة، أما
الفصل الرابع فدرس البعد الإسلامي للثورات الفلسطينية التي تفجرت عام 1920، وعام
1921، وعام 1929.
وتحدث الباب الثاني عن الفترة من 1929 وحتى 1939
حيث تضمن خمسة فصول كان أولها عن دور التيار الإسلامي في الحركة الوطنية (1929 -
1935)، أما أبرز ما في هذا الباب فكان تلك الدراسة المفصلة حول الشيخ عز الدين
القسام وتنظيمه الجهادي، فتحدث الفصل الثاني عن شخصية الشيخ القسام وتجربته، وتحدث
الفصل الثالث عن التنظيم الجهادي السري الذي أنشأه القسام، وعالج الفصل الرابع
إعلان هذا التنظيم للجهاد في فلسطين واستشهاد القسام وأثره.
أما الفصل الخامس فلقد تحدث عن دور التيار
الإسلامي في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 - 1939) شارحًا دور القساميين والحاج
أمين الحسيني والمجلس الإسلامي الأعلى، والعلماء وعبد الرحيم الحاج محمد.
وتناول البحث الثالث الفترة من 1939 وحتى 1948 في
فصلين، حيث درس الفصل الأول التيار الإسلامي والحركة الوطنية (1939 - 1947) مبرزًا
دور الحاج أمين الحسيني، ودارسًا لنشأة وانتشار حركة الإخوان المسلمين في فلسطين،
أما الفصل الثالث فقد أبرز دور التيار الإسلامي في حرب فلسطين التي وقعت خلال عامي
1947 - 1948.
وقد أنهى البحث بخاتمة أبرزت خلاصة النتائج التي
خرج بها الباحث، كما أضاف ملحقًا وثائقيًا من 22 وثيقة.
خلاصات ونتائج:
وفي الخاتمة وضع الباحث خلاصة النتائج التي توصل
إليها وتقييمه لدور التيار الإسلامي فيها، حيث أكد أنه قد كان لهذا التيار دور
رائد في مواجهة النفوذ اليهودي والاستعمار البريطاني في فلسطين طيلة مرحلة
الاحتلال والانتداب البريطاني (1917 - 1948).
وأشار إلى أن التيار الإسلامي في فلسطين مر بثلاث
مراحل:
المرحلة الأولى (1917 - 1929) وخلالها كان
التحرك الإسلامي تحركًا فرديًا شعبيًا لم تظهر فيه حركات إسلامية منظمة ذات منهجية
محددة، إلا أن التأثير السياسي والاجتماعي للعلماء كان واضحًا، كما أن المشاعر
الإسلامية كانت لا تزال عميقة في نفوس الشعب الفلسطيني، وتميزت الثورات الفلسطينية
التي وقعت في تلك المرحلة إما بطبيعتها الإسلامية الكاملة «ثورة البراق
1929»، وإما بتأثير العامل الإسلامي فيها «ثورة موسم النبي موسى 1920،
ثورة مايو 1921» مع ملاحظة أن هذه الثورات كانت أقرب إلى ردود الفعل منها إلى
التحرك المنهجي المنظم.
وظهرت خلال هذه الفترة مؤسسات إسلامية أبرزها
المجلس الإسلامي الأعلى (1922) وهيئات إسلامية شعبية أبرزها جمعية الشبان المسلمين (1928).
وبرزت خلال المرحلة شخصية الحاج أمين الحسيني الذي
أصبح مفتيًا للقدس (1921) ورئيسًا للمجلس الإسلامي الأعلى (1922).
المرحلة الثانية (1929):
ظهر خلال هذه المرحلة التحرك الإسلامي المنظم الذي
كان أبرز نماذجه حركة الشيخ عز الدين القسام التي وجهت مسار العمل الفلسطيني من
الجهاد السلبي «احتجاج ومذكرات وعرائض ومؤتمرات» إلى الجهاد المسلح المباشر
ضد الاستعمار البريطاني والنفوذ اليهودي، وأصبح القسام - الذي كسب شعبية واسعة
أثناء حياته - رمزًا لكل أبناء فلسطين بعد استشهاده في 20 نوفمبر 1935 في معركة
أحراش يعبد ولقب بـ «أبو الوطنية».
وكان لتنظيمه الجهادي - الذي تولى قيادته من بعده
الشيخ فرحان السعدي دور بارز في تفجير الثورة الكبرى في فلسطين وفي قيادتها (1936
- 1939) حيث برزت من خلالها رموز كبيرة - من أتباع القسام - قادت الجهاد في العديد
من المناطق أمثال أبو إبراهيم الكبير في شمال فلسطين، وعطية محمد عوض، ويوسف أبو
درة ومحمد الصالح الحمد في مناطق نابلس وجنين وما حولها.
ولم يستمر هذا التنظيم في أداء دوره الريادي فيما
بعد نظرًا لاستشهاد قائده ومؤسسه منذ بداية الجهاد، ولاستشهاد الكثير من قادة
التنظيم في معارك الثورة الكبرى وتشرد الباقين، بالإضافة إلى أن هذا التنظيم قد
افتقر إلى الكفاءات المثقفة وإلى القيادات السياسية التي كان يمكن أن يكون لها دور
كبير في استمرار العمل وقطف ثمار الأعمال والمكاسب العسكرية الجهادية، وفي تجاوز
المصاعب التي حدثت بعد انتهاء الثورة الكبرى.
وشهدت هذه المرحلة أيضًا نزول الحاج أمين الحسيني
إلى ميدان قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية بشكل واضح حيث فقد مناصبه الرسمية وهرب
من فلسطين ثم تولى قيادة وتوجيه الثورة الكبرى من لبنان.
المرحلة الثالثة (1939 - 1948):
وقد ازداد في هذه المرحلة النفوذ اليهودي واتسعت
المؤامرة الدولية على فلسطين، وتولت الأنظمة العربية - التي كان يرزح أكثرها تحت
النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي - أمر قضية فلسطين مما همش الدور الفلسطيني
بشكل عام.
وظهرت خلال هذه الفترة حركة الإخوان المسلمين في
فلسطين - أواخر عام 1945 - وخلال عامين وصلت فروعها إلى عشرين فرعًا في مختلف
أنحاء فلسطين، وأسهمت بدور لا بأس به في مواجهة الخطر الصهيوني والاستعمار
البريطاني وخصوصًا في حرب 1947 - 1948 إلا أن نشأتها واستقرارها في نهاية هذه
المرحلة جعل دورها في التأثير محدودًا.
وقد تعرض الباحث في تقييمه لدور الحاج أمين
الحسيني الذي أخذ يبرز شيئًا فشيئًا حتى صار الشخصية الأولى في فلسطين في
الثلاثينات والأربعينات، وقد استطاع عبر كونه مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي
الأعلى من إكساب قضية فلسطين بعدًا إسلاميًا واسعًا، وظهر تأثيره بقوة في المؤتمر
الإسلامي العام المنعقد في القدس عام 1931 والذي شاركت فيه 22 بلدًا إسلاميًا، غير
أن تأثير الحاج أمين في أحداث فلسطين ما لبث أن ضعف بعد الحرب العالمية الثانية
عندما تولت الدول العربية الأمر، وأخذ بعضها يتجاوزه ويتجاهله بل ويصطدم به فيما
يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وكان لارتباط الحاج أمين بالمنصب «رئاسة
المجلس الإسلامي الأعلى (1920 - 1937) أثر في حصر تحركه المعلن ضمن إطار لا ترفضه السلطات
البريطانية ونتيجة لذلك أخذ الجانب الإعلامي والاجتماعي والسياسي قسطًا كبيرًا من
نشاطه بحيث كان يمكن أن يبذل جهدًا مضاعفًا في الجانب الجهادي العسكري لو تخلى عن
المنصب، كما أن زعامته لجميع أهل فلسطين على اختلاف اتجاهاتهم وطوائفهم جعلته يعطي
مرونة أكبر في استيعاب جميع الأطراف مما أثر في المقابل على عدم وجود منهجية حركية
إسلامية جهادية تعتمد التربية والتركيز في أعماله وأنشطته، فقد ظل زعيمًا شعبيًا
دون استناد إلى قاعدة حركية منظمة قوية يعتمد عليها.
وختم الباحث نتائجه بالتأكيد على أن التيار
الإسلامي اتجاه له شعبيته على الساحة الفلسطينية ويمكن أن يلعب دورًا أساسيًا في
عملية الجهاد والتحرير، خصوصًا وأنه ينطلق من عقيدة هذا الشعب، مع الإشارة إلى أن
هذا التيار بحاجة إلى قيادة إسلامية صادقة شجاعة تجمع بين إجادة العمل الجهادي
والسياسي وتملك مقومات التحرك في ظروف هي من أصعب الظروف التي مرت بها فلسطين
وعالمنا العربي والإسلامي.
***
- رابطة الإيمان في الأدب الإسلامي
(1)
بقلم الدكتور محمد عادل الهاشمي
انطلاقًا من مكانة القصيدة في الأدب الإسلامي
ومكانتها المتميزة في حياة الإنسان المسلم، يقدم لنا الأديب الإسلامي الدكتور محمد
عادل الهاشمي صورة عن رابطة الإيمان، أبعادها وتباينها في نتاج الأدب الإسلامي
وذلك في معرض أبحاثه عن الأدب الإسلامي وآفاقه.
إنها الرابطة الأولى للبشرية، لا يقوم تجمع ظافر،
ناجح دائم بدونها، بل إن أواصر الالتقاء كلها لتلتقي فيها: «هي العروة الكبرى التي
تلتقي فيها سائر الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية، فإذا أنبتت وشيجة العقيدة
أنبتت الأواصر الأخرى من جذورها، فلا لقاء بعد ذلك في نسب.. ولا لقاء بعد ذلك في
قوم، ولا لقاء بعد ذلك في أرض».
يزود الأدب الإسلامي آفاق هذه الرابطة وأبعادها من
خلال هذه النظرة، فيوافينا الشاعر الإسلامي أحمد محمد صديق بحقيقتها الفذة وأصالة
هذه الحقيقة في الجيل الأول الذي صاغ أفراده رسول الله صلى الله عليه وسلم على أساس
من الهدى الرباني، فكانوا عالم الخير والهدى للبشرية، شادوا الحضارة على أساس من
دين الله فكانوا سادة الدنيا شرفًا وعزًا.
ها هم على وهج الرمال صحابة * تركوا الحمى والأهل
والأموالا
وحي السماء يجيش في أعماقهم * ونداؤه من فوقهم
يتعالى
وتجردوا لله.... نصب عيونهم * دار البقاء وأرخصوا
الأجالا
فإذا بهم خير البرية أمة * تهدي العقول.. وترشد
الأجيالا
بالعدل سادوا... بالفضيلة شيدوا * صرح الحضارة...
فتحوا الأقفالا
كانوا هم الدنيا بغير منازع * شرفًا وعزًا... هيبة
وجلالًا
وسنابك الخيل العناق معارج * نحو الخلود تواكب
الأبطالا
وبعد أن يحدثنا الشاعر عن حقيقة هذه الرابطة في
نفوس الجيل الأول، وإنجازاته العظمي، يوافينا بطبيعة هذه الرابطة، وكيف يعيشها
المسلمون قلبًا واحدًا وهدفًا واحدًا، والملتقى الجنة...
هم الأحبة... لا قربي ولا نسب * سوى العقيدة...
أعلى قدرها الله
يحيون في الله قلبًا واحدًا ويدًا * وكلهم باع
للرحمن دنياه
وفي غد... في جوار العرش بشملهم * منه الرضا...
حيث لا مال ولا جاه
على منابر من نور منازلهم * يا فوز من كان في
الفردوس مثواه
إلى أين تمتد رابطة الإيمان؟ وما الأقطار التي
تشملها؟ ألها حدود تعرف بها؟
إن شاعر الإسلام محمد إقبال لا يجد لرابطة العقيدة
حدودًا أو نهاية..
«إن المسلم لا تعرف أرضه الحدود ولا يعرف
الفقه الثغور، وقد وسعت عاطفته ورسالته ومملكته الشرق والغرب، فليست دجلة في
العراق، ودانوب في أوروبا والنيل في مصر، إلا موجة صغيرة في بحره الواسع ومحيطه
الأعظم».
وأما الشاعر عبد الحفيظ صقر فيحدثنا عن امتداد هذه
الرابطة وأبعادها المعنوية في قوله:
تلاشت حدود الأرض عندي وإنما *** بلادي وقومي حيث
يدعى إلهيا
إن هذه الرابطة تعيش في قلب كل مؤمن، ويسرى ذكرها
على لسانه بداهة، دون تكلف... يعبر عن ذلك الشاعر أحمد محمد صديق بهذه العفوية
الجلية..
يقولون إني غريب *** كفاكم... كفاكم هذر
بلادي بغير حدود *** هي النور حيث انتشر
مهادي مسرى الرسول * علا ذكرها واشتهر
وجنسيتي مسلم * ومالي سواها وزر
أما قلب هذه الرابطة، ومركزها الثابت الذي تهفو
إليه القلوب، وحوله تزدلف فهو البيت الحرام مثابة الناس وأمنهم، وملتقى أفئدتهم في
سائر أقطار الأرض، يشد النفوس ويرص الصفوف على كلمة الله وشرعه، وتتجاوب حوله
المشاعر والمواجد... يعبر الأدب الإسلامي عن هذه الأبعاد والمعاني في قبلة
المسلمين وملتقى آمالهم ووحدتهم، فيصور لنا الشاعر الحجازي فؤاد شاكر أبعاد هذا القلب
النابض لرابطة الإيمان.
هنا مكة «أم القرى» وشعابها * توسطها
البيت العتيق المحرم
هنا مكة تزجي إلى كل مسلم * تحيتها بالشوق والوجد
يضرم
أفاض إليها المسلمون ضراعة * وكلهمو في الله صب
متيم
إذا مسلم يصغي لرجع حديثها * يحييه من شبه الجزيرة
مسلم
كأنهمو منه بمرأى ومسمع * وما بينهم هذا الفضاء
المدمدم
- وجبة فطور
ما أن تقدمت لأكل ما قسم الله في الفطور، حتى
أصابتني غصة مؤلمة كدت معها أصرخ من الألم، فدمعت عيناي وتقلصت معدتي وتمرمرت
الطعوم في فمي، واضمحلت شهيتي للطعام - كالعادة - فنفضت يدي، وقلبت كفي.. وتراجعت
عن المائدة، ونظرات زوجتي تلاحقني متسائلة بإلحاح، وأنا أتهرب من النظر إليها...
الغصة تزداد حدة في حلقي وفي رأسي، والدمع يغالب عيني.
مائدة الفطور عامرة بأصناف شتى من الخير، مما أحبه
وأشتهيه، على بساطته وعاديته، ولقد جودتها يدا زوجتي وطيبتها بما عندها من حذق
ومهارة في الطبخ والإعداد، ولكنها الغصة الرهيبة تلاحقني وتنغص حياتي.
تلاحقني أسئلة زوجتي: مالك؟ ماذا يؤلمك؟ فأقول: لا
لا ما في شيء.. ما عندي شهية للطعام.. وأرفض المناقشة، وأذهب لأناقش الأمر وحدي..
وأحلل أسباب هذه «الغصة الرهيبة» التي كثيرًا ما تقتادني!! هل السبب فيها مثلًا
أني تذكرت أبي الحبيب - رحمه الله - الذي فقدني عند شیخوخته وحاجته وأواخر أيامه..
أو أني تذكرت أمي الحبيبة رحمها الله التي حرمت رؤيتها في أواخر أيام حياتها.
أم أن ما يصيبني إنما هو شعور إنساني نبيل من ذلك
النوع الذي يثور في ضمائر كبار النفوس وأفذاذ الرجال!! أو دعاة الإصلاح المخلصين!!
الذين يقض مضاجعهم هم الشعوب المظلومة والإنسانية المضطهدة المعذبة في شرق هذا
العالم وغربه.. فهو مثلًا حزن على الجياع في أفريقيا وآسيا الذين تطحنهم المجاعة
ويهلكهم سوء التغذية ونقص الأقوات وفقدانها.
أو هو ألم بأمة العرب من تمزق واختلاف، وتشتت في
المبادئ والأفكار وفي القلوب والأعمال وفي المواقف والأزمات؟ فهذا قطر يميل شرقًا
وذا يتبع غربًا ومن كلتا الجبهتين يأتينا البلاء.
أو هو قهر على ما بأمة الإسلام من تضعضع وتفرق، بل
وتناحر وخصام، رغم ما يحاك لها من مكائد، وما ينصب لإهلاكها من فخاخ؟!!
أم هو غضب على المعتدين الصهاينة وقهر من تبجحهم
في ساحة العروبة بكل صلف وغرور؟؟
أو هو غضب على العنصريين في جنوب أفريقيا، وزعل
على الانفصاليين في السودان، وحرد لأجل فريليمو، وتحسر على البوليساريو؟
أم أن العلة متعلقة بأمريكا «الشيطان الأكبر»
على حد قول بعضهم؟
أم بإنجلترا ووعد بلفور؟؟ أم بفرنسا وتقنيتها
النووية في إسرائيل؟؟؟ وكل هذا أليم ومحزن ولكنه العرض وليس المرض، وأن ما بي هو
أشد وأنكى.
الواقع أنها قصة عميقة الجذور كامنة في تفكيري
مستعر أوارها في طوايا نفسي، معشعش في تلافيف دماغي.. إنها «ذكرى فطور» وأي فطور؟!
إنه أمامي بكل دقائقه وجزئياته أعيشه وكأنه حاضر أمامي حي مؤثر فعال: الصمت يلف
المكان كله - فلا تسمع إلا همسًا - الكلام هنا جريمة والحركة جريمة، والنوم جريمة!
والقلم هنا محرم ووجوده جريمة!؟
والكتاب محرم ممنوع، حتى كتاب الله، ممنوع عليه أن
يختلط بالمساجين حتى لا يثير فيهم الأفكار الهدامة، وينبت في قلوبهم للزعيم
الخيانة وجود الكتاب جريمة وأي جريمة، لأن الكتاب - كما يبدو لهم - متآمر على
الزعيم، بل هو المتآمر الأول، والقلم والورق قريناه في الجرم والجناية، ولا يتمكن
من التسلل إلى داخل جدران السجن إلا زمهرير الشتاء وسموم الصحراء، وإلا جراثيم
وميكروبات الأوبئة والأمراض.
طعام الفطور قد أحضر ووزع على المجموعات، كان
نصيبي منه ثلاث زيتونات وربع ملعقة «لبنة» ونصف كوب من الشاي البارد، أخرجت من
كيسي قطعة صغيرة يابسة من الخبز العفن، كنت احتفظ بها من اليوم السابق، وأخذت
أتناول لقيمات الفطور، كنا مجموعة مكونة من سبعة أشخاص، هي واحدة من اثنين وعشرين
مجموعة في المهجع الواسع بحجمه الضيق لكثرة من حشر فيه.
عينا زميلي في المجموعة «أبو حسن» حمراوان لأنه لم
ينم الليل منذ خمسين يومًا ليس ما به أرق، ولا قلق، فهو مطمئن القلب هادي البال
صابر على المصيبة والبلاء، ولكنه «الجرب» اللعين الذي ملأ جسمه بالدمامل المقيحة،
من الرأس إلى القدمين، والذي يثير في جلده نار الحكة اللاهبة، فلا يغمض له بالليل
جفن، ولا تهدأ له بالنهار حركة!! فهو يحك ويحك ويحك ويهرش !!!.... يفقأ الدمامل
ويكشطها فتزيد وتشتد !!... إنه رئيس دائرة الزراعة السابق في مدينة «س» قبل
الاعتقال، وهو مهندس زراعي منذ حوالي عشرين عامًا، عمره 48 سنة وهو أب لثمانية
أولاد.
أبو سعيد زميلي الآخر يلف على رقبته منشفة قديمة
متسخة - فلا مكان لدينا للغسيل - يحرص عليها ويثبتها بحرص على رقبته!
إنه ليس بخيلًا ولا «كحوتًا» إنه تاجر ناجح كريم،
كان اسمه يتصدر دائمًا سجل جمعية البر والخدمات الاجتماعية بما يفيض عليها من
العطاء... ولكنه السعال القتال الذي ألم به ها هنا بعد إصابته بنزلة برد منذ بضعة
شهور وتفاقمت دون علاج، حتى استفحلت وتمكن من صدره السعال، فهو يهد جسمه، وكلما
هاجمته نوبة منه انطوى على نفسه وتحشرج صدره، وزاغ بصره، واحمرت عيناه وانتفخت
أوداجه، وفي الليل الطويل تهاجمه نوباته «نوبات السعال»، وتشتد عليه فلا تدعه
يرتاح أو يريح!! «قيل إنه مصاب بالسل الرئوي»؟؟؟
زميلي الآخر أبو شاكر مصاب بالإسهال الشديد منذ
خمسة أيام.. ويخشى أن يكون ما به «الكوليرا» خاصة وقد اعتادت جائحات الكوليرا على
غزو السجن مرة بعد مرة، وبلغ عدد الهلكى بها أكثر من خمسين معتقلًا!؟؟
زميلي أبو علي يشكو من ألم مبرح في كليتيه أصابه
بعد إحدى حفلات التعذيب حيث أخذ يبول دمًا!!؟؟
زميلي أبو مصطفى يشعر بألم ممض في أسنانه، ووجهه
متورم منذ أيام وقد أحصى بعضهم مرضى الأسنان فكانوا أكثر من (60) شخصًا في المهجع.
زميلي أبو محمود: مصاب بمرض عصبي، لعله الشقيقة.
ولا يظن جاهل أو متجاهل أن أي واحد من مجموعتي
الطعامية هذه يقتصر ما به على مرض واحد فقط!، بل إن كل واحد من الـ (160) شخصًا
الذين يضمهم المهجع، بل كل من يضمهم السجن، والذين يربو عددهم على عدة آلاف سجين
مصاب بتشكيلة من الأمراض!! وبخاصة الأمراض المعدية التي تنتقل من شخص لآخر وأخص
بالذكر: الجرب والقمل ثم غيرها من الأوبئة والأمراض.
إضافة إلى مرض خطير آخر مضحك مبك، إنه الجوع..
الجوع المزمن ونقص وسوء التغذية وفقر الدم، «الأنيميا» أجاركم الله.
أعوام مرت علينا ها هنا ولم يأكل أحد منا فاكهة
كما يأكل الناس ولم يذق خضارًا كما يفعل الناس، الفواكه والخضار التي تكثر في
مواسمها حتى تكسد، وتتلف وتدوسها الأقدام، وتطعم للحيوانات، لا يراها أحد ها هنا
ولا يشم لها ريحًا نسوا هنا الروائح كلها إلا رائحة العرق والوسخ والمرض، ورائحة
القهر الذي يدمر الأعصاب، حينما يأتي زبانية السجن في الصباح للعذاب، ويخرجون
نزلاء أحد المهاجع ويبدأون بضرب المساجين وطحنهم بالعذاب.. وسماع ضجة العذاب وصراخ
المعذبين أشد مئة مرة من العذاب ذاته.
وأخيرًا فإن المنفذ الوحيد للناس هنا هو الخروج
إلى حفلات الشنق، التي تتم مرتين في الأسبوع كل اثنين وأربعاء، فبالموت وحده ينجو
السجين، ويتخلص من كل هذا البلاء «فعذاب ساعة ولا كل ساعة» والصوت الوحيد
الذي يشنف ها هنا الأذان ويرى الناس فيه روح الأمان والسلام، هو الأذان، وإن كان
الزبانية لا يأبهون به ولا يلقون له بالًا.
هذا الفطور وهذه الحياة لا تغيبان عن تصوري ولا
تغادران تفكيري.. فإنها بهما واله مسلوب.
- محمد مختار رضواني
- إلى أطفال الحجارة
فقد سلَّ العشية ذو الفقار
أقول وقد برت جسمي جراح * وأرق مضجعي هم عشار
وأذرف مدمعي أمر جلال * حياة الهون إرزاء كبار
فحال يا أميمة ليت شعري * له لب الحليم إذا يحار
ألا يا أمتي يكفيك نومًا * ألا يا أمتي يكفي
انقبار
ألا يا أمتي يكفيك ذلًا * ألا يا أمتي يكفي انهيار
ألا يا أمتي يكفيك سعيًا * حثيثًا والأماني صغار
ألا يا أمتي قد ضاق ذرعًا * بك الطين المدنس
والحجار
ألا يا أمتي ما طاب عيش * إذا كان الهوان له دثار
ولا طابت حياة المرء أنى * يعيش الذل ما يرضى كبار
وما يجدي هيا أماه مال * أيجدي موحل الجبهات غار
ألا يا أمتي قومي وقولي * لمن غصبوك يا أمي وجاروا
لمن شاؤوك يا أمي عقيمًا * فلا خير يرام ولا خيار
بأن البغي معقبه وخيم * وأن لا بد بعد الظلم نار
وأن الشمس مهما طال ليل * ستشرق ركبها يحدو نهار
فما للظلم عيش فوق أرضي * وما للهون حل أو قرار
لقد ظن البغاة غداة شعبي * تصابر أنه ذلت غرار
فخاب الظن واندفعت سيول * تدمر كل ما شاد الفجار
فها هم فتية الإسلام قاموا * بأرض الشام كالبركان
ثاروا
بأولى القبلتين وقد ضناهم * إلى الأسياف في
الأعماق ثار (1)
هم طير أبابيل إلهي * رمى شعب اليهود بهم فغاروا
عليهم بالحجارة إيه أمي * فما يحبسهم عنهم جدار
وما يغنيهم يا أم حصن * فقد سُل العشية ذو الفقار
أتوهم مثل طائفة الليالي * أتوهم مثلما يأتي
اندثار
أتوهم تحت الرايات سمر * سواعدهم كما سيل بحار
تنادوا صبية والعمر غض * لدين الله يا أرض انتصار
فما يغني الغداة بني قرود * رصاص أو صواريخ عِبار (2)
وما تمنعهم أبدًا بروج * وهل يغني من الموت الفرار
هم قدر الإله على يهود * فما تغني عن الأقدار دار
وقد باعوا النفوس فلا نفوس * تعز على الجهاد ولا
ديار
فيا جند الإله إلى المعالي * وصبرًا إنما الأمر
اصطبار
ولا تنأى بكم يومًا دروب * فدرب الله وضاء منار
- شعر د. صلاح الدين سعد
***
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل