العنوان أدب (العدد 632)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1983
مشاهدات 65
نشر في العدد 632
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 09-أغسطس-1983
ملحمة من الشعر
تراتيل على أسوار تدمر
شعر : يحيى البشيري
مجموعة من الفوح الشعري العبق، صدرت مؤخرًا عن دار النذير للشاعر الأديب يحيى البشيري، وهي عبارة عن ملحمة في سبعة تراتيل استوحت مأساة «تدمر» - المجزرة الرهيبة التي وقعت في يونيو من عام ١٩٨٠. وتستوحي الملحمة تراتيلها من فصول المأساة...
لذلك جاءت في تراتيل معنونة كما يلي :
1 - الترتيل الأول - القدوم: وفيه صورة حية واقعية لقدوم المساجين.. يقول السجين:
في اليوم الأول
لم يطرق بابي
أحد غير السجان
ليطل بوجه لم يعرف
إنسانًا لا عدم الإنسان
ورمى ببقايا من خبز
وغطاء مزق كالأكفان
ستظل بسجنك مجهولًا
ويغطي ذكراك النسيان
خمسًا، عشرًا، بل قل مئة
لن تخرج يومًا لا تسأل
أحدًا عن تدمر قد نسيت
فالسجن بتدمر ليس له
وصف واسم أو شكل مكان.
٢- الترتيل الثاني - التحقيق:
وفيه وقفة مع الجلاد والسجين..
الجلاد يسأل :
قل لي: من أنت وما العمل؟
حدثني عن قبل الميلاد
واذكر كم عندك من أولاد
عن رأيك فيما تفعله
اذكر لي من رأس التنظيم
قل لي لم يكرهنا الشعب؟
لم لم يذكرنا تاريخ ؟
- وتأتي إجابة السجين جبارة تصعق الجلاد في هذا الترتيل:
أنتم وراث الأحقاد
ورثوا الأحقاد عن الأجداد
هتكوا أستار محارمنا
إذ يغزو هولاكو بغداد
أنتم: من أنتم؟ لا كنتم
من أغرى «غورو» بالغزو
وبكى وتوسل أن يبقى
وفتحتم أبواب الجولان.
3- الترتيل الثالث - المحكمة:
ويتضح فيه إصرار الطاغوت على إرهابه وبطشه:
لا تصرخ نحن هنا صم
لا قلب يدق ولا فهم
ما دمت دخلت إلى السجن
فلدينا، أنك متهم ...
مطلوب منا أن تلغي
الإحساس بأنك إنسان
أن تسمع مـنـا ألـفـاظًا
أن تبصر منا أعمالًا
ومزيدًا من هول الرعب
بالركل وأنواع الضرب.
- أما رد السجين على هذا الإصرار فهو الكشف عن إصرار الجاسوس على خيانته:
كوهين مات، فهل غابت
عن هذا الربع كواهين؟
فبقايا الخائن ما زالت
طاعونا يجري في دمكم
وبذارًا يخرج بالنكد
- وهكذا تسير تراتيل الملحمة... ليكون الترتيل الرابع هو «السجن الجماعي»، والترتيل الخامس «العبيد» والترتيل السادس «الأخدود» والترتيل السابع «المذبحة». وفي العدد القادم -إن شاء الله- نتابع قراءتنا لتراتيل الملحمة الرابع والخامس والسادس والسابع فإلى اللقاء.
«م -ع»
البريد الأدبي
الأخت القارئة منى فالح المطيري. ركن الأدب يرحب بك وقد تلقى منك القصيدة المختارة. وقد دل اختيارك على إيمانك.. وإننا ننشرها لك في هذه الزاوية آملين أن يقرأها كل طفل وطفلة:
بني توضأ وقم للصلاة
وصل لربك تكسب رضاه
إذا رضي الله عن مسلم
ينال السعادة طول الحياة
بني توضأ وقم للفلاح
فطاعة ربك سر النجاح
إذا رضي الله عن مسلم
بدا مشرق الوجه مثل الصباح
الأخ أبا عاصم المغرب. وصلتنا قصيدتك يا خيل الله اركضي، وهي قصيدة جيدة المعاني لكن ينقصها الميزان العروض، فإلى فرصة قادمة إن شاء الله.
الأخ القارئ ماهر محمد داود يوسف من الأردن: لم يسبق لنا نشر القصائد باللغة العامية.. ندعوك إلى الكتابة بالفصحى وأهلًا بك.
الأخ عبد الرحمن ناصر الدين - موريتانيا - قصيدتك جيدة في معناها ونظمها لكن الفكرة تثير الحساسيات لدى بعض الشعوب شكرًا لك.
«وقفة أمام الطاغوت»
قالوا اعتذر منه وقبل هامه *** فأبت على كرامة الإسلام
أنَّى لمن يهوى المكارم ينحني *** ويخر إذلالًا – لبغي طغام
إني لمن قوم أثارت فيهمو *** تلك الحمية - صحوة الايام
لي همة الأبطال.. يذكيها الفدا *** وأنا العزيز على مدى الأعوام
إني أنا العملاق في دنيا الورى *** كيف العمالق تخش من أقزام؟!
أنا صاحب الحق فكيف يخيفني *** بطش - وكيف أذوب في الأوهام؟!
أنا ثورة في أضلع الضغيان لا *** تفتأ - تقض مضاجع الأصنام
من نجل خالد - لا يذل لظالم *** أبدًا ولا يفتر للأحجام
روحي فدا الإسلام إن تزهق فلي *** شط – سيحمل – راية الأقدام
سيشنها حربا - ليردي من طغي *** يمضي على خطو الشهيد الظامي
روح، وإقدام، وعزة خاطر *** وتفان وثاب، وغضبة حامي
إن يمض جيل بالشهادة غانمًا *** فلسوف يخطو إثره - بسلام
جيل، وأجيال، تمنى طعنة *** حتى تضم لجحفل الإسلام
لتعيش خالدة جوار محمد *** بجنان عدن - موطن الإكرام
عبد الله بن طالب
وللشعر دور
كتب الأستاذ محمد أبو عاطف في مقدمة لبحثه القيم «كيف كان الشعر سلاحًا في معركة الحق والباطل»: «قضية الإسلام والشعر قضية عميقة الجذور، ضاربة في أعماق الماضي، متعددة الجوانب متشعبة الاتجاهات جال فيها العلماء وصالوا، وستظل قضية حية على مر السنين ما دام هناك قلب ينبض ولسان ينطق وخيال يبدع.
بل هي في أحد جوانبها قصة الإنسان بمثالياته وانحداره بروحانياته ومادياته بإيجابياته وسلبياته، بموقفه من الخير والشر بامتثاله لأوامر الله ونواهيه، وببعده عن شريعته بالتزام الطريق المستقيم وبسيره في طريق الضلال والغواية.
ومن هنا كان للإسلام موقف من الشعر، وكان للشعر رسالة سامية في مفهوم الإسلام، وكان الشعر سلاحًا رهيبًا في المعركة الكبرى بين الحق والباطل، بين النور والظلام، بين الإسلام والشرك وكانت النتيجة الحتمية «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
نعم... كانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا»... وخرجت قوافل النور إلى كل بقاع الأرض تبدد ظلام الجهالة والشرك، وتنتشل الإنسانية من الهوة المظلمة التي تردت فيها وأخذت بيدها تعيدها إلى فطرتها السليمة «فطرة الله التي فطر الناس عليها» وكان للشعر في ذلك كله دور وكانت له صولات وجولات في مسرح الحوادث...».
أقصوصة: التراويح ... والإمام ممدوح
أول يوم من أيام رمضان في العام الهجري ١٤٠١ هـ تدافع أهل البلدة الساحلية لمساجدهم لتأدية صلاة العشاء والتراويح... وفي مسجد الأنصار تقدم الإمام أبو منير صفوف المصلين، وأدى بهم فرض العشاء، ثم جلس يسبح الله ويحمده مُتَّبعًا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتفحصًا في نفس الوقت وجوه إخوانه المصلين عسى أن يجد بينهم من يعرفه حافظًا لكتاب الله وأهلًا للإمامة؛ ليأخذ مكانه ويصلي بالحضور بدلًا منه صلاة التراويح.. وتفحص مرة أخرى الوجوه فما وجد في هذه الأعداد القليلة إلا الشيخ الهرم والعاجز وصبية وأطفالًا وآخرين من عامة الناس، واغرورقت عيناه بالدموع وتذكر مواسم رمضان المباركة في الأعوام السابقة حيث كان الدكتور ممدوح أو المدرس محمد أو الأستاذ رشيد أو المهندس أحمد أو الطبيب إبراهيم يكلف أحدهم لتأدية صلاة التراويح فهم من حفظة القرآن الكريم وهم من الأخيار المؤمنين وعلى رأسهم هذا الشيخ الأزهري الدكتور ممدوح المؤمن الورع والخطيب البارع والقارئ المبدع... ولكن أين هؤلاء!!... وتتابعت الذكريات .... فالبلدة المؤمنة الذي يحتضنها البحر وتحيط بها الجبال غمرتها موجات الحقد الطائفي واجتاحتها التصفيات الإجرامية، ووقف الشباب المسلم ووقفت الصفوة المثقفة والصفوة الواعية المؤمنة في وجه الطغيان، فدب الرعب والذعر في أجهزة السلطة الفئوية واهتزت كراسي الحكم والنظام تحت ضربات المجاهدين، وهربت عناصر السرايا والمخابرات في لقاء فدائيي الإسلام الشجعان، وبحثوا عن الانتقام فكان جبانًا نذلًا، وخطفت عناصر السرايا الدكتور ممدوح وهو عائد لمنزله بعد أدائه الصلاة الصبح بدعوى تحقيق بسيط عند مدير الأمن.. وفي المساء شاهد بعض المارة على طريق خارج البلدة جثمانه وقد تشوه كثيرًا من التعذيب والتمثيل البشع به وطعنات الحراب في أنحاء كثيرة من جثمانه، وبكت البلدة شهيدها المسلم وابنها المؤمن الشيخ الدكتور ممدوح رحمة الله عليه...
وبعد أيام قليلة قامت عناصر المخابرات العسكرية باعتقال المهندس أحمد من عمله، وتعرض في أقبية المخابرات لعذاب رهيب وقسوة شديدة، واستشهد هذا الرجل الصادق المخلص المتمسك بعقيدته تحت ضربات سياط الجلادين، واستشهد المدرس محمد الشاب المتحمس المؤمن المدافع عن دينه وهو يحمي مجموعة من المجاهدين.. وتعرض الطبيب إبراهيم والشيخ عبد الستار وعشرات بل مئات من شباب الجيل الرباني المسلم للاعتقال والسجن، وانطلق آخرون مهاجرين بعد أن تعرضوا للملاحقة والاضطهاد والتعذيب... يا لطيف ألطف بنا يا رب العالمين، ومسح دموعه أبو منير، فقد طال شريط الذكريات.. وطال انتظار المصلين وقال البعض: لا حول ولا قوة إلا بالله، صل على النبي يا شيخ «أبو منير»... رد أبو منير قائلًا: حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم صل وسلم على نبيك المصطفى محمد، وارحم شهداء المسلمين، ثم وقف وأخذ مكانه أمام المحراب وقال بصوته الهادئ الحزين: صلاة التراويح سنة نبيكم أثابكم الله .... ساووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة.... الله أكبر.
أنس الغيث