العنوان أدب (العدد 634)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983
مشاهدات 65
نشر في العدد 634
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-أغسطس-1983
محطة:
أسمعت بنكبة قرطبة
ترويها أمواج البحر؟
عن شط يشكو للشط
هول التفتيش عن الفكر؟
عن حرف زخرف بالخط
عن ديوان، عن مكتبة
وبقايا من ألق السحر؟
عن آيات تتلى همسًا
وركيعات عند الفجر؟
أتقوم محاكم تفتيش
بالشام، ويأتي الإفرنج؟
ويعيش الناس بلا رأي
وتصادر أشعار الحب
وتراقب نبضات القلب
هل تذكر أسماء الله؟
أبو نزار
أقصوصة:
ماذا فعلت يا مصطفى؟
بقلم: شريف الرأس
الوقت: مع طلوع الشمس.
الصوت: صوت انفجار هائل له دوي شديد.
الصورة غبار كثيف يتصاعد من مسجد قديم جرى تفجيره الآن بكميات كبيرة من الديناميت ... كتلة الغبار الكثيف ضخمة هائلة ومن قبلها تتطاير أحجار المسجد وحطامه ... تتطاير كأنها شظايا نارية مخيفة ... أشعة الفجر الحمراء تحيل كتلة الغبار الهائلة إلى كتلة من نار ... الشظايا تنحني وتسقط ... من بينها نرى أشياء ترفرف وهي تسقط ... بأوراقها كأنها طيور ذبيحة ... ربما إنها هي المصاحف.
تتراجع الكاميرا ببطء فتعرض لنا مشهدًا شموليًا «بانوراما» للمدينة العريقة التي يجري ذبحها الآن ... منذ أسبوع ... منذ 26 يومًا: خرائب ... حرائق ... أطلال ... دمار شامل ومخيف ... وكل شيء بلون الجحيم ...
والصوت يظل خلال ذلك صوت رصاص، وقنابل، وانفجارات، واستغاثات، وطائرات حربية، وصراخ نساء مذعورات، وقصف صواريخ، وبكاء أطفال خائفين، وأصوات دبابات، ومدافع ميدان، ونذالة، وحقارة، ولؤم، وكل بشاعات الهمجية في شارع فرعي ضيق فارغ تمامًا من أية حركة.
على أرض الشارع ينام شهيد: معلم مدرسة «32 سنة» ثيابه ملطخة بالدماء ونظارته مكسورة، نائم، صدره على بلاط الشارع ويداه مفروشتان على جانبي رأسه كأنه يحتضن أرض بلده.
بلاط الشارع من حجر الصوان المرصوف ... وواجهات البيوت هي من الحجر الأبيض المنحوت، الجدران والأبواب والنوافذ توحي بأنك في قلب التاريخ.
الأبواب والنوافذ كلها مغلقة ... وبعض البيوت متهدمة بشكل جزئي ...
نافذة على ارتفاع متر.
حركة بطيئة وحذرة جدًا في هذه النافذة إلى أن ينفتح فيها شق ضيق نلمح من خلاله عين طفل ينظر إلى الشارع بدهشة وخوف.
الطفل ما إن يرى جثة الرجل حتى يغلق النافذة بسرعة.
في داخل ذلك البيت:
الطفل ذاته «6 سنوات» واقف فوق كرسي، لصق النافذة المغلقة، يلتفت ويقول:
- أمي ... تعالي انظري يا أمي ... إن أبي نائم في الشارع ... نائم على الأرض وعلى وجهه عصير بندورة حمراء.
الأم «28 سنة» جالسة على الأرض في الركن المقابل من الغرفة، وهذا تحتضن طفلة رضيعة وتنوس بها إلى الأمام وإلى الخلف لعلها تنام ... وعلى ركبتها رأس طفل آخر «سنتان»، ومن الجهة الثانية يتشبث بالأم طفل ثالث، إنه خائف جدًا.
فوق رأس الأم، على الجدار، لوحة تزيينية مكتوبة بالخط النسخي «بسم الله الرحمن الرحيم» وحرف السين طويل وجميل وكأنه سيف عتيق من أيام النبي r وعمر وعلي وخالد ... بجانب هذه اللوحة مسمار يتدلى منه كيس من الحرير فيه كتاب كبير.
على الجدار المقابل صورة كبيرة للجد «الحاج خالد» بثياب المجاهدين قبل أربعين سنة: حطة وعقال، شاربان كبيران، دامر مطرز بخيوط الحرير، ثوب أبيض مقلم، حزامان من الجلد العريض متصلبان فوق الصدر وفيهما صفوف من طلقات الرصاص، بندقية طويلة في اليد.
الأم وأولادها جالسون على لحاف ممدود فوق بلاط الغرفة، وحول اللحاف توجد صحون ألمنيوم فارغة وعليها آثار طعام، وأبريق بلاستيك، وجريدة متجعدة عليها بقايا فتات خبز.
الطفل الذي كان عند النافذة ينزل عن الكرسي ويأتي نحو أمه.
الطفل: ما لك لا تقومين يا أمي؟ ... قلت لك إن أبي نائم في الشارع.
الأم: اقعد يا مصطفى ... اقعد واسكت ... ماذا تريدني أن أفعل؟
الطفل: اذهبي وأيقظيه ... لا يجوز أن ينام في الشارع هكذا.
الأم: اصبر يا مصطفى ... مهما أيقظناه فإنه لن يفيق.
الطفل: لماذا؟
الأم: لأنه ... لأنه ميت ... صار يجب أن تعرفوا هذا.
الطفل: أبي ميت؟ ... إذن فلم لا تبكين؟ ... كلنا يجب أن نبكي.
الأم: لا وقت للحزن يا مصطفى ... كما أن أباك يزعل إذا بكينا ... لأنه شهيد.
الطفل: يعني ذهب إلى الجنة؟
الأم: نعم الشهداء يذهبون إلى الجنة.
الطفل: والآن ماذا نفعل؟
الأم: نقعد ولا نفعل شيئًا ... نقعد ونصبر.
الطفل: «مستنكرًا» ونترك أبي وحده هكذا في الشارع؟
الأم: وماذا نستطيع أن نفعل؟ ... إنه هكذا منذ يومين وليلتين.
...............
تحيط بالصورة هالة من ظلال ألوان متداخلة «مشهد استنكار خيالي لما حدث قبل يومين» صوت يد غليظة تضرب على الباب بعنف وصوت رجل جلف: افتحوا الباب ... افتحوا الباب يا كلاب.
أبو مصطفى وأم مصطفى في الغرفة ذاتها قلقين مضطربين.
أبو مصطفى يأخذ أولاده الصغار إلى غرفة مجاورة ويغلق عليهم الباب ويعود.
الأم: «بوجل شديد» لا تفتح الباب ... إنهم سيقتلونك.
الأب: ولكنني لم أفعل شيئًا أبدًا ... كل الناس يعرفون أنني معلم مدرسة على باب الله ولم أتدخل في السياسة أبدًا ... سأفتح الباب.
صوت طلقات نارية سريعة عند عتبة الباب.
الأب: سأخرج إليهم وإلا حطموا الباب ودخلوا فقتلونا جميعًا أنا وأنت والأولاد ... إنهم وحوش ... إنهم لا يخافون الله.
«يسوي وضع النظارة التي انزلقت فوق أنفه بسبب الاضطراب ... يتلفت حوله متفقدًا ما إذا كان يوجد في الغرفة شيء محظور يرى على الجدار لوحة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»
تراتيل على أسوار تدمر (3)
للشاعر/ يحيى البشيري
صاحب هذه الملحمة شاعر رقيق هو الأستاذ الشاعر يحيى البشيري ... هزت مشاعره مجزرة تدمر ... فكانت الملحمة التي تناولنا بعض مضامينها في العدد الماضي، وفي هذا العدد نلقي بالضوء على بعض الجوانب التي تألقت في هذه الملحمة التي تمكن فيها الشاعر من أن ينقلنا إلى مشاهدة الحدث بأعيننا عبر تراتيل ملحمته.
ومن النظرة التقييمية الفنية الأولى يشدنا الترتيل السابع حيث النقلة التاريخية الرائعة إذ تحس بالمذبحة في سجن تدمر ... تحس ملكة تدمر «زنوبيا» بشخير المذبوحين وأنين الجرحى المدفونين، فيرتج القصر والمعبد، وترتعد قاهرة الروم. وتتساءل: ما الخبر؟ وتستنكر -إذ تعلم الخبر- تستنكر أن يقدم الرومان على الغدر بالأسرى، ولكنها تكتشف أن الغادرين ليسوا من الرومان ويطوي التاريخ صفحات، فإذا الغادرون هم من حفدة قرمط، لا في مكة ولكن في تدمر حيث لا زمزم الذي ردموه، ولا الكعبة التي استباحوها وانتهكوا حرمتها، ولا الحجر الذي أهانوه وسرقوه، ولا الحجيج الذين ذبحوهم وهم في طريقهم إلى تلك الديار المقدسة.
ويأتي الحوار بين هدهد وحمامة، كأنما سجن تدمر قد شط ونأى، فأين الواصلون إليه والعارفون ما يدور في أرجائه من بني البشر ويستعير الشاعر لغة الهدهد من القرآن الكريم كما وردت قصة سبأ، فتسبق دموع الهدهد دمعات بنت الهديل وتنتهي التراتيل السبعة، ولا تنتهي الأحزان على شهداء تدمر، ولا ترقأ الدموع.
ولا بد لنا هنا من وقفة قصيرة على هذه الإسقاطات التاريخية التي حفلت بها هذه التراتيل، فالشاعر لم يأت على ذكر أحداث التاريخ ليبرهن على ثقافته التاريخية، بل ليؤكد محور الصراع وماهيته عبر الدهور، منذ أغوى الشيطان آدم، وقتل قابيل هابيل، ووقف أجداد طاغية الشام مع يهود ضد الرسول العظيم ، ثم جريمة جد أسد «عبد الله بن سبأ» في إيجاد هذا الشرخ الهائل في صفوف المسلمين، ثم جده ابن العلقمي في تآمره مع هولاكو ضد ولي أمره خليفة بغداد، ثم تآمر أجداده الأولين في تعاملهم مع «غورو» رمز الاستعمار الفرنسي، إلى أن كانت الخيانة الأخيرة في تسليم الجولان بلا حرب أو ثمن يذكر.
وفي الترتيل الأخير أبرز لنا زنوبيا ملكة تدمر ثائرة مستنكرة ما رأته وما سمعت به من أنباء تلك المجزرة الشنيعة التي ارتكبها الهمجي وعصاباته الغارقة في دماء الإجرام، وهي الملكة النبيلة التي خاضت الحروب، فقتلت من قتلت من أعدائها، وأسرت الكثيرين منهم، ولكنها ما كانت -وهي الحرة- لتغدر بأسراها الذين حاربوها وتمنوا قتلها أو أسرها وإزالة دولتها، لأن الغدر من شيم الأنذال والتافهين.
لقد غاص الشاعر في أعماق النفوس البشرية التي تعرض لها: «الجلاد والسجان والمحقق والحاكم والمعتقلون بألوانهم الشتى، والملكة» فصور عواطف هذه النفوس في صدق المجرب للمعاني ... فالشاعر ذاق طعوم المرارة قبل السجن وفي أثناء اعتقاله، والتقى كثيرين ممن عانوا في السجون وفي سجن تدمر خاصة، وهزته أنباء المجزرة المروعة التي ذهبت بخيرة من عرف من الأساتذة والأقران والتلاميذ ... كل هذا ساعده على التعمق في معرفة النفس الإنسانية في علوها وهبوطها ... إلى جانب أن الشاعر يتخذ من الشعر أداة أو آلة حربية يقاتل بها ... ومن هنا كان خلو شعره من الترفه العقلي أو العاطفي الرخيص، وأنت تعرف ما تعني كلمة «ترف»، وإلا ... فانظر إلى عشرات الدواوين ومئات القصائد بل إلى آلافها، لعشرات الشعراء بل لمئاتهم، عبر تاريخنا الشعري الطويل، لتعي ما نريده من هذه الكلمة التي أهلك الله أصحابها في محكم آياته، إن هذه التراتيل شعر داعية معطاء، همه نشر هذه الدعوة ومناضلة أعدائها بالكلمة والرصاصة على حدٍّ سواء، وقد جرب هذين النوعين من الجهاد.
ونحن لن نناقش المؤاخذين للفن الدعائي عامة، وللشعر الدعائي خاصة، فلأولئك حياتهم المترعة تفاهة «فنية» ولنا حياتنا ومفهوماتنا الشعرية وقيمنا الفنية التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن معطياتهم الحضارية الداروينية والفرويدية ...
وقد قدم شاعرنا تراتيله هذه في يسر ولين لا يعرفان معنى للتكلف، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: 86)، وأرسل نفسه على سجيتها وهو يصور أحاسيسه أو أحاسيس الآخرين.
تحية إلى مجاهدي أفغانستان
شعر يحيى حاج يحيى
اضرب بسيف الله «يا سياف» *** فاليأس ولى وانتهى الإرجاف
وازحف إلى «كابول» زحف مجرب *** قد طهرت من رجسهم أرياف
وتوحدت سبل الجهاد بأهله *** ومضى الهوان: تفرق وخلاف
فبأي حق أم بأية شرعة *** جاسوا الديار وأبرمت أحلاف
أيقيد الإنسان في أوطانه *** ويذاق من ترويعهم أصناف؟؟
لو أنصفوا لاستسلموا لجراحهم *** خمس مضين، وجرحهم نزاف
في كل معركة يحين هلاكهم *** إن المنايا ما لها إخلاف
يا ويحهم، أين المفر؟ وجيشهم *** هدف السنان تنوشه الأطراف
هذي الرؤوس الخاويات استحصدت *** واليوم -يا كابول- حان قطاف
جاؤوا بأسلحة الدمار، فدمرت *** بكتائب فيها الردى زحاف
يتساقطون وما بهم أثر الوغى *** صرعى تبعثر ذلة وتعاف
من كل يحسب أنهم بسلاحهم *** متفوقون، فما له إنصاف
خمسون ألف مكابر قد جندلوا *** بئس المئات، وتبت الآلاف
يحدو لهم غر يسابق ظله *** أو واقف في قيده رجاف
كابول لا بقي الجهاد وأهله *** إن لم تمرغ للعدا أناف
في كل واد، عند كل ثنية *** علم الجهاد تحوطه الأسياف
مستنفرون إلى القتال يقودهم *** جند ثقال في الوغى وخفاف
فلنعم أبناء الرجال، بلادهم *** تزهو بهم، ولنعمت الأسلاف
لن يفلح الإلحاد في إركاعهم *** مهما بغى، واستأسد الأجلاف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل