; أدعياء الثقافة | مجلة المجتمع

العنوان أدعياء الثقافة

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001

مشاهدات 72

نشر في العدد 1435

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 23-يناير-2001

يمارس من يزعمون أنهم «المثقفون» تعاليًا غريبًا على الجمهور، وكأن «شهادة الثقافة» التي حازوها لا وظيفة اجتماعية لها سوى تسفيه أحلام الناس، ورميهم بالجهل، وعدم إدراك بواطن الأمور.

وكلما تفاعلت المجتمعات العربية والإسلامية مع قضية، سارع مدعو الثقافة إلى الطرف المضاد، إذ يبدو أنه من العيب الكبير، بل هي نقيصة عندهم أن ينحازوا ولو مرة للخيار الشعبي، فهم لا يتصورون أن الشعوب يمكن أن تدرك بوعيها أفضل مما يدركون، وأن تكون لها المبادرة على غير رغبة جهات رسمية أحيانًا، ومن غير توجيه من أدعياء الثقافة دائمًا.

حين تنادت قطاعات كبيرة من الشعوب العربية والإسلامية لمقاطعة السلع الأمريكية والصهيونية، انبرى أولئك لتسفيه تلك الدعوة وتحبيط المعنويات، بزعم أن حجم تبادلنا التجاري مع الولايات المتحدة لا يؤثر فيها حتى لو امتنعنا عن شراء كل المنتجات الأمريكية، أو القول إن المقاطعة هي عمل ضد الاندماج في الاقتصاد العالمي، أو أنها ستحول دون تطوير الإنتاج أو زيادة التصدير أو تضر بالعمالة الوطنية التي تقوم على إنتاج بعض السلع الأمريكية في بلادنا.

المبررات السابقة تعكس التضليل الذي يمارسه أدعياء الثقافة على الناس، فالاقتصاد العالمي ليس كله أمريكيًا ولا تمسك الولايات المتحدة بمفاتيح التطوير والتصدير على مستوى العالم، وبصرف النظر عن قيمة البضاعة فإن من حق الشعوب أن تعبر عما يعتمل في دواخلها، خاصة أن كثيرًا مما في الداخل لا يجد طريقة للتعبير عنه، أما المبرر الأخير فهو قريب من قول إن الانتفاضة تضر بالمصالح الوطنية الفلسطينية، لأنها تحول دون وصول الفلسطينيين إلى أماكن العمل لدى الصهاينة.

أما الأسوأ من ذلك فهو مهاجمة العمليات الاستشهادية التي يقوم بها بعض مجاهدي فلسطين وغيرها إما بالقول إنها عمليات إرهابية، أو محاولة التفلسف بالبحث عن أسباب «حب بعضنا للموت».. والموت عندهم سواء.. يستوي في ذلك ما فعله هتلر بأوروبا، وما يقدم عليه المنتحر، وما يقدم عليه المجاهد المحتسب.. إن الحياة عندهم قيمة عليا يهون دونها الاحتلال والتشرد والظلم والذل والانسحاق تحت طغيان الصهاينة. 

أما الشاعر الذي قال: «ماء الحياة بذلة كجهنم»، فمن الراجح عندهم أنه كان «أصوليًا متطرفًا»! 

لقد أصبح انعزال مدعي الثقافة عن المجتمع مزية يفتخرون بها، وحين أثيرت مسألة الروايات الهابطة التي نشرتها وزارة الثقافة المصرية، والتي كتبها بعض المنتمين إلى تلك الطائفة ونشرها آخرون منهم قال أحدهم مستغربًا: إن تلك الروايات لم يوزع منها سوى عدد محدود من النسخ على «النخبة المثقفة»، ولم يطلع عليها الجمهور.

وكان ذلك أبلغ تعبير عن حقيقتهم، فهم قلة رضوا أن يعيشوا منعزلين عن المجتمع.. يتخاطبون بلغة سرية لا يفهمها غيرهم.. وارتباطهم الوحيد بالمجتمع هو التربع على كراسي الأجهزة الثقافية لإيجاد التمويل اللازم لتهويماتهم وشطحاتهم المنحلة.

الرابط المختصر :