العنوان أربعة أيام في إستكهولم
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 77
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 48
السبت 17-يناير-2004
عندما وصلنا استكهولم ليلة عيد الميلاد كانت الثلوج تغطي المدينة والصمت يلفها كعادة الأوروبيين في هذه الليلة، التي يكون الاحتفال فيها دينيًا تقليدًا عائليًا، وذلك على الرغم من المفاجأة التي صدمتنا في الاختلاف بين طريقة احتفال القوم في السويد عنها عند «قومنا» في إسبانيا التي أقيم فيها، نزلنا الفندق الذي أعدته الرابطة الإسلامية في السويد لضيوف مؤتمرها الرابع والعشرين، وبتنا بانتظار بدء فاعليات المؤتمر الذي كان واحدًا من أهم وأنجح المؤتمرات التي حضرتها.
ومع أن العنوان الرئيس للمؤتمر كان «خطابنا الإسلامي في عصر العولمة»، إلا أن القضية الفلسطينية احتلت لحمة المؤتمر وسداه.
وكانت هتافات بالروح بالدم نفديك يا أقصى تهز قاعات المؤتمر وأروقته حتى ليخيل للواحد منا أن المؤتمر إنما يعقد في إحدى العواصم العربية الصامدة والمتحدية لا في استكهولم أرض الثلج والناي والآخر الذي أصبح يتيح للعرب أن يعبروا عما في صدورهم أكثر مما تفعل عواصم عربية.
وكانت فرقة الاعتصام للإنشاد القادمة من أكناف بيت المقدس الشريف روحًا من الحب والود والتواصل بين الحضور الذين تجاوز عددهم الألفي شخص، والشعب الفلسطيني الصابر المرابط السجين الرهين في أرضه.
وعلى الرغم من اهتمام المحاضرين بقضية إعادة صياغة الخطاب الإسلامي في عصر العولمة إلا أن كثيرين منهم اضطربوا وتخبطوا لدى الحديث عن قضية الإرهاب والعنف حتى إن أحد الأساتذة المحاضرين صنف العنف إلى عنف سلبي وأخر مشروع، ولولا أن د. عزام التميمي - ضمن آخرين - بطريقته الخطابية اللافتة قام بوضع بعض النقاط على الحروف الخرج المؤتمر مبتور الفكر غير ملب لتوجهات معظم الحضور.
فالإرهاب - من وجهة نظري على الأقل - مسألة نسبية، ولعل من أكبر سقطات الإسلاميين ومفكريهم - شأنهم في ذلك شأن معظم رجالات الأمة اليوم - الوقوع في فخ تعريف الإرهاب ودفع تهمته أو الانسياق وراء موجة الإدانة غير الموفقة له، مع الإغفال شبه التام للأسباب الحقيقية التي دعت الشباب العربي والمسلم وخلال خمسين عامًا على الأقل وفي مسلسل في حلقات متتالية في الزمان والمكان والمعاناة والمحن والفجائع إلى التفكير في التغيير عن طريق فوهات البنادق وحسب!
الأستاذ الكبير أحد المحركات الرئيسة لجيل الصحوة راشد الغنوشي كانت له محاضراته المتميزة جدًا وقد استولى على القلوب والعقول بتواضعه الجم والنكتة الذكية التي لم تفارق حديثه، وعلى الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي التقي فيها الأستاذ والداعية والمفكر فقد استطعت أن أميز فيه أحد الرجال الكبار الذين طالما اختلف فيهم الناس بسبب علو قامتهم وتميز فكرهم، وذلك على الرغم من اختلافي معه في مسألة حديثه حول العنف والإرهاب ضمن غاية الاحترام له ولفكره...
من أهم المحاضرات التي ألقيت في المؤتمر كانت محاضرة الدكتور بدر الماص - من الكويت - والتي امتازت بأسلوب حديث جذاب وخطاب استحوذ على انتباه الحضور.
لقد أتيحت لي في أثناء هذه الأيام التي قضيتها في استكهولم فرصة التعرف إلى شخصيتين إسلاميتين في غاية من التميز والحضور الإعلامي من حيث تمكنهما من لغة الحوار والخطاب مع الجمهور بشكل عام ومع الشباب منه بشكل خاص، وهما الشيخ عبد الرحمن أبو الهيجا القادم إلينا من فلسطين الثمانية والأربعين، والدكتور الشيخ عبد الله على بصفر الأمين العام للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن من المملكة العربية السعودية.
فأما أبو الهيجا وعلى الرغم من صغر سنه فقد استطاع أن يفرض نفسه على الجمهور لا كداعية وإمام فحسب بل ورجل مجاهد مقاوم من الطراز الذي نحتاجه اليوم، ذلك أنه قد أتى المؤتمر برسالة واضحة يحملها ويريد إبلاغها إلى الأمة عن طريق إيصالها إلى هذه المجموعة المتميزة ممن ضمتهم استكهولم هذه الأيام الأربعة ضمن احتضانها لمؤتمر الرابطة الإسلامية في السويد، وقد استطاع - ومعه فرقة الاعتصام باهرة الأداء - أن يصل إلى العقول والقلوب، وأن ينقلوا إلينا رسائل ضرورية عن أهلنا الصابرين في الأرض المقدسة المنكوبة عام الثمانية والأربعين، وعن الشعب الممتحن المحاصر في أرضه الذي يعامل معاملة المهاجرين غير القانونيين النازحين إلى أوروبا... وهو في عقر داره!.
إلا أن الرسالة الأخطر التي نقلها وفي إيجاز وبلاغة ووضوح من يعرف بالضبط قيمة الدقائق القليلة التي يستطيع أن يتوجه فيها إلى جمهور من السفراء الذين سوف ينداحون في الأرض حاملين الكلمة إلى من يهمه الأمر كانت رسالته عن الشيخ الأسير رائد صلاح، الذي حمل هم الأقصى وأطلق صيحته الشهيرة عبر قناة (اقرأ) إلى العالمين العربي والإسلامي مذكرًا إياهما بأن الأقصى في خطر، هذا الشيخ المهندس الذي تحمل خطوط الألم في تعابير وجهه ونظراته هم أمة وجرح وجودها، والذي يقبع اليوم في سجون الاحتلال بسب هذا الجرم الهائل الذي ارتكبه وهو تذكير العرب بأقصاهم الجريح الذي ما فتئت النيران تلتهمه منذ ٣٥ عامًا وهم يتفرجون.!
أما الشيخ عبد الله على بصفر.. فهو أستاذ يحمل درجة الدكتوراه كمعظم الجيل الجديد من الدعاة السعوديين الذين يتميزون بصغر سنهم وتمكنهم من العلم وقدرتهم الفائقة على التواصل مع الناس، فقد كان أحد نجوم المؤتمر التف حوله الشباب بشكل خاص ليسمعوا منه بأسلوب جذاب حي سلس يجد القبول والرضا بسبب التواضع الجم الذي ميز الرجل، والرغبة في التحقق بخطاب إسلامي نرجوه وننتظره.
ولقد كانت الجلسة الختامية للمؤتمر بين فرقة الاعتصام التي غنت لجنين الصامدة بأداء مذهل، وأحيت فرحتنا بالقدس بخطاب لم أسمع بمثله يتحدث عن يوم التحرير وكأنه ماثل أمام ناظري الأمة في أمل وثقة عجيبين لا يليقان إلا بأهل القدس الصابرين المرابطين سواء داخل الخط الأخضر أم خارج هذا الخط المزعوم المفروض على شعب ينفى أبناؤه من بلدهم إلى بلدهم، وتقطع أواصر أرحامهم رغم أنوفهم ويحرمون من الصلاة في مسجدهم الحبيب، وهم يرونه رأي العين ويشمون عطره المقدس ولا يستطيعون التمرغ في ترابه الذي يرويه إخوانهم بدمائهم الزكية ليلًا ونهارًا دون أن يكلوا أو يملوا... لقد اختتم المؤتمر بجلسة أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها من الجلسات القليلة التي يجب على منا أن يشكر الله على أن وهبه الحياة ليحضر مثلها