العنوان أرض المافيا.. في ألبانيا.. كل شئ للبيع
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
مشاهدات 53
نشر في العدد 1265
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
- جثة لصبي في الخامسة عشرة.. والمفاجأة: أحشاؤه منزوعة بطريقة جراحية في مدينة فلورا «زعيمة الثورة».
- أحد أصحاب شركات التوظيف التي لم تنهار يقول: عندي 4 مليار دولار أمريكي! وبالمناسبة هو من فلورا أيضًا.
- 15 ألف ألبانية في إيطاليا.. يعملن في تجارة بيع الأعراض.
- أب يذهب إلى إيطاليا للبحث عن ابنته التي باعها بيده لأحد الإيطاليين مقابل خمسة آلاف دولار... ولكنه فقد أثرها تمامًا.. أين ذهبت؟
- ألبانيا محطة ترانزيت لتهريب البشر. وأشياء أخرى. من الشرق الأوسط إلى الأدنى إلى إيطاليا.
- طوابير من الفتيات يلجأن للسفارة الألبانية في روما لإنقاذهن من المصير المحتوم.. الدعارة أو القتل.
كان المرء يتحاشى أن يتعرض لمثل هذه الأحداث التي تعصف ببلد سكانه من المسلمين من باب أن ألبانيا تواجه مشكلات أكبر وصلت إلى حد التقسيم، وما زال هذا الخطر قائمًا رغم هدوء الأوضاع نسبيًّا، ولكن الذي دفعني للكتابة هو إستشعار المرء بأن كل ما يدور وما يجري من حولنا هنا مدبر ومخطط مرسوم، وإن لم يكن على مستوى الحكومات فلى مستوى المنظمات المشبوهة وعلى رأسها المافيا.
فلماذا اختارت المافيا ألبانيا في مثل هذا التوقيت العجيب؟
لا أحد يملك الإجابة الشافية الكافية ولكنها مجرد إجتهادات لقراءة دقيقة للواقع الألباني وعلاقاته الجوارية بالواقع الإيطالي المزدحم بالمافيا والتي أقضت مضاجع الساسة والعوام فيه فهب يحاربها بكل ما يملك، قد تكون هذه هي بداية الخيط:
1- التضييق الأمني المستمر والخطط الإجهاضية التي وضعتها الحكومة الإيطالية مؤخرًا والتي بفضلها تم كشف النقاب عن توغل المافيا حتى أكبر رأس في إيطاليا- ويكفي في هذا المجال أن أندريوتي رئيس الوزراء لسبع مرات يقدم للمحاكمة بتهمة تورطة في أعمال للمافيا- وقد دفع هذا التضييق بالمافيا للبحث عن أرض جديدة وخصوصًا مع تزايد الضغط الدولي على المافيا.
2- موقع ألبانيا قبالة شواطئ إيطاليا، حيث إن المسافة بين مدينتي فلورا الألبانية وباري الإيطالية يمكن قطعها في ساعتين بواسطة اللنشات السريعة، كما أن الوضع الأمني الألباني ساعد كثيرًا على توغل المافيا وتحركها بسهولة في طول البلاد وعرضها، ومعروف أن حرس الحدود الألباني لا يملك أي عتاد يمكنه من وقف هذه العمليات التي فشلت إيطاليا في الحد منها.
3- الوضع الاقتصادي الألباني المتردي، مكن عناصر المافيا من اصطياد المشردين والباحثين لا عن الكسب السريع، بل أحيانًا لقمة العيش والتعامل معهم وفتح مجالات لعملهم في ألبانيا وخصوصًا فلورا الميناء المواجه لإيطاليا والباحث أهله كمعظم سكان الموانئ عن فرصة للعيش.
4- الوضع السيئ للاجيئن الألبان في إيطاليا تحت رحمة الصدقات والتهديد اليومي بالطرد، خلق تربة مناسبة إجراميًّا نبتت منها عناصر متشردة ومجرمة حقيقة، تمكنت من اللقاء بالمافيا في إيطاليا والتنسيق معها.
على أن كثيرين يقولون بأن إيطاليا ليست وحدها المتهمة في هذا المضمار، بل إن اليونان وعصاباتها قد تمكنت من تجنيد الألبان للعمل بالمافيا ولكن من وراء ستار، وكما قالت مجلة KLAN الأسبوعية الألبانية «المافيا الألبانية تلاميذ لأساتذة المافيا في جزيرة كورفو اليونانية» وقالت إن هذه الجزيرة وهي مصيف ممتاز يرتاده مئات الآلاف من السياح من جميع أنحاء العالم، ولكن موسم الاصطياف يكون بمثابة مؤتمر سنوي لأعمال المافيا، ومن خلاله تم تجنيد المئات من العمالة الألبانية في اليونان على أعمال المافيا وخصوصًا التجسس وهو الأمر الذي يهم اليونانيين بالدرجة الأولى.
بعض نشاطات المافيا في ألبانيا
لا يستطيع المرء حصر كل النشاطات التي تمارسها هذه العصابات، وتتناول الصحافة الألبانية ويقدر ما تسمح به «الشجاعة» هذه النشاطات، ولكن الإعلام الإيطالي واليوناني يتناولها بكل صراحة ويلقي الضوء عليها:
1- السيارات المسروقة
كانت هذه هي البداية المتواضعة لمثل هذه العصابات فمع بداية الانفتاح على العالم ومعرفة الألبان لركوب السيارات وارتفاع ثمنها كانت السرقة، وعن طريق المافيا والتهريب إلى ألبانيا بأوراق مزورة هي الطريق الأسرع، وكان ذلك يتم بطريقتين: الأولى أن يقوم أحد أعضاء هذه العصابات بالحضور إلى ألبانيا ومعه إحدى السيارات المسروقة، ثم يقوم بإبلاغ البوليس عن سرقتها قبل سفره مباشرة «للحصول على التأمين» ثم يبيعها في السوق الألباني بسعر زهيد، والطريقة الأخرى هي أن يقوم أحد الألبان بالسفر والعودة بالسيارة المسروقة ويبيعها بنفسه مقابل نسبة له، أما الأوراق والمستندات فهناك ألف طريقة لتزويرها، والحقيقة أن الذين يتاجرون في هذه السيارات يقولون للمشتري: إن أوراقها ومستنداتها «مضروبة» وبالتالي فإن عليه عدم السفر بالسيارة خارج ألبانيا وإلا استوقفه البوليس الدولي «الإنتربول»، ولم تقتصر هذه النشاطات على إحضار سيارات مسروقة، بل تعدت ذلك إلى سرقة السيارات وخصوصًا «المرسيدس» والتي أصبح من المألوف سرقتها وتفتيتها ثم بيعاها كقطع غيار، ومن الطريف أن سيارة تابعة للبوليس الأوروبي في تيرانا تمت سرقتها قبل أيام، وكذلك سيارة العبد لله كانت هذا المقال والتي ساومتني عليها إحدى العصابات مقابل 600 دولار وما زلنا في مرحلة التفاوض.
وقد ارتفع عدد السيارات في شوارع ألبانيا بدرجة كبيرة فاقت المائتي ألف سيارة، والغريب أن 40% من هذا الرقم ليس له سجل لدى إدارات المرور، ورغم زيادة السرقة ووضوح الظاهرة إلا أن البوليس الألباني لا يرى في ذلك خطرًا بل في كثير من الأحيان ما يسمع المبلغ عن سرقة سيارته هذه العبارة «ولازم تركبوا مرسيدس» بل إن بعض أقسام البوليس يرفض القيام بعمل إجراءات البلاغ عن السرقة بحجة أن أمامهم مهام أكبر من البحث عن سيارة مسروقة، ومن الطريف أنه أثناء الأزمة الأخيرة نشطت تجارة السيارات المسروقة من ألبانيا إلى الجبل الأسود، وبالتالي إلى صربيا، وأصبح معلومًا أن سرقة السيارات من العاصمة وما حولها يعني أنها رحلت إلى الشمال مباشرة.
2- تجارة الأعضاء البشرية
قبل أسابيع طلبت مني مجلة المجتمع الكتابة عن نقل الأعضاء وزراعتها، وقلت ساعتها إن ألبانيا بلد متخلف ليس فيه هذا التقدم العلمي لنقل الأعضاء أو زرعها، ولكني ولقلة المعلومات في هذا المضمار لم أستطع الكتابة لا عن النقل ولا عن البيع، وبعد أسبوع من نشر المجتمع لموضوع زراعة الأعضاء وتجارتها نشرت جريدة «عصرنا Koha Jone» المستقلة خبرًا أثار الناس في ألبانيا وهو خبر العثور على جثة لصبي في الخامسة عشرة ملقاة على شاطئ الأدرياتيكي في مدينة فلورا ولكن بدون أحشاء، وكما قالت الجريدة لم تكن الجثة في حالة غير طبيعية، وليس عليها أثار اعتداء، بل إنه من الواضح أن نزع الأحشاء تم بطريقة جراحية!!!
وعقب ذلك تم اكتشاف الملف الأسود لتجارة الأعضاء الألبانية وخصوصًا في مدن الجنوب، ولتم كشف طلاسم إختطاف الصبية والبنات من محافظات «فلورا- فيري- كورشا» وكلها جنوب.
وكشف النقاب عن بيع هذا الأعضاء في بلاد متحضرة مثل سويسرا وهولندا واليونان بالإضافة إلى إيطاليا.
3- غسيل الأموال
هذا التعبير يستخدم حين تنتشر وتفوح رائحة الأموال القذرة من نشاطات غير مشروعة وليس لها سجل تجاري أو تقع تحت رقابة مالية في بلد ما، مثل تجارة المخدرات والسلاح والرقيق وغيرها، وفي هذه الحالة يبحث أصحابها عن طريقة لكي يتعاملون ويستفيدون من هذه الأموال وكأنها حلال «على طريقتنا» أو مشروعة «على طريقتهم»، وبالتالي فالبحث يتركز حول كيفية إدخال هذه الأموال إلى بلد ما والخروج بها تحت إسم جديد وشكل جديد يضفي عليها الشرعية «كأن يقال إنه استثمر أمواله في ألبانيا في مشروع كذا أو كذا».
هذه الطريقة ليست متاحة في أماكن كثيرة في العالم مع وجود الرقابة المالية والأمنية ومعرفة تلك الدول بنشاطات المافيا وأساليبها، لذا كانت ألبانيا إحدى المحطات المهمة في عملية الغسيل «والنشر أيضًا»، وذلك لعدم وجود الرقابة المالية اللازمة وخصوصًا البنكية منها، ناهيك عن تورط البنوك نفسها في هذه النشاطات.
على أن هذا النشاط لم يقتصر فقط على البنوك، بل تخطاه إلى ما عرف بشركات توظيف الأموال، وعن طريقها تم التخلص من جزء كبير من هذه الأموال مقابل غسل الباقي، وقد كانت فلورا مدينة الثورة هي الأولى في ألبانيا التي تحتضن بداية عمل هذه الشركات، ويكفي أن أصحاب خمسة من كبريات هذه الشركات والتي إنهارت إحداها مؤخرًا من أهالي فلورا، ويكفي أن رئيس إحدى الشركات التي لم تنهار بعد أعلن قبل أيام أن حجم ثروته يصل إلى أربعة مليارات دولار.
أما الصحافة الإيطالية فقد علقت على حجم أموال المافيا الألبانية فقالت إنها تخطت الأربعين مليار دولار «أين هي؟» ولم تكن إيطاليا كما ذكرت وحدها في هذا المضمار، بل واليونان أيضًا، وأحد أصحاب هذه الشركات عاش حينًا من الدهر في اليونان وعاد يحمل جنسيتها ويمارس التنظيف بجوار مهمة أخرى كشف عنها بعد ذلك وهي التجسس، وهو الآن يعيش في مكان أمين خارج إيطاليا واليونان «أمريكا!!».
4- تجارة الرقيق الأبيض
منذ العام 1992 وحتى اليوم وصل عدد الألبانيات العاملات في مجال الدعارة «أعتذر عن اللفظ» أكثر من خمسة عشر ألف ألبانية، هذا ما نشرته الصحف الإيطالية، لكن المحققين القانونيين في إيطاليا أنصفوا الألبان من هذه التهمة وقالوا: «إن الرقم الحقيقي خمسة آلاف فقط، ولكن كثيرًا من بنات روسيا ودول أوروبا الشرقية يدعين أنهن ألبانيات لجذب الزبائن»، إذن العنصر الألباني أصبح مرغوبًا ومطلوبًا في إيطاليا، ناهيك عن دول أخرى ما زالت في مرحلة التعرف على الألبان ومنها للأسف دول شرق أوسطية.
قبل أيام نشرت صحيفة DAILY NEWS لقاء مع فتاة عمرها 18 عامًا أمام سفارة ألبانيا في روما تحت عنوان «أنا واحدة من ضحايا الخداع»، وقالت: إنها اختطفت من أمام المدرسة في كورشا الجنوبية، وتم الاعتداء الجنسي عليها بواسطة مجموعة، ثم تم تسفيرها إلى إيطاليا لتمارس البغاء هناك، وليست «الفيرا» وحدها التي تعاني من ذلك المصير، بل إن هناك تسعيرة لبيع البنات في الجنوب الألباني وكانت في البداية ألفي دولار زيدت لتصل إلى خمسة آلاف، ثم عاودت الإنخفاض نظرًا للأحوال الأمنية المتردية في البلاد.
التليفزيون الإيطالي الحكومي ومن خلال برنامجه الشهير DOSSIER أو الملف نشر العديد والعديد من القصص حول البنات الاتي يتم خطفهن وترحيلهن إلى إيطاليا للممارسة البغاء وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل قتل بعضهن من جراء رفضهن الإنصياع للأوامر، وكان مما أذاعه التليفزيون الإيطالي قصة ذلك الأب الذي أعطى إبنته «أو باعها» لأحد الإيطاليين الذي أخذها وسافر إلى إيطاليا، ثم إنقطعت كل أخبارها فقرر الرجل الفلاح البسيط أن يذهب بنفسه للبحث عنها في كل إيطاليا، هذا مع تعساء الحظ أما سعداء الحظ، فربما تصبح إحدى المخطوفات نجمة إعلانات في تليفزيون اليونان مثلًا مثل «فالبونا تشوبي» التي انطلقت بعد أن اختطفت، ولكن المافيا صنعت منها نجمة ربما تتدخل في السياسة أيضًا.
وليست إيطاليا أو اليونان وحدهما اللتان تتمتعان لهذه التجارة الألبانية، بل إن مقدونيا قد إقتحمتها المافيا وهذه التجارة وقبل أيام نشرت إحدى الصحف الألبانية مصرع إحدى الفتيات الألبانيات في سكوبيا عاصمة مقدونيا بعد أن فضلت الانتحار على البغاء، بعد أن تعاقدت معها إحدى الشركات وقامت بتسفيرها من بلد إلى أخر من أجل هذا الغرض وهي سادس فتاة تلقى المصير نفسه.
لقد نشطت تجارة الرقيق الأبيض في وقت الأزمة الأخيرة ونشطت المافيا في هذا المجال ووضعت أسعارًا لهذه التجارة خصوصًا للقوات الدولية المتعطشة، ويكفي أنه مع رحيل القوات الدولية فإن الكثيرين من الجنود الإيطاليين واليونانيين قد إصطحبوا معهم فتيات ألبانيات «بيعًا وشراءً».
وفي هذا الإطار ومن سيئات القوات الدولية، فقد أعلن بوليس الآداب في العاصمة تيرانا عن اكتشافه لأكثر من خمسين بيتًا للبغاء، وأن هناك ما يزيد على 400 فتاة تمارس هذه المهنة في العاصمة تيرانا، وإن كن من محافظات أخرى، ورغم أن هذا النوع من النشاط غير مصرح به طبقًا للقانون الألباني إلا أن ضغوطًا قوية من منظمة الصحة العالمية يبدو أنها ستؤتي أكلها خصوصًا مع زيادة الطلب على هذه التجارة وبالذات من التجار الصينيين والإيطاليين وحتى الألبان.
وقالت صحيفة «عصرنا» في تحقيق لها: إن هذه النشاطات يديرها أناس معروفون وأنها تسير وفق نظم وأسس وقواعد، وأن أي فتاة تخالف ذلك يكون مصيرها الموت.
5- تهريب العمالة الشرق أوسطية إلى إيطاليا
في العام 1993م زارني أحد الشباب المصريين وكان واضحًا عليه التعب والإرهاق وذل المسألة، وقص علي قصته مع عصابات تهريب المصريين إلى إيطاليا عبر ألبانيا.
ففي إحدى محافظات الوجه البحري المصري ظهرت إحدى الشركات الوهمية لتسفير الشباب وخصوصًا الحرفيين للعمل في إيطاليا، كانت الرسوم في حينها 8000 جنيه مصري «أكثر من ألفى دولار أمريكي»، يدفع العميل جزءًا قبل سفره من القاهرة إلى تركيا، ثم الباقي في تركيا أو تيرانا، في ذلك الحين لم تكن خطوط الطيران بين تركيا وتيرانا متوافرة كما هو الحال اليوم، وربما كان السفر بالطريق البري إلى إسطنبول، ثم إلى مقدونيا ثم تيرانا، لكن صاحبنا وصل إلى تيرانا وتركته العصابة ولم تقم بتسفيره إلى إيطاليا كما وعدته، والشاب غريب ولم يبق معه أي مال ينفق منه والباقي معروف، ولكن المفاجأة أن صاحبنا لم يسافر إلى القاهرة كما وعدنا، بل استقر في ألبانيا يصارع إلى أن أصبح هو زعيم إحدى الشبكات وانتقل من ألبانيا الفقيرة ليمارس نشاطه في إسطنبول الغنية ودون عناء.
هذه الشبكة والتي يقودها إيطاليون وتضم مصريين وأكراد وفلسطينيين وبالطبع ألبان، هي التي قامت باكتشاف الطريق البحري المهم لتهريب العمالة وأصبحت التسعيرة أكثر من خمسة آلاف دولار أمريكي، أما الطريق فهو القاهرة أو عمان.. أسطنبول أو سكوبيا. تيرانا أو فلورا.. وعبر البحر إلى شواطئ إيطاليا المحاذية لألبانيا.
هذه الشبكة فيها الكثيرون من رجال البوليس الإيطالي والألباني والتركي، ولما اكتشف البوليس المصري والتركي هذه الشبكة، تم التضييق على المسافرين إلى تركيا وكذلك المصريين المسافرين من تركيا إلى تيرانا، ولكن العصابة جمدت نشاطها بعض الوقت لحين ترتيب أوراقها، وبالفعل نجحت في تجنيد بعض رجال البوليس وخصوصًا في إدارة الجوازات في تركيا، وعاد النشاط أقوى مما كان عليه، ورغم أن الطريق التي تسلكه اللنشات السريعة الناقلة للعمالة غير آمن، إلا أن الكثيرين ليس لديهم خيار، وهناك حوادث غرق بالجملة نتيجة للسرعة الفائقة أو الحمولة الزائدة، ولكن صعوبة الحياة في بعض البلدان ربما جعلت المغامرة شيئًا مستساغًا.
ورغم مكاسب المافيا الهائلة في أوقات الرخاء، إلا أن مكاسبها زادت في الأوقات الأخيرة وأثناء الأزمة وتحول النشاط إلى الألبان الراغبين في الهجرة وكانت التسعيرة التي وضعتها المافيا هي خمسمائة دولار لكي تلقي بالمهاجر على سطح أي باخرة أو مركب تقترب من أي ميناء من مؤانئ الجنوب والطريف أن قادة هذه العمليات متهمون بأنهم هم زعماء التمرد في الجنوب، لذلك اختفوا تمامًا بعد الانتخابات الأخيرة وعادوا إلى البلاد التي تأويهم قبل استخدامهم في التمرد «إيطاليا واليونان».
وربما مما يزيد في السخرية أن أول طائرة قادمة من تركيا يستقبلها مطار تيرانا بعد إغلاقه في الأحداث الأخيرة كانت مشحونة بعدد لا بأس به من العمالة المصرية والعراقية، ورغم أن هناك تعليمات مصرية لشركات الطيران بعدم حمل أي مسافر مصري يتوجه إلى تيرانا قبل مروره على مباحث أمن الدولة في مصر للحيلولة دون تهريب العمالة أو لضبط عناصر إرهابية!!! إلا أن مئات المصريين قد أفلحوا في الوصول إلى إيطاليا، وكثيرون أعادهم الأمن رغم أن لهم أعمالًا خاصة في ألبانيا.
السخرية الكبرى ليست في تورط بعض الأفراد من العوام، لكن الأمر وصل إلى تورط بعض الدبلوماسيين ومن جنسيات عربية، يمارسون أيضًا التجارة وأشياء أخرى، وباتت هذه القصص على كل لسان.
6- البضائع المهربة والمنتهية الصلاحية
قال رئيس الجمعية حماية المستهلكين في ألبانيا إن 90% من المواد الغذائية التي تصل إلى ألبانيا من الخارج منتهية الصلاحية، وأن هناك عصابات متخصصة في تغيير تاريخ التصنيع والصلاحية في بلاد مجاورة، وهذا مما تسبب في ظهور بعض الأمراض غير المعروفة السبب ومنها داء البطاطس، والذي ظهر في الخبز مؤخرًا، وقد أدخلت بعض البضائع على أنها مساعدات، ثم بيعت، مما أدى إلى تحويل المسؤولين في الجمارك إلى المحاكمة حاليًّا، وتم فتح ملف التهريب إلى الجبل الأسود أثناء الحصار على يوغوسلافيا وخصوصًا السجائر، وما زالت الضجة قائمة والصراع بين الحكومتين الحالية والقديمة لن يحسم بسهولة لأن المستندات تملكها المافيا بالقطع، وقد يؤدي كشفها إلى توريط مسؤولين كبار.
7- المخدرات
لم يعرف عن الشعب الألباني حبه للمخدرات بقدر رغبته في الكحوليات، ولكن موانئ ألبانية استخدمت لتخزين مخدرات قادمة من شرق أسيا وإفريقيا، وكان أشهر تلك الصفقات تلك التي دفعت المافيا مليون دولار مقابل السماح لها بالترانزيت في أحد الموانئ الألبانية قبل أيام من الاضطرابات الأخيرة.
لكن الأمر لم يقف عن حد التخزين والتجارة، بل لقد اكتشفت مؤخرًا مزارع متخصصة لزراعة الحشيش وهو ما أطلق عليه أنقى أنواع الحشيش في العالم حسب تصنيف رجال المكافحة الدوليين، وتنتشر هذه الزراعات في الجنوب، حيث مزارع الزيتون المترامية في السهول والوديان، ويبدو أن الحكومة لن تستطيع عمل شئ تجاه هذه الظاهرة وذلك للأسباب التالية:
1- عدم قدرة الدولة على بسط سيطرتها الأمنية على البلاد، وبخاصة الجنوب حيث تنتشر هذه الزراعات.
2- العلاقات القوية والمراكز الحساسة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وحتى سياسيًّا لبعض ملاك هذه الزراعات.
3- يبدو أن زراعة المخدرات ستكون البديل عن توظيف الأموال في ألبانيا، وبالتالي فإن على الحكومة إما أن تغض الطرف أو تدفع التعويضات للمتضررين الجنوبيين.
4- حداثة نوعية هذه الزراعات وقلة خبرة البوليس الألباني يجعل من الصعب التعرف عليها وعلى أماكنها ويحتاج الأمر إلى وقت قد لا يكون في صالح البوليس الألباني.
5- هذه النشاطات عادة ما يكون وراءها شركات متعددة الجنسيات وعبر البحار، مما يعطيها حماية وتأمينًا، خصوصًا إذا تم الضغط بورقة الاستثمارات في بلد يبحث عن الاستثمار بشتى السبل.
8- رجال الأعمال
ويبدو أن موضة «الفردة» وهو تعبير مصري يعني فرض رسوم مقابل حماية غير مطلوبة، قد انتشرت في أوروبا الشرقية وكانت صارخة في روسيا، خصوصًا مع بداية عصر الإنفتاح، ولكن ألبانيا وقد مر على انفتاحها على العالم أكثر من ست سنوات، لم تنتشر بها هذه الظاهرة إلا مؤخرًا وخصوصًا في الإضطرابات الأخيرة، ومع انتشار السلاح وهروب المستثمرين نشطت هذه التجارة مرة أخرى وقادت المجموعات العائدة من الخارج هذا النشاط، وكانت تلتقي برجال الأعمال أو ممثليهم لتعرض خدماتها.. وإلا يتم نسف المصنع أو المنشأة أو تركه عرضة للنهب، وبالفعل تم التعاقد مع بعض هؤلاء المحترفين مقابل مبالغ خيالية وبعد استقرار الأوضاع عادت هذه المجموعة لتمارس عملها بشكل أكثر احترافًا وتنظيمًا وعلى طريقة «الفردة»، أو «فتوة الحي» الذي لا يستطيع أحد أن ينافسه، وتم تقسيم المناطق بين هذه المجموعات وربما يكون من الأفضل لرجال الأعمال أن يستعينوا بهؤلاء خصوصًا إذا غاب الأمن أو تواجد بإمكانيات ضعيفة، وتبقى المعضلة إذا ما تحسن الأمن والأوضاع في ألبانيا هي يستطيع أحد أن يقاوم هؤلاء؟، أم أن عليهم أن يتحولوا إلى شركات أمن خاصة وربما يكون ذلك أفضل الحلول.
وأخيرًا.. فقد بدأت الحكومة الجديدة حملة واسعة ضد الجريمة المنظمة وقد شنت أول هجوم لها على تلك العصابات في فلورا، وتم إلقاء القبض على بعض زعماء الجريمة المنظمة، ولكن المفاجأة أن أحد قادة التمرد واسمه مرتضى شاويشي والمعروف باسم «ساني» هرب إلى إيطاليا، والأغرب أن وزير الدفاع الإيطالي هو الذي زف البشرى للعالم بأن المجرم «ساني» في إيطاليا.
وربما تكون أمام الحكومة الحالية فرصة كبيرة للإصلاح لكنني لست أراها مجدية ما لم ترفع تلك البلدان يدها عن ألبانيا، أو تحاول أخرى إحداث توازن في المجتمع الألباني.
ولست أقصد تجارة العملة فهي تجارة مشروعة بحكم القانون، ولكن ما أقصده هو أن هناك عملات يتم بيعها وشراؤها من خلال السوق الألباني فقط، نظرًا للضغط الدولي على بيعها في الخارج، وأذكر منها الدينار الليبي والذي تبلغ حد تجارته بآلاف المليارات، بل إن مجرد أن يعرف أنك عربي يأتيك من يحمل أجولة من الدنانير يعرضها للبيع والتسليم في أي مكان، تريده وعقب حرب الخليج زادت حركة بيع الدينار العراقي، والذي يشهد رواجًا كبيرًا هذه الأيام، ويبدو أن المافيا لديها علم بقرب انفراج الأزمة في العراق، والطريق المعهودة هو تيرانا- أثينا، أو روما والاستلام من هناك، مما يعني أن هناك تنسيقًا كاملًا وعلى مستوى البنوك في هذه الدول لتنشيط هذه التجارة.
9- تجارة الأطفال
فقد أعلنت منظمة اليونيسف في تيرانا عن تلقيها بلاغات وصلت المئات عن حالات فقدان أطفال في السن بين 10– 16 عامًا، وفي نفس الوقت أعلنت منظمة التبني الحكومية عن تلقيها لمثل هذه البلاغات من محافظات عدة، وتقول الدكتورة حلمية مارا- مديرة المنظمة- إن هناك العديد والعديد من حالات الفقد دون إبلاغ، وقالت الصحف الإيطالية في تحقيقات لها حول ظاهرة الأطفال الألبان في إيطاليا إن الأطفال دون الحادية عشرة يعملون في «الشحاذة» وأن دخل الواحد يصل مائة دولار لا يناله وحده، بل له ما لا يزيد على العشر أو ما يكفيه الطعام والشراب وتأمين الإقامة دون إزعاج من السلطات الإيطالية، أما القسم الآخر من الأطفال وخصوصًا البنات فوق 16 سنة، فإن مصيرهم إلى الدعارة «أعتذر مرة أخرى عن اللفظ»، وقال مصدر في الداخلية إن تجميع الأطفال يتم في محافظتي بيرات وفير الجنوبيتين، ثم الترحيل إلى ميناء فلورا ومنه لأقرب موانئ إيطاليا، وقال جيانفرانكو رورتيليانو- مسؤول اليونيسيف- إن كثيرًا من الآباء يستغنون عن أبنائهم بسبب الفقر والجوع وسوء الوضع الاقتصادي، ناهيك عن ظاهرة «طفشان» الأبناء من ذويهم مع زيادة حالات الانفصال والطلاق.
10- تجارة السلاح
وعن هذه فحدث ولا حرج، فقد ضبطت أنواع من الذخيرة المنتجة في ألبانيا في البوسنة، وبوروندي، ورواندا، أثناء الحروب هناك، كما أن ألبانيا كانت معبرًا لتهريب السلاح الحظر على يوغسلافيا السابقة إبان أزمة البوسنة، مما حدا بوكالة أنباء Euro. news للقول بأن هذا الخطر يشبه المصفاة ذات الثقوب الواسعة، خصوصًا من جهة الشمال الألباني.
ومع الأزمة الأخيرة في ألبانيا وسرقة أكثر من مليوني قطعة سلاح نشطت تجارة السلاح داخليًّا وخارجيًّا، ولا يكاد يمر يوم إلا وتضبط السلطات الإيطالية مسافرين ألبان عن طريق البحر ومعهم كميات من الأسلحة الخفيفة.