العنوان أزمات الوزير
الكاتب د. أحمد الصاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1437
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 06-فبراير-2001
هل ينفذ وزير الثقافة المصري توجيهات صليبية تريد الانتقام من صلاح الدين؟
على طريقة ربابنة العصور الوسطى ألقى وزير الثقافة المصري فاروق حسني بثلة من رجال وزارته إلى عرض بحر الأقاويل ليضمن لسفينته النجاة من الأنواء التي ما فتئت تعصف بها منذ جلوسه على مقعد الوزارة قبل ثلاثة عشر عامًا أو يزيد.
فاروق حسني -الذي أفلت من خمسة تغییرات وزارية طالت اثنين من رؤساء الوزراء- واجه في الأسابيع الأخيرة واحدة من أشد موجات الهجوم التي اعتاد الرأي العام على متابعتها، وهي تتراوح بين العنف الشديد والغضب المكتوم، ممتدة بطول الحياة الثقافية وعرضها من الآثار إلى الفنون التشكيلية، ومن السينما إلى الأدب.
والجديد في هذه المواجهة الأخيرة أنها جاءت في توقيت حرج؛ إذ توشك الحكومة أن تقدم برنامجها لمجلس الشعب الجديد وسط تنبؤات بإجراء تعديلات وزارية تتراوح بين الجذرية والجزئية ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ملابسات الوقائع أدت إلى وقوع الوزير بين شقي الرحى، فإلى جانب المعارضين التقليديين للوزير وسياسة وزارته انضم عدد لا بأس به من المثقفين -الذين طالما ساندوه- إلى صفوف خصومه، وإن اختلفت الدواعي والمبررات والمنطلقات.
بداية المواجهة:
المواجهة بدأت بطلب إحاطة حول إصدار إحدى مؤسسات وزارة الثقافة ثلاث روايات بها عبارات مسفة تخدش الحياء العام، وتدعو إلى الإباحية (على نحو ما أشارت إليه المجتمع أكثر من مرة في أعداد سابقة).
أصحاب الروايات الثلاث لم يدخلوا بعد دائرة الجدل، واكتفى أحدهم وهو توفيق عبد الرحمن (٦٣سنة ومدير سابق بالإذاعة) بأن رد على الشائعات التي تقول إن روايته «قبل وبعد» إنما قصد بها التعرض للحياة الشخصية للشاعر عبد الرحمن الأبنودي فقال: إنه على صداقة وطيدة بالشاعر، وأي تشابه بين وقائع الرواية وبين الواقع هو تشابه غير مقصود والمسألة كلها محض تخيل.
تجدر الإشارة إلى أن المقاطع التي استشهد بها الوزير وأرسلها للصحفيين والكتاب للتدليل على وجهة نظره في أدب البورنو إنما اقتطعت من تلك الرواية.
أما محمود حامد -صاحب رواية «أحلام محرمة»- فقد اهتم بالرد على الشائعات التي تقول: إن أصحاب الروايات الثلاث هم الذين قاموا بتوصيل نسخ رواياتهم للنائب الإخواني بحثًا عن الشهرة التي لا توفرها سلسلة أدبية لا تطبع أكثر من ألف نسخة، والمفاجأة في رد محمود حامد أن أحد فصول روايته فاز في مسابقة جريدة أخبار الأدب التي يرأس تحريرها جمال الغيطاني، وأنه تقدم بالفصل ذاته لنيل جائزة صندوق التنمية الثقافية، وأنه فاز بها بالفعل وحصل على شهادة تقدير تسلمها من الوزير فاروق حسني.
اسمان آخران يترددان في أصداء الأزمة عبد الرحمن الأبنودي، ود. جابر عصفور -رئيس المجلس الأعلى للثقافة - الأول يقول عنه محمد كشيك إنه ربما كان وراء الأزمة لسابق خلافه مع كشيك الذي أبدى اعتراضه على رئاسة الأبنودي لتحرير مجلة «شعر العامية» في بداية إصدارها فأضمرها الأخير في نفسه، ثم زاد الطين بلة أن إحدى الروايات الثلاث تناولت -حسب تأويل البعض- جانبًا من الحياة الشخصية للأبنودي فكانت فرصته للانتقام المزدوج، ذلك على الرغم من أن الشاعر الأبنودي ينفي أن تكون له صلة من قريب أو بعيد بما يجري في أروقة وزارة الثقافة، مؤكدًا أن الخلاف بين الوزير ووكيل وزارته «وأنا رجل على باب الله فكيف أتدخل؟» ومع ذلك فإن الأبنودي لم يخف تأييده لإبعاد المسؤولين عن النشر في الثقافة الجماهيرية.
أما اسم جابر عصفور -الأستاذ بجامعة القاهرة وأمين عام المجلس الأعلى للثقافة- فقد تردد في الأروقة السياسية بوصفه الخلف المرتقب لوزير الثقافة عند أي تعديل وزاري خاصة مع الدور المتنامي للمجلس وذيوع صيته إعلاميًا باعتباره «قائدًا للجناح التنويري» داخل وزارة الثقافة.
ويربط البعض بين ما جرى واختفاء الدكتور عصفور عن مسرح الأحداث بالسفر في مهمة خارجية، إذ يتصورون أن الوزير ربما ظن أنه وراء افتعال الأزمة ليضرب بها «عصفورين» بحجر واحد، عصفور الوزارة التي باتت قطوفها دانية، ثم عصفور زعامة الشارع الثقافي، ولذا فقد تم الضغط عليه بشدة للابتعاد عن مسرح الأحداث، ومهما يكن من شيء فقد نجح الوزير في أن ينقل ساحة الأزمة من قبة البرلمان إلى الأوساط الثقافية، ولكن ذلك لم يشفع له أمام خصومه التقليديين الذين لم ينفضوا عنهم بعد غبار آخر معارك الثقافة معركة رواية وليمة لأعشاب البحر ومعركة باب العزب.
أزمة داخل الأزهر:
ومن المعروف أن نشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» قد أدى لاندلاع أزمة دخل الأزهر برجاله وطلابه طرفًا فيها؛ احتجاجًا على ما جاء في الرواية التي نشرتها هيئة الثقافة الجماهيرية، ويومها دافع الوزير بقوة عن الرواية وحق التعبير عن الرأي والإبداع، وكان من أثر المعركة الكلامية والصحفية التي صاحبت هذه الأزمة أن خرج طلاب جامعة الأزهر إلى الشارع في تظاهرات عارمة، تصدت لها قوات الأمن بقسوة بالغة، ويقال إن بعض الطلاب ذهب ضحية لأسلحة قوات الأمن، وأن بعضهم لايزال يعالج بالخارج من إصابات بالغة، وأمام الرأي العام بات الوزير المسؤول الأول عن هذه الأحداث الدامية.
الدكتور محمد عباس الذي اشتبك مع الوزير ورجال «التنوير» على صفحات جريدة الشعب إبان معركة الوليمة أكد أنه سوف يستشهد بتصريحات الوزير حول إصدارات هيئة الثقافة الجماهيرية في المحاكم التي تنظر عشرين قضية رفعها ضد الوزير ورجاله الذين اشتبكوا معه في معارك كلامية تخطت حدود الحوار اللائق في كثير من الأحيان.
أما أبطال المعركة الثانية فقد تقدمت منهم الكاتبة الصحفية سكينة فؤاد بمقال هاجمت فيه وزير الثقافة الذي خسر للمرة الثانية القضية التي رفعها بعض الآثاريين والصحفيين ضد قراره الرامي لإنشاء فندق عالمي داخل باب العزب أحد أبواب قلعة الجبل بالقاهرة.
وتعود المناوشات الأولى لهذه المعركة إلى صيف ۱۹۹۸م عندما فوجئ الجميع بالوزير ينشر رسومًا تخطيطية ومساقط أفقية، بل ومجسمات لمشروع سياحي عملاق يتضمن فندقًا عالميًا، ومطاعم وورشًا للحرف اليدوية في منطقة تتوسط المسافة بين باب العزب وبين باقي قلعة الجبل من ناحية الشرق، وبعد سلسلة من التراشق بالمقالات والتصريحات والندوات لم يجد خصوم الوزير أمامهم من سبيل سوى اللجوء إلى القضاء الإداري من أجل وقف تنفيذ قرار الوزير، ويومها كانت مبررات الآثاريين أن منطقة باب العزب هي جزء من أرض القلعة، ذلك الأثر التاريخي الذي شیده الناصر صلاح الدين الأيوبي وقام سلاطين مصر من بعده وأمراؤها بالزيادة فيه ليكون مقرًا للحكم في البلاد.
ولما كان قانون حماية الآثار المنوط بالوزير تنفيذه يحرم إقامة أي منشآت حديثة في حرم الأثر، فمن باب أولى أن يمتنع الوزير عن إقامة الفندق على أرض الأثر ذاته، دراسات عديدة أشارت إلى أن تأسيس فندق بما يلزمه من أساسات خرسانية وصرف للمياه- لا بد وأن يؤثر على مباني القلعة المشيدة فوق ربوة من الأحجار الجيرية الشديدة التأثر بعوامل التعرية، وفضلًا عن ذلك فإن المنطقة التي سيقوم عليها الفندق هي في حقيقة الأمر مسجد صغير كان يصلي به رجال العزب وأيضًا العاملون في الإسطبلات الملكية القريبة، وإذا كانت سلطات الاحتلال البريطاني قد اعتدت عليه في بدايات القرن الماضي فليس ذلك بالمبرر الذي يتيح للوزير هدم بقايا المسجد لإقامة فندق، وكان حريًا به -وفق مقتضيات الواجب الوظيفي- أن يسعى لتجديد المسجد مرة أخرى.
وتساءل البعض وقتها عن مدى التوافق بين فندق تقدم به الخمور وتفتح به المراقص، وبين الأجواء الدينية الحميمة التي تدعمها مآذن شاهقة تتردد من فوقها أصوات المؤذنين خمس مرات يوميًا، ناهيك عن أن إقامة الفنادق هو من صميم أعمال وزير السياحة لا وزير الثقافة.
وكان من اللافت للنظر أن هذا الاعتداء على حرمة الأثر التاريخي -الذي خلفه الناصر صلاح الدين الأيوبي بطل حطين- قد سبقه عدوان آخر على جزء من القلعة شُيد به مسرح حديث يعرف بالمحكي، تقدم من عليه عروض موسيقية مفتوحة، وتواكب معه عدوان آخر على الفن الإسلامي الأيوبي، ولكن ســاحــة العـدوان كانت في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، حيث قام فنيون من وزارة الثقافة بإجراء بعض تعديلات في طرق العرض أدت إلى تفريغ قاعة الفن الأيوبي من أبرز مقتنياتها، ولم تفلح محاولات الآثاريين وأمناء المتحف في وقف هذه التعديلات، وإضافة إلى اتهام الوزارة بمواكبة أهداف أوروبية ذات طابع صليبي تستهدف صلاح الدين والآثار الأيوبية، فقد نشر بعض الصحفيين أوراقًا ومستندات تثبت أن الوزير كان قد حرر عقد الاتفاق مع الشركة الإيطالية المنفذة للفندق قبل أن يتولى الوزارة، وذلك أثناء وجوده كمدير للأكاديمية المصرية بروما، وزيادة على ذلك فقد كانت الشركة متخصصة في أعمال الصرف الصحي.
وما إن وصلت أوراق المعركة إلى ساحة القضاء الإداري حتى أصدرت المحكمة قرارها بإلغاء قرار الوزير بإنشاء فندق باب العزب، وحتى يحرم الوزير خصومه من نشوة الانتصار فقد صرح وقتها بأن الصراع كان مجرد خلاف في الرأي، وأنه يحترم كلمة القضاء، بل إنه لن يستخدم حقه في استئناف الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا في بادرة لإبداء حسن النوايا تجاه الآثاريين، ولكن الوزير باغت الجميع بمشروع تطوير متحف الفن الإسلامي، وإنشاء جراج تحت الأرض على مقربة منه، ونقل بعض التحف إلى مبنى متهالك بالقلعة يتكلف عدة ملايين لجعله صالحًا للعرض المتحفي، فاحتدم الجدل والنقاش مرة أخرى وانتقلت المعركة الجديدة إلى ساحات النيابة العامة والقضاء.
ووسط أجواء معركة المتحف خالف الوزير تعهداته، وأخلف وعوده، واستأنف حكم باب العــزب أمام المحكمة الإدارية العليـا دون أن يدري أحد، حتى فوجئ الجميع بالمحكمة ترفض استئناف الوزير، وتؤيد حكم أول درجة ليصبح الحكم نهائيًا، وبات تلقي الوزير هذه الهزيمة الإعلامية في أجواء أزمة روايات «البورنو» ليتكالب عليه الجميع من حيث يدري ولا يدري،
والسؤال المعلق بانتظار إجابة شافية هو: هل سيفلت الوزير من التعديل الوزاري المرتقب ويبقى محتفظًا بمقعده وسط كل هذه الأنواء الشديدة؟
البعض يرى أنه أول ضحايا التعديل، بينما جمهرة المثقفين يرون أنه لا مفاجأة في استمراره وزيرًا للثقافة، فذلك ليس بالأمر الجديد، والذي نجا من السابق ينجو من اللاحق.