; أزمة الانتخابات النيابية في اليمن | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الانتخابات النيابية في اليمن

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 1024

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

تضمنت اتفاقية توحيد شطري اليمن في مايو 1990م بندًا يحدد موعد إجراء أول انتخابات نيابية بعد (30) شهرًا من توحيد البلاد.
ورغم وضوح هذا الأمر لكل القوى السياسية اليمنية، إلا أن الموعد المحدد للانتخابات حل والدولة ماتزال منشغلة- أو متشاغلة- على رأي المعارضة في قضايا أخرى وبعضها من إرث عهد التشطير.. وبعضها مفتعل لتوفير مبررات قوية لتأجيل الانتخابات وتمديد الفترة الانتقالية!

ولعله من المفيد أن نشير إلى أن الفترة الانتقالية كانت محددة في مشروع دستور دولة الوحدة بستة أشهر فقط، ثم اتفق الحزبان الحاكمان في شطري اليمن (سابقًا) على تمديدها إلى 30 شهرًا، ولاشك أن ذلك التمديد كان وسيلة ليتمكن الحزبان من ترتيب أوضاعهما الجديدة والاستعداد للانتخابات الجديدة استنادًا إلى نفوذ السلطة التي يتقاسمانها.

الانتقالية والفساد

إلا أن الأجواء التي تمت فيها الوحدة ساعدت على تمرير أول اخترق دستوري، لكن المعارضة استمرت في استغلال الأمر بطريقة أكثر إيلاما، حيث شنت صحافة المعارضة وأحيانا صحف حكومية - حملات شديدة للتنديد بصور الفساد المالي والإداري وتقاسم المناصب الإدارية على أساس حزبي ضيق، ونسبت كل ذلك للفترة الانتقالية وأوضاعها الاستثنائية.

وبلغ التنافس بين الحزبين الحاكمين حدا لا يصدق في التسابق على ملء الوظائف بالأنصار والمحاسيب مهما كان الأمر مخالفًا للقوانين.

وعلى سبيل المثال، فقد طلب المغتربون اليمنيون في «جيبوتي» إرسال ثلاثة معلمين للعمل في مدرسة الجالية اليمنية هناك، ورغم أن الأمر يتطلب الإعلان عن مسابقة لاختيار المعلمين الثلاثة، إلا أن نائب وزير التربية والتعليم استغل غياب وزيره المنتمي لحزب المؤتمر الشعبي، وأصدر قرارًا بإرسال 3 أشخاص من أعضاء الحزب الاشتراكي، ونشرت الصحافة اليمنية فضيحة هذا القرار، فقد اتضح أن المرسلين ليس لهم أدنى صلة بالوظائف المطلوبة، فكلهم من الإداريين، بينما كان المطلوب متخصصين في اللغة العربية والتربية الإسلامية والاجتماعيات، وللتحايل على هذا الأمر، كان قرار نائب الوزير فضيحة بحد ذاته، فقد نص على تعيين أحد المبعوثين الثلاثة كملحق، وبالطبع فقد تحملت خزينة الدولة تكاليف ذلك، حيث يتقاضى كل واحد منهم 3500  دولارًا بالإضافة إلى مقابل السكن والمواصلات...إلخ. بينما لو تم إرسالهم كمعلمين لتقاضي كل منهم مبلغ (500) دولار فقط.

ويمكن القول إن الجميع يعترفون بأن الأوضاع الاستثنائية للفترة الانتقالية قد أوجدت من صور الفساد ما جعلهم- كلهم– يتبرأون منها ويرفعون شعارات تدعو لإنهائها والتخلص منها.

عراقيل أمام الانتخابات

أجبرت حملة المعارضة- ضد تمديد الفترة الانتقالية- السلطة على تكرار الإعلان عن ضرورة إنهاء الفترة الانتقالية في موعدها، لكن الممارسات الفعلية للسلطة طوال 29 شهرًا الماضية أوضحت أن الأمر لم يتعد الحماس اللفظي لإجراء تأجيل الانتخابات أمرًا حتميًا كما سيأتي شرحه بالآتي:

1- تأخير إصدار قانون الانتخابات، حيث انشغل مجلس النواب اليمني في مناقشة عدد كبير من القوانين غير الهامة مثل (الضرائب والخدمة الوطنية والسلك الدبلوماسي...إلخ)، ولم يتم إحالة قانون الانتخابات إلى مجلس إلا في الصيف الماضي، حيث تم إقراره في يوليو فقط.

وقد سبق إحالة القانون مناقشات مطولة بين السلطة والمعارضة، وتمكنت المعارضة من إفشال مقترح حكومي يجعل الانتخابات تتم على مرحلتين كما يحدث في بعض الدول كفرنسا والجزائر، وفي تلك الأثناء كانت تجربة الانتخابات الجزائرية لا تزال تشغل العالم بنتائجها في المرحلة الأولى منها، ولاشك أن السلطة والمعارضة وجدتا في التجربة الجزائرية درسًا نافعًا، فالمعارضة أيقنت أن نظام الانتخابات على مرحلتين يعني تكرار ما حدث في الجزائر، كما أن السلطة ذاتها ترى فيها وسيلة جيدة للتحكم في الأحداث وتطوراتها.

وعلى وجه العموم فقد جاء قانون الانتخابات جيدًا، باستثناء المواضيع المتعلقة بالدعاية الانتخابية، حيث حرصت الحكومة على تضييق نطاقها وإخضاعها المركزية شديدة لتجريد المعارضة الإسلامية من أهم وسائلها في حشد الجماهير.

2- تأخير تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، حيث كان من المفترض -وفق قانون الانتخابات- أن يتم إعلان أسماء أعضاء اللجنة في خلال عشرة أيام من صدور القانون رسميًا، لكن الإعلان تأخر «سبعين يومًا» حتى اتفق الحزبان الحاكمان حول تشكيلها وإعلانها.

وقد شهدت الكواليس الحزبية في صنعاء خلافًا حادًا حول نصيب الحزبين الحاكمين في اللجنة العليا، واضطر مجلس النواب إلى تعديل القانون (الجديد) لرفع عدد الأعضاء إلى (17) عضوًا لإرضاء الحزبين الحاكمين، حيث حصل كل منهما على حق تسمية (3) أعضاء من حزبه وعضو مستقل (1) أما بقية الأعضاء فقد سمي التجمع اليمني للإصلاح عضوًا واحدًا.. بينما تقاسمت أحزاب موالية للحزبين الحاكمين بقية المقاعد.

كما حدث خلاف آخر حول اسم رئيس اللجنة فقد أصر المؤتمر الشعبي على أن يكون القاضي عبدالكريم العرشي هو الرئيس بينما كان «الاشتراكي» يطرح اسم سالم صالح محمد كرئيس للجنة العليا، ولأن الرجلين عضوان في مجلس الرئاسة، فقد كان من الصعب أن يتولى أحدهما المسؤولية في وجود الآخر، وانتهت المسالة بتعيين القاضي العرشي رئيسًا، بينما استبعد الآخر تمامًا من اللجنة.

مرحلة جديدة من الخلافات

لم تستقر الأمور داخل اللجنة العليا للانتخابات بعد إعلان تشكيلها، فقد حدثت سلسلة جديدة من الخلافات بين ممثلي الحزبين الحاكمين، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ واضح في إنجاز مهمات الانتخابات، فقد حدث خلاف علني بين رئيس اللجنة العليا ونائبه حول عدد سكان الجمهورية المفترض اعتماده كأساس لتقسيم الدوائر الانتخابية.. وقد تداولت الصحافة اليمنية أنباء الخلافات التي وصلت إلى حدة المشادة الكلامية، وفي إحدى المرات صوب الحراس الشخصيون لكلا الرجلين أسلحتهم لبعضهم، كالعادة تم الاتفاق الفجائي حول هذه النقطة، وتم تعديل إحصائيات السكان باتفاقهما، ولكن سرعان ما نشأت مشاكل مثل تحديد أسماء المشاركين في الإشراف على قيد أسماء الناخبين، وتحديد الدوائر ذاتها، وهي قضايا ماتزال حتى ساعة هذه السطور معلقة، ورغم أن اللجنة العليا للانتخابات تعقد اجتماعاتها يوميًا إلا أن المدة المتبقية لم تعد كافية لإنجاز مهام الانتخابات، الأمر الذي حتم تأجيل الانتخابات عدة أشهر بعد نوفمبر 1992م.

على هامش الانتخابات

تبدو الأزمة المستحكمة بين الحزبين الحاكمين أبرز مظاهر الأشهر الأخيرة من الفترة الانتقالية، فالخلاف ما يزال قائمًا بين الرئيس علي عبدالله صالح ونائبه علي سالم البيض وأهم محاور هذا الخلاف هو ضمانات ما بعد الفترة الانتقالية، حيث يطالب «الاشتراكي» باتفاق الحزبين - منذ الآن - على تحديد نصيب كل منهما، وتتردد أخبار حول آخر نتائج المساومات بين الحزبين الرئيسيين، فقد عرض «المؤتمر» على شريكه «الاشتراكي» عدد 70 مقعدًا في مقابل 120 مقعدًا للأول و70 للإصلاح.. على أن تتقاسم بقية المقاعد الأحزاب الصغيرة، ويقال إن هذا العرض جاء ردًا على عرض للاشتراكي تضمن بأن يكون للحزبين الحاكمين 240 مقعدًا تقسم بالتساوي، وتعطي البقية للأحزاب الأخرى.

والحقيقة إن ما يجري وراء الكواليس ربما يكون أخطر من هذا، لكن الواضح أن «المؤتمر الشعبي» يبدو واثقًا من فوزه بالأغلبية التي تعطيه الكلمة الفصل بعد الانتخابات، ولهذا يرفض الرئيس «على صالح»- حتى الآن– فكرة التحالف الانتخابي مع شريكه الحالي في السلطة، ويصر على تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات عندما يعرف كل حزب وزنه الحقيقي.

ومن الغريب أنه- حتى هذه اللحظة– لم تتضح صورة التحالفات والتنسيقات بين القوى السياسية اليمينة، ويبدو كل حزب حريصًا على عدم كشف أوراقه الانتخابية مبكرًا.. مما أضفى على الوسط السياسي جمودًا ظاهريًا لا يتفق بحال مع خطورة المعركة الانتخابية القادمة.

في موازاة التحضيرات الرسمية للانتخابات تشهد عدد من المحافظات اليمنية مؤتمرات قبلية محدودة يقف وراءها حزب في السلطة، ويمكن استنتاج دعم «الحزب الاشتراكي» لها من اهتمام صحافته بهذه المؤتمرات وإبراز أخبارها وفعاليتها على صفحاتها، لكن أخطر هذه المؤتمرات القبلية هو المؤتمر المنتظر انعقاده في تعز، ليس لحجمه ولكن لأنه يعني بداية «رسمية» لاستغلال المشاعر الطائفية واللعب عليها لإذكاء الخلاف بين «الشوافع والزيود».

وتشير بعض المصادر المطلعة إلى أن مسؤولًا مهمًا في «تعز» ينتمي للمؤتمر الشعبي قد تم إيقافه مؤخرًا في العاصمة بعد أن حول بيته إلى مكان لاجتماعات تدور الأحاديث فيها حول «المذهبية» وسيطرة «الزيود» على الحكم.

وتقول الأخبار إن الرئيس اليمني سارع بإرسال عضو مجلس الرئاسة عبدالعزيز عبدالغني إلى تعز «مسقط رأسه» لمحاولة السيطرة على الأوضاع هناك باعتباره من أبناء المحافظة، ولمحاولة تفتيت القوى التي يحاول «الاشتراكي» تجميعها.

وفي مواجهة التردي العام في البلاد يتزعم تيار الإصلاح الإسلامي الدعوة لعقد مؤتمر عام للوحدة والسلام يضم مندوبين عن كل محافظات الجمهورية، وبالفعل فقد تمت انتخابات شعبية في المساجد والحارات والقرى لاختيار مندوبين إلى المؤتمر العام في صنعاء.

ويتولى رئاسة اللجنة التحضيرية للمؤتمر الشيخ عبدالمجيد الزنداني الداعية الإسلامي المشهور.

وماذا بعد؟

يتوقع كثيرون أن يتم في الأسبوع الأول من نوفمبر الحالي إعلان جدول زمني لمراحل الانتخابات،
ورغم أن الهدوء يسود العاصمة منذ أسابيع نتيجة توقف عمليات التفجيرات وإطلاق الرصاص، إلا أن عدم حسم طبيعة العلاقة بين الحزبين الحاكمين- أثناء الانتخابات وبعدها- سوف يؤدي- غالبًا- إلى عودة محاولة إثارة القلاقل في البلاد، لاسيما أن أخبار تكديس السلاح صارت متداولة بشكل عادي على ألسنة المواطنين، وارتفعت نسبة الإشاعات بين أبناء الشعب مع اقتراب انتهاء الفترة الانتقالية بينما ماتزال الأمور غامضة الى حد كبير.

الرابط المختصر :