العنوان أزمة البحرين الحوار هو الحل
الكاتب عبدالحكيم الشامي
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011
مشاهدات 74
نشر في العدد 1943
نشر في الصفحة 44
السبت 12-مارس-2011
«لا حل في البحرين سوى الجلوس إلى الطاولة وبدء الحوار»، هذا رأي العقلاء من أطياف المعارضة، بعدما استنفد المحتجون كل أوراقهم السلمية، ولم يعد أمامهم سوى خيارين: الرضوخ لمطلب الحوار الذي ألحت عليه القيادة السياسية منذ بدء الاحتجاجات ١٤ فبراير الماضي، أو اللجوء إلى آخر ورقة لوحوا بها أكثر من مرة وهي الإضراب عن العمل الذي سيزيد من «طافنة» الاحتجاجات، ويجر البلاد إلى الهاوية، خاصة أن المروجين لفكرة الإضراب هم من القيادات السياسية والنقابية والعمالية المنتمية للطائفة الشيعية، كما أن من لديهم استعداد للاستجابة لها هم من الشيعة أيضًا، إذ يرفضها أبناء الطائفة السنية جملة وتفصيلًا.
المعارضة استنفدت وسائلها الاحتجاجية و«الطأفنة» ستجر البلاد إلى الهاوية
خلال الأسبوع الماضي، أخرج المحتجون المرابطون في دوار «اللؤلؤة» والمتعاطفون معهم، كل ما في جعبتهم من أدوات احتجاجية، فطافوا العاصمة البحرينية المنامة شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، واتخذوا من الدوار نقطة انطلاق إلى أماكن لم يكن أحد يجرؤ على الاحتجاج أمامها من قبل، فنظموا مسيرات وصلت إلى وزارتي العدل والداخلية، وكونوا سلسلة بشرية امتدت مسافة ٦ كيلومترات من أمام مسجد «الفاتح»، أكبر مساجد العاصمة، إلى دوار «اللؤلؤة»، وأخيرًا لجؤوا الأحد الماضي إلى التظاهر أمام قصر «القضيبية» حيث تعقد الجلسة الأسبوعية المجلس الوزراء، رافعين شعارات مطالبة بإسقاط الحكومة، بل والأسرة الحاكمة، وإلغاء دستور ۲۰۰۲م مروجين عبر الإعلام العالمي أنهم حالوا دون انعقاد اجتماع مجلس الوزراء ومنعوا الوزراء من الدخول إلى القصر، إلا أن الجلسة انعقدت في ذات التوقيت وفي نفس القاعة التي تنعقد بها أسبوعيًا، فماذا يمكن أن يحدث بعد؟
فشل محاولة للإضراب
الخيار الوحيد هو الإضراب والعصيان المدني، إلا أن الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين ذا الأغلبية الشيعية، دعا إلى تجاهل الرسائل المحرضة على الإضراب، خاصة أن المعلمين والطلاب من أبناء الطائفة الشيعية جربوه قبل أسبوعين لعدة أيام ولم يفلح؛ إذ سرعان ما تطوع أكثر من ستة آلاف مواطن من أبناء الطائفة السنية ومن المقيمين لسد عجز هيئات التدريس، فما كان من المضربين إلا المسارعة بالعودة ومناوأة المتطوعين إلى حد الشجار والتهديد الصريح أحيانًا، كما تطور الأمر إلى بدايات اعتراك طائفي عندما خرج طلاب مدارس في مدينة «حمد» بوسط البحرين في مسيرات معارضة للنظام وأخرى مؤيدة انتهت باشتباكات بسيطة، ثم لحقها اشتباك واضح بين مجموعتين من الشبان ينتمون إلى الطائفتين بأحد دوارات المدينة نفسها، وتداعى الأهالي من السنة إلى تكوين لجان شعبية لحماية البيوت والممتلكات، إلا أن الأمر انتهى بتدخل قوات الأمن، فيما اعتبرت رموز شيعية من بينها الأمين العام الجمعية الوفاق الوطني الإسلامية الشيخ علي سلمان أن تكوين هذه اللجان هي بمثابة إنشاء «ميليشيات» تهدد السلام الوطني، وهو ما رد عليه عبد الحليم مراد، أحد نواب البرلمان عن جمعية الأصالة الممثلة للتيار السلفي، بلهجة حادة قائلًا: «لابد أن يقدم علي سلمان اعتذارًا علنيًا للمواطنين عن الإهانة التي وجهها لهم حسين شبه تحركهم لتشكيل لجان شعبية للحماية بأنها دعوة لتشكيل ميليشيات»، وشدد مراد علي الأمين العام لجمعية الوفاق أن «يتوقف عن ادعاءاته، بأنه يعمل من أجل الوحدة الوطنية بين السنة والشيعة، فلقد سقطت الأقنعة وانكشف المستور» على حد قوله.
وقال مراد: «إن دعوة المواطنين لتشكيل لجان للحماية الشعبية جاءت بعد الهجوم عليهم بالسيوف والخناجر، ما أدى إلى بتر أصابع مواطن وإصابة آخرين بضربات غائرة في الرأس والجسد».
فتنة طائفية
ومن جانبه، قال عضو مجلس النواب عن جمعية المنبر الوطني الإسلامي «الإخوان المسلمون» محمد إسماعيل العمادي: إن «تحويل مسار الأحداث بهذا الشكل المخيف ينبئ بكارثة وفتنة طائفية لن تبقي ولن تذر، وستطال نيرانها الجميع دون استثناء، وستأتي على الدولة البحرينية بكل مؤسساتها وسيخرج الجميع خاسرين».
وأضاف: «إن لم يتحرك عقلاء المجتمع والعلماء والمرجعيات لتضييق الخناق على مثيري الفتنة؛ فإنهم يتحملون مسؤولية شرعية أمام الله عز وجل، وتاريخية أمام وطنهم؛ لأن الأمر جد خطير، ولم تعد البلاد تتحمل مثل هذه الأحداث.
الشحن الطائفي هو عنوان الحراك البحريني الآن بعد أسابيع من الاحتجاجات، وإن بدا كل طرف مدافعًا عن الوحدة ونافيًا عن نفسه شبهة «الطأفنة»، فبعد كل ما جرى خرج الشيخ علي سلمان الأمين العام لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية الممثلة سياسيًا للطائفة الشيعية، والتي استقال أعضاؤها «۱۸ عضوًا» من مجلس النواب احتجاجًا على ما أسموه بالمذابح ضد المتظاهرين، فخطب في المتظاهرين أمام قصر «القضيبية» الأحد الماضي وقال: «مطلبنا هو وطن فيه الأمن للسني والشيعي، والكرامة للسني والشيعي»، مضيفًا: «لن نسعى للتخلص من دكتاتورية «آل خليفة» لنقع تحت دكتاتورية شيعية أو دكتاتورية حزبية، على حد تعبيره.
وأضاف سلمان: «ابعثوا الهدية والورود والمحبة لجيرانكم السنة، قولوا لهم: إن سلامتهم أمانة في أعناقكم، وإنكم تحمون بيوتهم، لا تستجيبوا لأي رسائل تحثكم على التجمع في شجار أو ما شابه».
أما الشيخ د. عبد اللطيف آل محمود رئيس تجمع الوحدة الوطنية، الذي تبلور بعد بداية الاحتجاجات ويضم أطيافًا سياسية سنية في الغالب، ونظم أكثر من تجمع حاشد، فقال في مساء نفس اليوم أمام تجمع بالعاصمة: هناك من يريد الصدام بأي طريقة ولا يقبل بالحوار، مؤكدًا أنه لا يمكن التفرقة بين أهل المملكة سواء من السنة أو الشيعة أو المسيحيين أو اليهود، مشددًا على أنه من غير المقبول السماح بتمزيق الوطن إلى طوائف.
وأضاف: إن الأزمة الراهنة يمكن حلها بالحوار في مدة لا تتجاوز شهرين «إذا صدقت النوايا»، مشددًا أن على الباغي تدور الدوائر، ولا مكان للمجاملات، ولا يحتمل الوضع مزيدًا من التأزيم».
ومن جانبه، أعرب الشيخ د. ناجي بن راشد العربي، أحد علماء السنة البارزين بالبحرين، عن شجبه التحركات والأعمال التي أصبحت تقوم بها المعارضة، معتبرًا أنها تستفز الشارع استفزازًا واضحًا، وتوقد شرارة فتنة طائفية.
واعتبر العربي أن هذه التصرفات والأعمال لا تدل على رشد سياسي، وتضع علامات استفهام كبيرة حول المآرب منها، مشيرًا إلى أن مثل هذه التحركات تزيد احتقان الشارع «الآخر»، الذي قد لا يقوى من يمسك بزمامه على ضبط الأمر.
لا بديل عن الحوار
الموقف الرسمي من الأحداث مازال يقدم فكرة الحوار عما عداها، ويرى أنها الحل الأوحد للاضطرابات الحالية، ومع ذلك قدمت القيادة السياسية خلال الأسبوع الأخير جملة من الترضيات الإضافية للمحتجين؛ تمثلت في توجيه الملك حمد بن عيسى آل خليفة بتعيين ٢٠ ألف موظف جديد بوزارة الداخلية، وإعلان وزير الإسكان مجيد العلوي، المعين حديثًا في منصبه، عن رفع قيمة القروض الإسكانية إلى ٦٠ ألف دينار بدلًا من ٤٠ ألفًا، وبناء ٥٠ ألف وحدة سكنية خلال 3 سنوات من الآن، وتوجيه رئيس الوزراء كافة الوزراء إلى مضاعفة الجهود لحل القضايا التي تهم المواطنين، ويشمل ذلك الإسكان والصحة والتعليم وتحسين المرافق والخدمات وتوفير فرص العمل.
وفي الوقت الذي كان فيه المحتجون يسدون أبواب قصر «القضيبية» حيث ينعقد مجلس الوزراء؛ خرج المجلس ببيان قال فيه: «إن الحكومة تدعم حرية التعبير ومظاهره السلمية التي كفلها الدستور، لكنها تؤكد أهمية مراعاة عدم الإضرار بالمصالح العامة للمواطنين، محذرًا من المنزلقات الطائفية أو أي أعمال تكرس الطائفية والفرقة في المجتمع، فهي مرفوضة دينيًا وشعبيًا قبل أن تكون رسميًا».
وأعلن ولي عهد البحرين الأمير سلمان بن حمد آل خليفة مساء اليوم نفسه، أن «الحوار هو الحل الأفضل، وأن كل الخيارات الأخرى لن تؤدي إلى النتيجة التي يتطلع إليها الجميع».
وقال في مقابلة مع تلفزيون «البحرين» «٨٠٪ من المطالب يشترك فيها الجميع، الجميع يريد خدمات أفضل وكرامة ومحاسبة، إذا كان هذا هو المطلوب دعونا نجلس على طاولة الحوار لنخرج إلى وضع أفضل مما نحن عليه، ولابد أن نحتوي هذه الأزمة بصورة حضارية؛ لأن الخيارات الأخرى لن تؤدي إلى النتيجة التي يتطلع إليها كل فرد» مؤكدًا «أنه لا يجوز لطرف واحد أن يحدد سقف الحوار قبل أن يبدأ».
وأضاف: إن «الحلول المطلوبة تستغرق وقتا وتتطلب كثيرًا من الصبر والتفهم»، مشيرًا إلى أن «البحرين لن ترجع للوضع الذي كانت عليه؛ لأن الشيء الثابت الوحيد هو الحاجة للتغيير».
شروط تعجيزية
من جهتها، تؤيد الأطياف السنية فكرة الحوار بشدة، وترفض تشدد المعارضة في إملاء شروط تعجيزية قبل بدء الحوار، ومنها إسقاط النظام، وتكوين لجنة تأسيسية لدستور جديد، محذرة من «اندلاع فتنة أهلية»، فقد أصدرت جمعية الأصالة الإسلامية بيانًا شديد اللهجة أدانت فيه بشدة «التظاهر بأهم الشوارع الحيوية بالعاصمة، وتعطيل مصالح الناس عمدًا».
وقالت: «من يعتقد أنه بذلك سيجبر الدولة والمجتمع على الرضوخ وتقديم تنازلات فئوية فهو واهم، فلا تعلمون مقدار السخط والغليان الذي أحدثه هذا النهج على أغلب فئات الشعب البحريني».
وحذر النائب محمد إسماعيل العمادي من أن «البطء في اتخاذ خطوة باتجاه الحوار في ظل ما جرى من أحداث سيدفع البلاد إلى نقطة اللاعودة.
- ولي عهد البحرين: ٨٠٪ من المطالب يشترك فيها الجميع، دعونا نجلس إلى طاولة الحوار لنخرج بوضع أفضل
- محمد إسماعيل العمادي: تحويل مسار الأحداث بهذا الشكل المخيف ينبئ بكارثة وفتنة طائفية لن تبقي ولن تذر وستأتي على الدولة البحرينية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل