العنوان أزمة المثقفين.... في الوطن العربي
الكاتب الدكتور حسن الترابي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1974
مشاهدات 98
نشر في العدد 196
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-أبريل-1974
• الغربة عن الأمة.. والعجز عن حمل همومها
• التزلف للسلطة.. تهافتًا... وخوفًا وطمعًا
• جنوحهم إلى التلفيق.. والترقيع النظري
ما الحل؟
•الحرية التي تُنَحِي عن الفكر ضغط الإرهاب
• الشرعية التي تمنح المثقف تفويضًا من الأمّة
• التصور الشامل الذي يجمع الشتات والجزيئات
• الإيجابية التي تَحوّل الاقتناع إلى جهاد
قد يغري المرء وهو يعيش في مناخ تستهوي أهله اللغة وتهمهم مباني الكلمات لا معانيها، قد يغري المرء فيعكف على كلمة المثقفين فيعرفها تعريفًا دقيقًا ولكن دعوني أتجاهل ذلك الوضع وأصطلح معكم على أن المثقفين إنما هم شريحة من المتعلمين ممن لم يستغرقهم المظهر الاختصاصي المحدود ولا العمل المهني أو المعاشي بل المثقفون هم الذين يتسامون إلى نظرة شاملة تستبين الوجهة العامة من هموم الإنسانية إن لم تستوعب كل المقاصد فتستوعب جملة منها.. هم الذين يعنون بمواكبة صحائف التاريخ الاجتماعي وينفعلون بمغزى الحياة إن لم يشاركوا بإيجاب.. وكل المتعلمين رصيد للمثقفين قد تهب عليهم تيارات توقظهم إلى نظرة أشمل وإلى تفاعل وتجاوب أصدق مع واقعهم، وطوائف كذلك من عامة الناس قد يمسهم الوعي وقد يتحسسون الحاجات فيلحقون في الطائفة التي نسميها الطائفة المثقفة.
ما هو دور المثقف في المجتمع؟
في مثل مجتمعنا الذي يجابه تحديات البناء ويكون غالب أهله من العوام تطرأ في الناس حاجات شتى. فالشعب.. الجمهور.. سواد الناس يحسون بحاجات الحياة بصورة جزئية فمنهم من يقع عليه الظلم والضغط السياسي فيريد أن ترد المظالم ويرفع الخسف ومنهم من تحيط به ظروف حياة الضنك فيتطلع إلى حياة رغدة طيبة ومنهم من تكتنفه بيئة من القبح فينشد الجمال وهكذا يحس الناس بحياتهم احساسًا جزئيًّا ويعبرون عن ذلك الإحساس بمطالب جزئية ويتحركون بعفوية لقضاء تلك الحاجات فتكون منهم حركات غير مرتبة كما تبدو الحاجات نفسها غير مرئية وواجب المثقف أن يجمع هذه المطالب ويتأمل وجهها العام ووجهتها الشاملة ويسلكها جميعًا بمبادئ تعبر عن مقاصد الحياة أو في مذهب عام للحياة يعني جانب منه بغايات الناس ويعني الجانب الآخر بالوسائل المتاحة بعد النظر في قوانين الحياة الاجتماعية والطبيعية وبالإمكانات والقوى التي ينطوي عليها المجتمع وأن ينظم هذه الغايات والوسائل في فلسفة جامعة أو في مذهب كلي للحياة، ثم عليه من بعد أن يتحرك لتحقيق ذلك المذهب العام في واقع الناس سواء تحرك بدعوة أو تحرك بالفعل المباشر.
• ومحنة المثقفين وأزمتهم في مجتمعنا أنه كان دورهم دور تنظير وتقييد إلا أنهم يعيشون في مجتمع يأخذ فيه هذا الدور شكلًا أصوليًّا كليًّا. ففي المجتمعات ذات الحضارة المتمكنة لا تطرأ مشاكل إلا في جانب من الحياة ولا يكاد يكون هم المثقف إلا أن يصلح أو يرقع هذه الثغرة أو تلك، ولكننا بين يدي بناء حياة جديدة ومهمتنا مهمة أصولية كلية.. ثم إننا نعيش في منطقة من العالم يمزقها النزاع الثقافي، تتوارد عليها اتجاهات شتى فيعيش المثقف مشتت الفكر والهم.. وتتضح الصورة إذا نظرنا إلى جملة المثقفين وهم طوائف وشرائح وشراذم يتنازعون ويتجاذبون إلى كل اتجاه.. ذلك أن المثقف في ترتيبه لحاجات الناس وتفصيله لها يحتاج إلى نظام من القيم حتى يعزل من بين تلك المطالب المشروع من الممنوع والحرام من الحلال وحتى يرتب أولويات تلك الحاجات خطيرها قبل حقيرها.. يفعل ذلك بالغايات ويفعل ذلك بالوسائل ولكن إذا كانت نظم القيم المطروحة في مسرح الثقافة نظمًا متنازعة مشتتة فلا يتسنى أبدًا للمثقف أو لهؤلاء المثقفين أن يؤدوا الدور الذي يناط بهم..
والاتجاهات التي تتنازعنا اتجاهات معقدة يمكن أن نقسمها إلى شعبتين. شعبة أصيلة - نقولها وصفًا لا تقويمًا - هذه الشعبة تتجلى في القيم المثالية في المجتمع أو الموروثة في تقاليده وأعرافه.. واتجاهات دخيلة - نقولها كذلك وصفًا لا تقويمًا - ترد عليه من الخارج ويتعرض لها المثقفون في طليعة من يتعرض.
والصورة أكثر تشويشًا من هذه الثنائية البارزة.. فالاتجاهات الأصيلة في مجتمعنا العربي على وجه الإجمال اتجاهات دينية، ولكن ليست اتجاهات مثقفة بل فيها كثير من الشقاق والتنازع.. في الدين ما هو مثالي وفيه ما هو تاريخي وقد يقع التناقض بين الموروث من الدين والمعقول المثالي من الدين.
والاتجاهات الدخيلة كذلك يقع فيها الكثير من التناقض في نظرتها الاجتماعية.. فيها الفلسفة المادية وفيها فلسفات مثالية.. ومن بين الفلسفات المادية فيها ما ينزع نزعة جماعية وفيها ما ينزع نزعة فردية.
ونأخذ الاتجاه الديني لنتأمل فيه لمزيد من التقويم..
• القيم الدينية والتقاليد تستند في مجتمعنا إما إلى العنصر التاريخي.. كونها قد تواضع عليها الناس ودرجوا عليها واتصفوا بها وتوارثوها عن سلفهم، وأزمة المثقف المتدين معها أن الإطار العرفي الذي تكثفت عليه قد انهار.. وجاءت ظروف جديدة من الحياة وما كان الناس يدركون هذا التجدد لكونه هجم عليهم جملة واحدة، ولو أن تجدد الحياة قد طرأ على مجتمعاتنا الدينية التقليدية حينًا بعد حين لأمكننا بتثبت وتمهل أن نستوعب الظواهر الجديدة وأن ننظرها وأن ندخلها في فلسفتها الظاهرة. ولكن هجمت علينا الظروف الجديدة جملة واحدة واستيقظنا بعد نوم عدة قرون على عالم جديد همومه وحاجاته غير التي كان يعهدها سلفنا والوسائل المتاحة لتحقيق تلك الهموم وسائل تختلف كل الاختلاف عما ألف أولئك السلف.. وانهار ذلك الإطار الظرفي للعرف الموروث وثبت لنا كذلك بطريقة أوقع في النفوس انه لم يعد مجديًا.. ذلك أننا نحس إزاءه بخيبة شديدة.. فالدين هو تصور قدري يعلم الإنسان أنه إذا التزم الدين فإن أقدار الحياة جميعا توافقه؛ إنه موفق إلى النجاح وبهذا الفهم الموروث الذي أخذناه مفارقات عجيبة إذ اننا نجد أنفسنا لسنا بأي مقياس أو میزان «خير أمة أخرجت للناس» وليست لنا العزة السياسية التي نتمناها لأنفسنا ولا النهضة الاقتصادية والعيش الطيب الهنيء الذي نقرأه في مواريث الدين. ومن هنا تمتلئ نفوسنا بالخيبة من الفهم الموروث فإذا كانت الركائز قد انهارت وإذا كانت الأصول العرفية والظرفية قد انهارت فإن منطلقاته النظرية كذلك قد انهارت تمامًا فأمام التحديات الفكرية قد استيقظنا لأن هنالك فرقًا بين الدين المثالي وبين التاريخ وبين الإسلام كما ينبغي أن يكون وبين الإسلام كما كان وكما طبق ويمكن أن نراجع تاريخنا الإسلامي بل علينا أن ندرك أنه لا يكفينا؛ فهل يتسنى لنا أن نرجع إلى ذلك الدين المثالي.. هذا أمر في غاية من العسر فما يكاد يذكر الدين إلا ويرد معه في الذكر ما التبس به من التاريخ فالمثقف إذا أراد أن يؤسس نظرية دينية ينهض للدين رجال هم أشبه به ويبدو أنهم أولى به.. علماء تقليديون يهجمون عليه بنفس القوة التي يهجم بها عليه الذين يرفضون الدين جملة واحدة وقد طبقت في مجتمعات غير عربية -المجتمع التركي بالذات- هذه ظاهرة تبتغي الدراسة فعندما طرأت تحديات جديدة وظروف جديدة نهض جيل من المثقفين الإسلاميين يريدون أن يجددوا الفكر الديني وأن يعرضوا مقتضيات الدين في العصر والمكان الراهنين فانسحقوا بين حجري طاحون أولهما: قوى الكيان الديني التقليدي الذي يتمتع بهيبة وتوقير عظيمين وبين الطائفة التي تطرد الدين كله.. هذا التيار الجديد انسحق تمامًا بينهما وأصبح الصراع بين القديم الديني وبين الجديد وكان القديم الديني على هيبته ووقاره يتقلص كل يوم لأن الإطار الظرفي الذي يقوم عليه يزول وكان الاتجاه الحديث يتسع كل يوم لأن الحياة تستحدث لصالحه وانتهت فصول تلك الرواية إلى ما انتهت اليه.
̉• ثم إن أي محاولة للاجتهاد والتجديد في الدين تنافسها نظم من القيم وفلسفات في الغايات والوسائل جاهزة.. ومن العسير أن ينتظر الناس ويتريثوا حتى تتم النهضة الدينية وتستكمل وحتى يعبأ الناس بها عوضًا عن أن يأخذوا ما هو جاهز ممن خبروا الحياة من قبل. فهل يمكن أن تسعفنا هذه الاتجاهات الحديثة التي وردت إلينا بالذات من المجتمع الغربي.. الغرب بمفهومه الحضاري لا بمفهومه الجغرافي؟؟
من سوء الحظ أن الفلسفة الغربية والمذاهب الغربية التي وردت إلينا فيها تناقض عنيف.. ولعله يكون أشد مما يقع بين الدين التاريخي والدين المثالي.. فهي أفكار وضعية تكاملت عبر التجارب التاريخية... وأضاف كل جيل في تاريخ الغرب عنصرًا من عناصر الثقافة.. حتى تكونت ثقافة فيها كثير من التنسيق ومن التناقض.
• النزاع بين الليبرالية مثلًا وبين الجماعية.. بين الاتجاه الذي يعزز الفرد ويؤسس الحياة السياسية على احترام حرية الفرد واحترام اشتراكه في الحياة السياسية العامة.. ويبدأ العمل الاقتصادي من القطاع الخاص أو الجهد الخاص للفرد ثم يأتي التنظيم من بعد بصورة ثانوية وبين الاتجاه الجماعي الذي لا يكاد يعترف للفرد بوجود منفصل عن الكيان الجماعي ولذلك لا يثق بحركة تدور حول الفرد فيجعل الاقتصاد مبتدئًا من الجماعة ولا يهتم بمستوى معيشة الفرد كما يهتم بمستوى الدخل القومي العام وينظر النظرة الكلية الفوقية. وفي السياسة لا يثق بحرية الفرد ولا باشتراكه الفردي المستقل ومساهمته الشخصية في السياسة وإنما يؤمن بالكتلة أو الدولة أو الشعب لا من حيث هو أفراد ولكن من حيث هو كتلة صماء، فالصراع بين الرأسمالية الديمقراطية والاشتراكية القهرية صراع ورد الينا من الغرب واصطنع في مجتمعنا.
وهنالك عناصر أخرى متشاكسه.. المادية والمثالية فالثقافة الغربية أخذت بعض أصولها من الفكر اليوناني الوثني المادي ومن تقاليد الشعوب الأوروبية التي هجمت على أوروبا الغربية من الشرق واستقرت قبائل وكانت شبه وثنية.
وأخذ الغرب بعض أصوله الفكرية من المسيحية فعلمته بعض المعاني المثالية العلوية. ولذلك نجد في الغرب تفكيرًا وثنيًّا تتعبده البيئة البشرية والمادية المباشرة. ونشأت في الغرب فكرة القبيلة التي اتسعت فأصبحت دولة وطنية تستعبدها وتحصرها الحدود الجغرافية والحدود التي تربط الناس.. ونشأت الفكرة القومية أو الوطنية ووردت إلينا فيما ورد في أواخر القرن الفائت وفي بداية هذا القرن ودخلت فينا الفكرة الوطنية والفكرة القومية وتمكنتا منا.
تم في الغرب نزعات أخرى لعبادة المتاع.. متاع الحياة الدنيا والمادة بأن تكون النهضة الاقتصادية هي الغاية العليا للحياة ومن أجل هذه الغاية العليا في المعسكر الليبرالي يمكن أن يسحق العمال ويمكن أن تسحق الطبيعة تمامًا وما فيها من جمال، ويمكن أن تهمل البيئة الفنية للإنسان من أجل استثمار اقتصادي قليل النفقات يمكن أن يحقر الإنسان بيئته وأن يشوهها وأن يجرحها وأن يملأها بالدخان وأن يلوث أنهارها لأنه لا يكترث بأي قيمة جمالية أو إنسانية وما يعنيه فحسب هو النهضة الاقتصادية ويمكن أن يكدس الناس في المدن ويقحمهم في المساكن الضيقة وأن يضيق عليهم في الأجور من أجل النهضة الاقتصادية، وإذا كان الناس لا يرضون بغلاء الأسعار وأن تفرض عليهم الضرائب.. إذا كان التطور الرأسمالي مع حرية الأفراد تطورًا بطيئًا فلنلجأ للوسائل القهرية التي تستلب المال من الناس وتستثمره فإذا عادت عائداته لا ترد إليهم خدمات اجتماعية ولا رواتب ولا رفاهية وإنما تعاد إلى اقتصاد آخر حتى نبلغ الغايات التي لا تكاد تتناهى لأننا كلما بلغنا درجة من القوة بدت لنا غايات عليا من القوة.. صواريخ تصل القمر أو أسلحة أكثر حداثة.. ويمكن - ما دام الإنسان ليس هو غاية النهضة الاقتصادية- أن نسخر هذه القوة الاقتصادية في الحروب أو في التباهي أو لأي غرض آخر كأن نسخرها لهلاك الانسان ذاته.
• وفي الغرب بالطبع نزعات مثالية.. ما إن يوغل الناس في الاتجاه المادي الذي يعلقهم بمتاع الحياة الدنيا حتى يستيقظ فيهم الهم بالإنسان لا ببيئته فيستيقظون كالمذعورين ويركضون ويكون فيهم دعوات إلى إيقاف النهضة الاقتصادية وأن يكون مستوى أو معدل النمو الاقتصادي صفرًا حتى نقبل على البيئة بالتنظيف والتصفية والتجميل ويمكن أن ينزع الناس إلى تجارب الوطنيات الضيقة فيؤسسوا كيانات أوسع.. سوقًا مشتركة أو حلفًا عسكريًّا أو كيانًا سياسيًّا حضاريًّا.
وقد وردت إلينا هذه الاتجاهات المتناقضة كلها فهبت بلادنا مذعورة تهتم بالنهضة الاقتصادية وتحاول كل محاولة من أجلها وأن تتخبط متعثرة وتمكنت فينا الفكرة الإقليمية الوطنية تمكنًا لا نعترف به لأنفسنا ولكنه رواسخ لقواعدنا النفسية.. فنحاول أن ننافق أنفسنا ونرفع الشعارات التي تربطنا بإطار أشمل... وحدة لوادي النيل أو للمغرب العربي أو للخليج العربي أو للفرات الخصيب أو للجزيرة العربية أو لليمن، بينما حقائق الانحصار المادي في البيئة المباشرة ومع الأهل الأقربين تحصرها في واقع الأمر دون ذلك.
• وصور هذا التناقض أو التشتت أفادتنا فائدة من نتائج الأفكار الدخيلة كلها. فقد بدأ الشك يدب في قيم الحضارة الغربية سواء كان ذلك النهضة الاقتصادية أو كان الحرية الفردية أو كان العلاقات القائمة أو الدين أيا كان، وبدأ الناس يرتدون ويرفضون النظم وأخذ الشباب في المعسكر الجماعي يضيق ذرعًا بالقيود الموضوعة عليه ويلتمس الهدى في الغرب.. وطفق الشباب الغربي يضيق ذرعًا بالنظم الاجتماعية وبما فرضت عليه التكنولوجيا من أوضاع وضيق معين فبدأ يرجو أن يكون الأمل في العقائد الماركسية الشرقية أو في العقائد الشرقية البوذية أو الهندوسية أو أيا كانت تلك العقائد فالمثقف الذي تحرر من النزاع في نفسه بين الدين.. وبين الأفكار الحديثة حتى هذا المثقف لا يكاد يسلم من أن تشتت نفسه لأن الشك بدأ يدب هنالك والرفض ما برح يظهر في أقلام الناس وأفواههم وفي زيهم.
• ومن جهة أخرى أصابتنا خيبة من التطبيقات الغربية التي طبقناها في شرقنا العربي فقد انسحرنا في أول الأمر بالفكر الديموقراطي الليبرالي وأقمنا حكومات ديمقراطية ليبرالية وظننا أن ذلك كما قدم الغرب سيقدمنا، وبعد فترة وجيزة ظهر ذلك الفشل، ولم تبد لنا أسبابه لأنه لم يتوفر في ذلك الحين عدد كاف من المثقفين يحلل اتجاهات الحياة ويبصر بالمرض قبل أن يستفحل واضطررنا إلى أن يرد علينا الغزو الصهيوني فيقرعنا قرعة شديدة تنبهنا إلى أن النظم الليبرالية نظم خاوية لا فاعلية لها، فانقلبنا انقلابًا تامًّا تقريبًا أو شبه تام للنظم الشرقية لعلها تسعفنا بحلول جاهزة أو بنظام للحياة وظهر الفشل أيضًا.. فأنتم تعلمون أن حركة التاريخ تتصارع في هذا الزمان وتتزايد كل حين فإذا احتجنا إلى عشرة أعوام أو أكثر من ذلك لنكشف خطأ التجارب الليبرالية فلن نحتاج إلى أكثر من أعوام قليلة حتى نكتشف خطأ التجارب الجماعية الاشتراكية القهرية في بلادنا.. والذي حدث أننا انتظرنا وصبرنا أو صبر علينا حتى أدركنا هزيمة أخرى من ذات المصدر وكأن الله –سبحانه- قد بعث إلينا هذا التحدي ينبهنا إلى ضعف كياننا الذاتي.. وواقع الأمر أن هذه هي سنة الكون سواء الكون الطبيعي المادي أو الكون البشري؛ إنه ما تنشأ منطقة للضغط الوطيء إلا تهب نحوها الرياح بعنف شديد بقدر ذلك الضعف، وما تنشأ منطقة من الضغط الشديد إلا وتخرج منه الرياح فلا نستغرب أن ورد إلينا الاستعمار أو ورد بعده الصهاينة أو وردت الافكار أو وردت البضائع أو وردت الصناعات أو أي شيء آخر.
• ومهما يكن من شيء فقد أدركنا الآن فشل هذه التجربة وليت الأمر كان كذلك وحسب بل إن آفة الأفكار الدخيلة أن المثقف بها يستشعر غربة في مجتمعه وأنك إذا أردت أن ترتب حاجات الناس في مذهب كلي وأن تزنه بميزان من القيم كما أسلفنا وترتب أولوياته وتنظمه نحو هدف ووجهة واحدة للحياة، وإذا أردت أن يتحقق ذلك المذهب، فلا بد من أن تمثل أفكار الناس وقيمهم ولا بد من أن تحرك معك السواد الأعظم من غير المثقفين من الجمهور وإلا أصبح سفسطة نظرية يروجها المثقفون في نواديهم الممتازة المنعزلة.. وما جرب المثقفون أن يطرحوا هذه البضاعة الجديدة على الناس إلا استبان لهم أن الناس يرفضونها، وما شكلت أحزاب من المثقفين المتمذهبين بالمذاهب الدخيلة إلا وتجمدت وأصبحت أحزاب صفوة لا يمكن أبدًا أن تدخلها الجماهير ولا أن تنحشد لها ولا أن تتعبأ بالحماسة والعاطفة لتسير في طريقها بل إن عامة الناس يشكون في المثقفين ويرتابون منهم لأنهم لا يدركون حتى اللغة التي يتحدثون بها. هذه الكلمات التي أصبحت ذات اصطلاح مشاع بين المثقفين لا يدرك عامة الناس مغزاها بالضبط مثل كلمات.. الشعب.. الجمهورية.. الديمقراطية.. الاشتراكية.. الإنسانية.. لا يكاد يدركها أحد وبالتالي لا يمكن أن يتجاوب معها أحد.. وقد يرددها عامة الناس ولكنهم لا يدركون مغزاها على وجه الدقة وقد تصل هذه الوحشة إلى أن تكون تعبئة الجماهير ضد المثقفين بأن تهتف الجماهير مثلًا: يسقط المثقفون.. أو أن تضرب الجماهير كل من ينتمي إلى المثقفين.. طبيبًا كان أو قانونيًّا كما حدث في بعض بلادنا، فيضطر المثقفون أن يهجروا قومهم هجرانًا جميلًا بمعنى أن يعتزلوهم فيكون هنالك حي مستقل بالمثقفين وناد مستقل للمثقفين وصحف مستقلة أو منعزلة للمثقفين وحياة منعزلة تمامًا «واترك الناس وشأنهم» أو أن يهجروهم هجرانًا بائنًا وأن يخرجوا من بلادهم ويسيحون في أرض الله الواسعة.. هجرة إلى أمريكا أو إلى أوروبا أو إلى أستراليا. لأن المثقف يستوحش في أهله لا يأنس بهم ولا يألفهم ولا يألفونه بل ينكرهم وينكرونه كل الإنكار.. والقلة القليلة الذين يحاولون شيئا يضطرون إزاء هذا التناقض الشديد - أفكار دينية وموروثة وأفكار من الدين المجرد للوحي السليم وأفكار من الفكر المادي الغربي وأفكار من الفكر الروحي الغربي وأفكار من الجماعية الغربية وأفكار من الفردية الغربية - فيضطر المثقفون أحيانًا إلى أن يلفقوا «كشكولًا» من المذاهب.. فيخرج وهو مشحون بالتناقض، فمثلا تقوم دعوات للديمقراطية الاشتراكية.. والديمقراطية ليست فكرة مجردة وإنما هي نظام نشأ في مجتمع يحترم الفرد أيما احترام، والاشتراكية قامت على أسس فلسفية تتحدث عن الجماعية وبينهما تنافر في واقع الأمر ومن ثم ما تقوم الاشتراكية حتى يقع القهر أو بعض القهر وحتى المحاولات في أوروبا للتوفيق بين الديمقراطية والاشتراكية يضطر فيها الناس.. إذا أرادوا أن يحافظوا على هذا الاسم المزدوج أن يميلوا كل الميل إلى واحدة ضد الأخرى.
• وفي العالم العربي عجزوا عجزًا تامًّا في أن يسترضوا عامة الناس وفي أن يحوزوا على ثقتهم بالحسنى فاضطروا إلى أن يضربوا على الناس حكمًا عسكريًّا فكثير من الأحزاب والمثقفين في العالم العربي تضطر إلى أن تفرض على الناس دكتاتورية عسكرية لأنها بغير هذا الطريق لا مجال لها البتة، فيقع تناقض شامل في المجتمع.. فتجد الحياة الخاصة بالناس تناقض تمامًا الحياة العامة.. تجد القانون يتجه اتجاهًا يناقض تمامًا الأخلاق الخاصة.. وكل هذه القوانين والأخلاق ضوابط اجتماعية للحياة، أي وسائل لتنظيم مسائل الحياة فغذا تناقضت هذه القيم... تدعو هذه لنوع من النظام وتدعو لك إلى نوع آخر.. والجيل المتعلم يكون على شيء والجيل غير المتعلم يكون على شيء آخر هنالك يقع انقسام رهيب في المجتمع فتنشل القوة التي تحرك هذا المجتمع.. فيتجه الناس في حياتهم الخاصة اتجاهًا معينًا بينما يتجه فيهم القانون والسلطان المفروض عليهم اتجاهًا آخر فيقع التناقض بين مذاهب متناقضة ويظهر ذلك على الأفراد نفاقًا في الشعارات أو انفصامًا في الشخصيات فيكون من بين المثقفين من يحاولون أن يعيشوا بشخصيتين أو بثلاث شخصيات فتجده بالنهار ظرفيًّا ماديًّا منضبطًا إذا مارس مهنة الطب أو إذا مارس مهنة التدريس الجامعي فهو مادي يكاد يهمل الغيب إهمالًا تامًّا ويتخذ الحياة بحسبانها نظامًا تحركه القوانين المادية المنضبطة وما يقبل عليه المساء حتى يقبل على شيخ من شيوخ الطرق فيجلس إليه ويستمع إلى الأوهام والخرافات فيصدقها أيما تصديق ويحاول أن يستحضر له روح والده -عليه رحمة الله- ويعيش في أوهامه وهو مرتاح الضمير حتى يمسى عليه الليل فإذا حل الصباح لبس بدلته الجديدة واتخذ شخصية «دكتور.. » ليمارس منها مهنة الصباح..
• بعض الناس أصابهم اليأس تمامًا وأصبحوا يجلسون على الأرائك يسخرون بالعالم العربي بيمينه ويساره ودينه وضلاله وحكامه وشعوبه وكتاباته. وهذه الظاهرة بدأت تتفشى تفشيًّا مريعًا.. فما تكاد تقرأ صحيفة هذه الأيام - لا سيما بعد أن تفتحت الحرية شيئًا ما - إلا وتجدها كلها هزء وسخرية بالعرب.. ولا تكاد تستمع إلى حاكم من حكام العرب إلا ويشتكي ويتبرم من الحكام ويريد أن يفضح نفاقهم وتضليلهم وتزييفهم والتجارة بالشعارات وبالفعل فقد شاعت فينا الشعارات لأنها خير إطار سياسي لمثل هذا المجتمع المتناقض.. أن تطرح كلمات فيها شحنة قوية من العاطفة تلهي بها الناس وأن تتخذ لسياستك العملية طريقًا آخر..
كلمة سواء
- ومهما يكن من شيء فلعل أول ما ينبغي أن نؤسسه هو ما تطرقت إليه أخيرًا وهو أن تتداعى إلى كلمة سواء، أن نوفر في بلادنا الحرية حتى يتسنى للمثقفين أن يحدثوا فيها بينهم الحوار والمجادلة بالحسنى، وعندها تظهر الحقائق وتمحص وتدحض الأخطاء وينسحب الباطل مهما كان نوعه. ويمكن كذلك أن نعيش شرعية المذاهب التي ننتمي إليها.. لأن الشرعية هي أن يتبناها الناس وأن يرضوها بأن نطرحها على الناس، نوقظهم بها ونوعيهم بها ونذكرهم بها، ونرى أن المبادئ أولى بالناس وأكثر قبولًا لديهم؟ عندئذ يمكن للمذاهب الشرعية أن تسود، ويمكن لها أن تتحرك في الواقع نحو التحقيق والنهضة في المجتمع كما ننشدها. ولسوء الحظ.. لم تكن الحرية في بلادنا قضية ملحة، ولم تكن قضية صادقة ولم تكن جزءًا من الفن السياسي، ففي مجتمعنا التقليدي لم يكن هنالك خلاف! ولا جدوى للحرية إلا عندما يقع الخلاف، ولا معنى للحرية إلا بأن تأذن للمحكوم بأن يعارض الحاكمين أما حرية الموافقة فهذا أمر لا يعنينا.. أما الأفكار المستوردة فحقيقة الأمر أنها لم تستقر في نفوسنا حقيقة راسخة وإنما كانت تطورات سطحية، ولذا كانت الدعوة إلى الحرية شائعة بين دعاة العرب، بيد أنه ما إن يقوم نظام قهري حتى تجد المثقفين يتساقطون ويتهافتون عليه ويتقربون ويتزلفون، وإذا لوح لهم بالوزارات أو بالسفارات أو بالوفود تهافتوا عليها تهافتًا شديدًا.
فلا بد إذن من أن ندعو جميعًا مهما كانت مذاهبنا إلى أن تفوز الحرية وتقديري الخاص وذلك تقدير شخصي أن الفكر العربي سيتحرك بعد هذا النزاع أو الشتات إلى شيء من التجميع والتنسيق والتأليف شيء يجمع قوانا المشتتة ويؤلف شراذمنا المتناثرة المتنافرة وأرجو وربما يكون ذلك الاتجاه -لا أقول اتجاهًا دينيًّا- ولكنني أقول: إنه اتجاه إسلامي بصرف النظر عن الدين الموروث أو التقاليد الموروثة التي اشتبكت بالدين اشتباكًا شديدًا فإن الذين اتخذوها وتواضعوا عليها كانوا يعبرون بها عن تدينهم وعن عقيدتهم وعن شريعتهم وعندما تغيرت الظروف لم تعد تلك الأوضاع هي التعبير الصحيح والمقتضى اللازم لمعاني الدين ومقاصده في الحياة فالدين الحقيقي هو تفاعل بين العقل البشري وبين الجسد البشري.. بين الإنسان بفكره وعمله وبين الطبيعة بمعنى أن الله -سبحانه وتعالى- لم يشرع لنا التدين بقرار وإنما أهبطنا إلى الأرض ودعانا إلى أن نكتشفه من خلال النظر الحر في الطبيعة وأن نعبده من خلال التفاعل مع قوى الطبيعة.. فاذا نظرنا إلى الطبيعة -إلى قوانينها وتأملناها- وذلكم هو نظر الدين وتقديره - وجدناها تدل على الله أي أنها تشير إليه؛ وإذن فهي مجاز إليه وأنها تعبد الله –سبحانه- على اعتبار أن الأوامر الطبيعية الكونية التي يصدرها ربها تلتزم بها وتسجد لها كرهًا في غير ما خلاف.. والدين هو أن يتفاعل الإنسان مع الطبيعة فيعبد الله كما تعبده إلا أن عبادته تكون عبادة طوعية، والقوانين التي يلتزمها هي قوانين شرعية ينالها من تلقاء نبي لا من تلقاء العقل ولا بد من هذا التفاعل بين العقل والشرع؛ فالعلم العقلي وهو العلم بقوانين الطبيعة اللازمة المنضبطة والعلم الشرعي الذي يتعلق بالخلافيات من القوانين التي تمس الإنسان.
هما شيء واحد في الدين وفي غير الدين من العسير أن نوفق بين الاثنين.
• ولقد توهم قوم في القرن التاسع عشر عندما بدأت الاكتشافات العلمية وكان العلم في عنفوان شبابه وطور مراهقته أصابه شيء من الغرور وحسب العلماء أنهم يستطيعون بطريقة البحث العلمي الطبيعي أن يؤسسوا دينًا أو نظامًا اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا وأن يعالجوا كل مشاكل الإنسان -
هذا الغرور قد انحسر الآن وقد أصبح العلماء أكثر تواضعًا وأكثر إدراكًا لدور العلم الطبيعي في الحياة، أدركوا أن العلم العقلي وحده لا يمكن أن يؤسس لنا نهضة شاملة بل ربما يكون هو مصدر البلاء والتخلف.
فالعلم يهبنا قوة زائدة لأنه يذكرنا بقوانين الطبيعة حتى أدركنا التفاعل بينها، يمكن أن نرتبها بصورة نستنبط منها قوة هائلة.. قوة في تفجير الذرة.. قوة في فهم دماغ الإنسان.. أو في فهم الأسرار التناسلية، ويمكن أن نفعل ما نشاء بالقنبلة الذرية أو في معلوماتنا عن التأثير على الإنسان عن طريق التدخل في كيانه الوراثي أو في تضاعيف دماغه ولذلك لا بد من أن تكون هنالك قيمة عليا تضبط العلم العقلي وتوجهه نحو ما يظن أنه الخير للبشرية..
• ما هو الخير؟؟؟ هذه قيمة مستقلة عن: ما هو الحقيقة أو الحق - لا بمعناه الأخلاقي بل بمعناه الطبيعي -فلا بد من أن يتواكب العلمان ولا يكون ذلك إلا بدين يقبل دور العقل في الحياة ويقبل دور النقل والهدى الذي يتفاعل مع ما في الإنسان من فطرة والذي يؤسس فاعلية بناءة، فالعلم لا يؤسس هذه الفاعلية فقد تستقر قناعة في الذهن بأن التدخين مضر بالصحة ومجرد العلم لا يدفع الناس بأن يهجروا التدخين كما يمكن أن تدفعهم إلى ذلك فتوى من عالم الدين مثلًا.
الطبيعة الأخرى «الوحدانية» فهو يذلل لنا شئون الحياة جميعًا لا يريد أن يؤسس لنا نهضة علمية ولا نهضة فنية ولا نهضة اقتصادية ولا نهضة سياسية وإنما يريد أن يؤسس نهضة شاملة تنهض بعلمنا وبمستوى الجمال فينا وبمستوى المعاش فينا وبمستوى العلاقات السياسية في مجتمعنا والشرع الديني الإسلامي شرع شامل فالعقيدة الإسلامية عقيدة توحيد.
• العلم عقلية ونقلية.. طبيعية وشرعية يوجه إلى الله -سبحانه وتعالى- يكتشف الله -سبحانه وتعالى- من خلال آيات الكون أو من خلال آيات القرآن، ويعبد الله من خلال ذلك.
• وفي الاقتصاد تتجه النهضة الاقتصادية إلى الله -سبحانه وتعالى- لأنه كلما تكاثرت النعم على الناس كلما اشتد حمد الناس لله وشكرهم له فازدادت عبادتهم لله.
• الفن موجه إلى الله. فالقرآن ينبهنا إلى ما في الطبيعة وحيواناتها من جمال سوى الفائدة المادية من المركب والمأكل والمشرب ﴿ولكم فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ﴾ (النحل: 6) وحتى القيمة الجمالية توجه إلى الله شكرًا له وحبًّا له وتزلفًا اليه.
• والسياسة موجهة إلى الله. فالحياة كلها منظومة في نسق واحد في العقيدة ومرتبة بمنطق واحد في الشريعة لا اختلاف فيها ولا تمايز.
وإذا كان الحكم يقوم على أن لكل فرد حرية الرأي والنصح.فالواجب ممارسة هذه الحرية وأن الجماعة تجتمع فيها هذه الحريات عن طريق نظام الشورى فيستطيع كسبها بنظام جماعي.
• وفي العبادات لكل إنسان صلاته الخاصة التي يؤديها في خلوته ولكن الناس يجتمعون على صلاة جماعة.
وهكذا في كل نظام تعبدي محض أو سياسي أو اقتصادي نجد الابتداء من الفرد والانتهاء بالجماعة. وهذا جانب آخر من جوانب التوحيد الذي يوحد لنا حياتا.
• في النظم المادية لا يكاد الإنسان يدرك أن له نصيبًا مخصوصًا في غايات الحياة.. فإذا قلنا أن غاية الحياة هي ترتيب الاقتصاد على شكل اشتراكي أو تأميم المرافق العامة للإنتاج أو ترتيب العلاقات السياسية على شكل ديمقراطي فذلك أمر لا يهم الفرد لأول وهلة نعم.. قد يعود عليه بأثر معين في صورة قد لا يستبينها الفرد، وبينما الدين يبدأ بأن يعطى الحياة غايات تهم الفرد فرضاء الله غاية تهم الفرد لأول وهلة وله تقليد مخصوص وعبادة مخصوصة وكتاب مخصوص أمام ربه وعبر هذه الرحلة المخصوصة يلتقي بإخوانه لقاء الحياة ويتآخى معهم ويجد الوسائل والمناسبات والمجالات لعبادة الله من خلال التضامن والتعاون مع إخوانه، فهو يوحد الفرد والجماعة. وهذا أمر لا يهم المثقفين وحدهم، بل يجد فيه العامي الأمي الذي لا يكاد يعرف شيئًا يجد فيه مجالًا واسعًا ويجد فيه المتعلم الشيء نفسه وفي الإسلام توحيد بين تاريخنا وبين حاضرنا فلا يمكن لأمة أن تنقطع عن تاريخها جملة واحدة، ولا ينبغي لأمة أن تجمد على تاريخها. فالدين يمكن أن يحررنا من ذلك التاريخ. ويعلمنا أن العبادة لله –سبحانه- والطاعة للأحكام الدينية الأزلية التي تتجرد من الزمان والمكان.
وأما الناس فهم أفراد محدثون في كل زمان ومكان يأخذون منها قبسًا معينًا مرتبطًا بزمانهم ومكانهم..
فإذا انتهى ذلك الجيل أو القرن استخلفت الأرض قرنًا آخر فاقتبس قبسًا جديدًا فالدين -إذن- يحررنا من أن نجمد على التاريخ وفي نفس الوقت ينظمنا في موكب متجدد مع تاریخنا وحدة في أصل الدين.. لا في فروع الفهم.
ثم في آخر الأمر: إن الدين يوحدنا في العلاقات فهو يعترف بالكيان المحلي الذي هو شيء جزئي من فطرة الإنسان.. فالأسرة والقبيلة والوطن أمر لا يمكن إنکاره إنکارًا تامًّا ولا يمكن للإنسان أن يتجرد منه البتة.
يمكن الدين أن يعترف لنا بكياننا المحلي الوطني لكل جماعة أو لكل قوم منا وفي ذات الوقت يربطنا رباطًا أمميًّا واسعًا - ولا أقصد بذلك الإطار العربي العام فقط بل يتجاوز ذلك إلى الإطار الإسلامي العام. ويتجاوز ذلك إلى الإطار الإنساني العام لأن الدين لا يرضى للإنسان أن يكون مثل الأشياء ومثل الحيوان تأسره الفطرة ولا يعيش إلا في نوعه الخاص فالطير لا يقع إلا على أمثاله والحيوان لا يعيش إلا بين أمثاله وأما الإنسان فينبغي أن يكون له جانب مربوط بالأزل فهو أرحب وأوسع.
يستطيع الدين أن يوفق حياتنا وأن يوفق جهودنا وهمومنا المختلفة بشرط أن يتاح مجال من الحرية يمكننا فيه أن نتفاعل فيه كما يأمرنا الدين مع واقعنا الحديث وآن أن تتفاعل فيه القيم الدينية الشرعية مع العلم الحديث وأن نؤسس فيه حياة جديدة؛ ذلك أمر يمكن أن يؤول إليه المصير العربي ويمكن ألا يؤول لأن الأمر معقود بخيار الإسلام.