العنوان أزمة اليسار الكويتي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1981
مشاهدات 182
نشر في العدد 529
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 19-مايو-1981
أزمة اليسار «فكرية دائمة» انعكست على التنظيم واخلاقياته.
نتائج انتخابات المجلس النيابي كشفت لليسار أنه يعيش أزمة حقيقية.
اليسار الكويتي يتبنى «الاشتراكية العلمية»، ولكنه لا يصارح الشعب بذلك.
الانتهازية تجعل اليسار يحدد موافقة من القبلية والطائفية بحسب خدمتها لأغراضه.
في عام (68) “انفلشت” حركة القوميين العرب، وقام على ترابها اليسار ممثلًا في مجموعة الطليعة.
فيما دعا إلى الديمقراطية لم يطبقها، وانقلبت إلى وسيلة محتكرة لديه.
لئن كان اليسار الكويتي يعيش أزمة فكرية «دائمة» انعكست على التنظيم وأخلاقياته منذ نشأته، إلا أن رموزه لم ينتبهوا، أو لم يعترفوا بأنهم يعيشون الأزمة إلا بعد ظهور نتائج انتخابات المجلس النيابي الأخير، وعدم فلاحهم بالحصول ولو على مقعد واحد، وهذا ما جعل السيد عبدالله النيباري يعترف -في ندوة له مع الزميل محمد مساعد الصالح عن الانتخابات ونوعية المجلس- أن النتائج كانت مفاجئة للجميع وللحكومة.
وفي محاولة لامتصاص الصدمة التي مني بها اليسار لم تشأ الزميلة مجلة الطليعة الناطقة باسم اليسار أن تعلق على نتائج الانتخابات في عدد لها تال لظهور النتائج، وراحت تلمز في نوعيات النواب الجدد بصورة غير مباشرة، بالرغم من نشرها حديثًا للدكتور الخطيب خلاصته أننا مع الديمقراطية ولو بغيرنا، كما قال النيباري للزميلة صحيفة السياسة إننا الآن نلتزم الصمت، وسنبقى مستمعين.. على أن نتائج الانتخابات النيابية لم تكن الحادثة الأولى التي كشفت عن أزمة اليسار، بل سبقتها نتائج انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في جامعتي القاهرة والإسكندرية وبريطانيا، ومن بعدها في جامعة الكويت، التي أتت جميعًا ليس في غير صالحها فحسب، بل في صالح التيار الإسلامي عدوها اللدود.
إذن لقد كان اليسار يعيش أزمة بادية للعيان، ولكن أن لا يكتشف ذلك اليسار نفسه إلا أخيرًا فهذا دليل آخر على أنه يعيش أزمة قاتلة.
فما هي هذه الأزمة، وهل يستطيع تجاوزها؟
ما هو اليسار الكويتي؟
في البداية لا بد من بيان أن المقصود باليسار الكويتي هو المجموعة التي تشكلت في أعقاب «انقسام حركة القوميين العرب و"انفلاشها" عام 1968» حسب تعبيرهم، في أحد منشوراتهم السرية الموقعة بـ«أنصار الديمقراطية» في الكويت، ذلك أن هذا الانقسام «والانفلاش»، إنما حصل بسبب اصرارهم على تبني الفكر الاشتراكي في حركة القوميين العرب مما لاقى معارضة من مجموعة جاسم القطامي التي عرفت فيما بعد بـ«التجمع الوطني» والتي أصرت على المحتوى القومي والاتجاه الناصري الذي كان في أوجه آنذاك.
وقد أخذ الاتجاه اليساري يمارس نشاطه فيما بعد عبر نادي الاستقلال، كما أصبحت الزميلة مجلة الطليعة ناطقة باسمه، وتركز نشاطه السياسي في المجلس النيابي، واتحاد الطلاب، واتحاد العمال، وقد عرفته الصحافة العربية بتجمع «الخطيب، المنيس، النيباري»، كما عرف باسم مجموعة الطليعة، وانسجامًا مع أطروحات اليسار فإن القضايا التي حاول هذا التجمع أن يدافع عنها هي قضايا العمال، وذوي الدخل المحدود، وتأميم الثروة النفطية.
أصل الأزمة
والمدقق في أسباب الأزمة التي يعيشها اليسار الكويتي يجد أنها كما هي عند بعض الاتجاهات القومية الليبرالية، أو الرأسمالية، أو العلمانية، وعموم التيارات غير الإسلامية التي نشأت إبان عهد الاستعمار، تكمن في أن هذه الاتجاهات تبنت أفكارًا ومبادئ غريبة عن البنية الفكرية في العالم العربي والإسلامي، وبالنسبة لليسار لم يكن فكره غريبًا فحسب، بل مناقضًا كليًا للواقع الاجتماعي، والسياسي، والفكري.
ففضلًا عن أن الفكر الاشتراكي مناقض للفطرة البشرية بطبيعته، فإنه لا يصلح للمجتمعات الإسلامية التي استقرت فيها البنى الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية على مدى أربعة عشر قرنًا، وإن أصاب هذه البنى بعض الخلل فهي لا تزال على أية حال بنى إسلامية القواعد والجذور، ولا يمكن اقتلاعها من جذورها إلا إذا تم القضاء أصلًا على الفكر الإسلامي، ويبدو أن هذا ما يحاول اليسار أن يفعله، ولكن هيهات فالله سبحانه قال: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: 8).
من هنا فإن أزمة اليسار الكويتي -كما قلنا في البداية- أزمة فكرية دائمة زاد من حدتها رغبة اليسار في عدم الإفصاح أو التصريح بحقيقة الفكر الذي يتبناه ويدعو له، فبالرغم من أنه كان يدعو من خلال مجلة الطليعة إلى الاشتراكية العلمية -كما في العدد (296) سنة (1970م)- حيث تقول «فإن عدم وضوح الرؤية وتردد أي ثورة وطنية في انتهاج الاشتراكية العلمية وسلوك الوسطية كفيل بأن يحملها ويحولها إلى هاوية التناقضات»، إلا أن التجمع كان يطلق على نفسه «التجمع الوطني الديمقراطي»، أو القوى الوطنية، أو المرشحون الوطنيون التقدميون، أو نواب الشعب.
وما إلى ذلك من العبارات التي حسبوا أنها تخفي مضمونهم الحقيقي وتحبب الناس فيهم.
وإذن فإن أصل الأزمة يكمن في هويتهم الاشتراكية الماركسية، وعدم قدرتهم على مصارحة المجتمع بذلك، وقد انعكست هذه الأزمة على التنظيم وأخلاقياته، كما سنرى بعد قليل.
ديمقراطية زائفة
من أول انعكاسات الأزمة على التنظيم هو استبعاد الطريق الديمقراطي الذي مازال اليسار يبشر به، ويتغنى بالعمل من أجله، أما كيف كان ذلك، فندع أحد مناصريهم وهو الدكتور محمد المهيني يجيب عليه، إذ يقول في مقال له نشر في القبس 28\12\1980: إن المعارضة الكويتية يصعب تحديد هويتها فيما إذا كانت معارضة جذرية أو إصلاحية قد وقعت في أخطاء يأتي في مقدمتها «عدم اتباع الأسلوب الديمقراطي بين عناصر المعارضة نفسها».
ويكشف الدكتور النفيسي في محاورة له مع الخطيب أن نادي الاستقلال تلقى طلبات كثيرة من المواطنين للانتساب إليه، ولكن لم يقبل من هذه الطلبات إلا من يوافق عليه الدكتور الخطيب. مما دعا رئيس تحرير صحيفة الرأي العام ليكتب مقالًا في صحيفته بتاريخ 1\4\74، بعنوان: «ديمقراطية الدكتور الخطيب»، وبغض النظر عن غرض السيد المساعيد من تلك المقالة إلا أن ما ذكره الدكتور النفيسي آنذاك يدل دلالة واضحة على أن نادي الاستقلال كان مسمى يخفي تحته تنظيمًا يساریًا، يرید أن يضم له العناصر الصالحة، والمؤمنة بالاشتراكية العلمية.
وأخلاقيات انتهازية
وبالرغم من الإصرار على الطرح الديمقراطي إلا أن هذا الاتجاه لازمته أخلاقية انتهازية طالما عابها على غيره، ومن أراد أن يتبين مدى هذه الانتهازية فليراجع آراء وتصريحات رموز التجمع خلال التحضير لانتخابات كل دورة من دورات المجلس النيابي.
فالقبلية التي هاجمها أخيرًا بعنف لم يكونوا يمسونها فيما مضى إلا مسًا خفيفًا؛ وذلك بسبب أن انتخابات (71) قد جاءت ببعض أفراد البادية ممن تربطهم باليسار علاقات جيدة، أما عندما لم تأتهم انتخابات (75) بمثل ذلك فقد هاجموا القبلية بعنف في انتخابات فبراير الماضي.
وما ينطبق على القبلية ينطبق كذلك على الطائفية، ففيما قبل (1970) كان اليسار من ضمن ما يسمى «بالحركة الوطنية» بغض الطرف عن هذه الناحية، ولكن بعد الانقسام الذي حصل عام (1968) بين صفوف القوميين العرب وغيرهم من الأحزاب وتفرقهم- أدرك اليسار بأنه بطرح الهجوم على الطائفية، واتهام جهات حكومية وأهلية بتكريسها، قد يوجد له أنصارًا لدى أفراد طائفة تعتبر قلة بالنسبة لمجموع السكان في الكويت، ولعل أشد هجوم على الطائفة الشيعية كان في الانتخابات الأخيرة، فالعجيب أن الأمر لم يقتصر على الهجوم، بل تعدى ذلك إلى استجداء أصوات طائفة الشيعة ومرشحيهم، وهذا التحالف -كما لا يخفى- تحالف انتهازي؛ لأن مرشحي الطائفة الشيعية كانوا في معظمهم من المتدينين الذين لا يمكن أن يلتقوا مع الفكر الاشتراكي.
ولا يخفى أننا هنا نعرض لمواقف اليسار، ولسنا بصدد تقييم الطرح القبلي أو الطائفي، أو أي طرح آخر.
ومع أن اليسار يرتكز في أيدولوجيته على محاربة الإسلام، إلا أنه ومن خلال مجلة الطليعة حاول في الفترة السابقة للانتخابات الأخيرة أن ينشئ نوعًا من الجسور مع ما أسماه «بالحركة الدينية» في الكويت، أو على الأقل تجنب الصدام الفكري معها، والدليل على ذلك ما كتبته الطليعة وبعض الصحف والشخصيات المتعاطفة مع مدح لأسبوع الدستور الإسلامي، الذي أقامته جمعية الإصلاح الاجتماعي، ولكن عندما تبين اليسار من خلال المعركة الانتخابية أن «الحركة الدينية»، أقوى وأكبر من أن تخدع، وعندما ظهرت النتائج بحلول الحركة الدينية بدلًا من اليسار، عادت «حليمة إلى عادتها القديمة» وأصبحنا نلاحظ أنه قلما يصدر عدد من مجلة الطليعة من الهجوم على الحركة الإسلامية ورجالاتها، بل ذهب رموز اليسار إلى حد قذف الحركة الإسلامية بالتحالف مع الحكومة والتجار ضدهم، مما كان له أكبر الأثر في عدم فوزهم ولو بمقعد واحد.
حقد على الإسلام
وتكاد تكون المواضيع الأساسية للأعداد الثلاثة الأخيرة من مجلة الطليعة مكرسة للهجوم على الحركة الإسلامية ورجالاتها، وقذفها بتهمة الجهل في الدين، والسير ضمن مخططات كامب ديفيد، والإمبريالية الأميركية.
وهذا الإسفاف في الهجوم على الحركة الإسلامية لا يمكن أن يفهم إلا في ضوء حقد اليسار على الإسلام وعقيدته الإيمانية المناقضة للعهد الماركسي أو الاشتراكي، ولكن الهجوم على الإسلام مباشرة قد كبدهم خسارة شعبية فادحة، وأن عصر الصحوة الإسلامية لا يمكن أن يقبل بذلك، ولذا فهم يحاولون الهجوم على رجالات الحركة الإسلامية والطعن في ولائها، وهذه الطريقة قديمة قدم البشرية، وقدم الرسالة الإسلامية، لا يمكن أن تنطلي على الشباب المسلم في الوقت الحاضر كما قد يتوهمون.
نشاط محدود وعجرفة في غير محلها
على أن مظاهر الأزمة لم تقتصر على ذلك، بل خلافًا «للاشتراكية العلمية» التي تتسم بالشمول، ولو كان قاصرًا فقد حصر اليسار نشاطه في مجال محدود، وفيما عدا النشاط الطلابي والعمالي فيمكن القول إن الميدان الرئيسي لنشاط اليسار كان في المجلس النيابي، وبسبب الفوز ببعض المقاعد خلال دورات المجلس قبل الأخيرة لأسباب اجتماعية بعيدة عن البعد اليساري والاشتراكي للتنظيم- أصيب رموزه بالغرور والعجرفة، وراحوا يتصرفون كمحتكرين للوطنية والتقدمية والمعارضة، وظنوا أن صراخ الطليعة قد بنى الصرح الاشتراكي الكويتي، وأنه يمكنهم وحدهم أن يحركوا الجماهير، ولذلك فإن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت صدمة كبيرة لهم باعترافهم.
وبسبب من هذه العجرفة التي في غير محلها من جهة، وتبني القضايا الآنية والذاتية لقطاع العمال وذوي الدخل المحدود والوافدين أحيانًا، فقد كانت الحكومة ذكية بشكل تفوت فيه على أهل الشعارات شعاراتهم، كما حدث في انتخابات عام (1975م)؛ حيث أعلنت الحكومة أنها ستؤمم النفط قبل إجراء الانتخابات، في حين أن اليسار كان قد رتب حملته الانتخابية على أساس تأميم النفط مما أدى إلى سحب البساط من تحت أرجله.
اتهام للشعب
ونحن نعترف أن روح المبادرة أو الاستباق لدى الحكومة له أثر على صوت الناخب، وصحيح أن إعادة توزيع الدوائر الانتخابية كان له أثر كذلك، لكن كل هذا لا يمكن أن يصلح تفسيرًا لعدم نجاح ولو مرشح واحد يساري، ومما يدل على عمق الأزمة وتفاقمها أن التفسير اليساري لعدم نجاحه -كما صرح بذلك النيباري وغيره- يعود فيما يعود إليه من أسباب هو عدم وعي الناخب وانشغاله بما يحقق حاجاته المعاشية الملحة، مما جعله يصوت لمن يعتقد أنه أقدر على تحقيق رغباته واحتياجاته؛ من هول المفاجأة لجأ اليسار إلى اتهام الشعب الذي ظل يدعي أن الشعب معه، وأنه المدافع الوحيد عن حقوق الشعب.
وهذه الحقيقة على أية حالة تعتبر دليلًا على أن أزمة اليسار الحقيقية هي أزمة فكرية دائمة، فالارتباط بشعار تحقيق مصالح معاشية آنية ينقلب في غير صالح رافعه على المدى الطويل، إذ أن عامة الشعب سرعان ما يتخلون عمن لا يعود قادرًا على تحقيق هذا الشعار، ويضاف إلى هذا أن شعار الدفاع عن قضايا الشعب المعاشية بالنسبة لليسار ليس إلا طريقة انتهازية لتسلم القيادة، وتحويل بنى المجتمع إلى بنى اشتراكية على أيدي رموز اليسار.
ومن هنا فإن أية حركة لا تملك التصور الشامل للحياة ولطبيعة العلاقات البشرية وقيام المجتمعات من منطلق عقدي سليم، فإنها سائرة إلى الفشل الأكيد بالرغم من بعض مظاهر الانتفاخ أو الانتفاش أحيانًا.
دعاية لروسيا
ومما زاد في تفاقم أزمة اليسار الكويتي وانعزاله عن الجماهير من الناحية السياسية دعايته التي لا تكل للاتحاد السوفياتي، وتلميع سياساته جميعها بلا استثناء، حتى غزوه العسكري السافر لأفغانستان لم يستح اليسار ممثلًا في مجلته «الطليعة» من الدفاع عنه وإدانة المجاهدين بالولاء لأميركا.
وعندما أعلن بريجينيف عن نقاطه الخمس حول المحيط الهندي تلقف اليسار الكويتي دعوته، وراح يزينها، ويطالب دول الخليج بضرورة الإسراع في تأييدها باعتبار الاتحاد السوفياتي الحليف التاريخي للعرب، وعلى أن دعاية اليسار الكويتي لم تقف على روسيا، بل شملت أنظمة عربية ساقطة جماهيريًا؛ لأنها ترتبط بروسيا بعلاقة ما.
وبالطبع فإن دعاية اليسار الكويتي للسياسة الروسية والسياسات المرتبطة بها لا تطرح ابتداء، بل يلجأون إليها بعدما يهاجمون بعنف الإمبريالية العالمية، والسياسة الأميركية، وهم في هذا يقعون في الخطأ إياه الذي يقع فيه دعاة الأمركة عندما يدعون إلى الارتباط بسياسة دولة عالمية متغطرسة، فالولاء لروسيا كالولاء لأوروبا، لا يأتي بخير؛ لأن المعادلة التي تظل تحكمه هي معادلة الضعيف مع القوى، والصغير مع الكبير، وهذا ما بات يدركه عموم الشعوب العربية والإسلامية.
وبعد:
وبعد هذا العرض لحقيقة أزمة اليسار الكويتي وأسبابها يتضح أن اليسار الكويتي يعيش فعلًا في أزمة نسميها أزمة فكرية دائمة؛ بسبب غربة أفكاره عن الواقع ومناقضتها لعقيدة الإسلام التي يدين بها الشعب منذ آلآف السنين، عمقت من هذه الأزمة الممارسات الانتهازية لتنظيم اليسار، ودعايته لسياسة دولية معادية للبشرية بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص، فهل يفتح اليسار الكويتي آذانه ليدرك حقيقة أزمته؛ فيباشر إلى إعلان التوبة إلى الله، ويوفر كل تلك الجهود التي لن تفلح في الدنيا، وتورده إلى النار يوم القيامة، أم يصم آذانه عن سماع الحق ليظل يعيش في أزمة دائمة ليس لها من قرار؟