العنوان أزمة اليمن في ظل الصراع بين علي صالح وعلي سالم
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1994
مشاهدات 84
نشر في العدد 1083
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 11-يناير-1994
ما زالت الأزمة التي تعيشها اليمن منذ شهور في
تصاعد، وإن كانت لم تصل –ونرجو ألا تصل– إلى مستوى المواجهة المسلحة. والأزمة
اليمنية ليست نتاج صراع بين القبائل أو طائفتين من طوائف الشعب، كما أنها ليست
نتاج أحداث عنف مضاد أفرزتها صراعات بين نظام حكم وبين جماعات لها اتجاهها وتوجهها
اللذان يخالفان اتجاه وتوجه الحكم. ولكن الأزمة التي يعيشها اليمن وتهدد وحدته،
كما تهدد تجربته الديمقراطية هي وليدة الصراع بين الحزب الاشتراكي في الجنوب وحزب
المؤتمر الشعبي في الشمال؛ الأول يقوده أمينه العام علي سالم البيض نائب رئيس الجمهورية،
والثاني يقوده علي عبدالله صالح أمينه العام ورئيس الجمهورية.
وهو صراع على السلطة، ومراكز ومواقع السلطان،
يعمقه ويزيد من خطورته تشبث كل طرف بما لديه من مراكز ومواقع ومصادر للقوة حالت
دون استكمال دولة الوحدة لأسباب الوحدة وصيغتها وشكلها الطبيعيين والمأمولين مع
أنه قد مضى على إعلانها ثلاث سنوات.
كل من الحزب الاشتراكي في الجنوب وحزب المؤتمر
في الشمال لا يرى ولا يريد التخلي عن مواقعه ومصادر قوته ونفوذه، في الجنوب وفي
الشمال من أجل أن يتم الدمج الصحيح بين شطري اليمن وتأخذ دولة الوحدة وحدها بكل
أسباب الوحدة وتجمع بين يديها كل أسباب ومصادر القوى الأمنية والعسكرية والقانونية
التي تكفل للنظام الديمقراطي استمراره وازدهاره كما تكفل لليمن الدولة والشعب
أسباب الأمن والاستقرار، وتفتح الأبواب أمام التعددية الصحيحة كي تمارس دورها
الصحيح ولا تجعل السلطة والحكم حكرًا على حزب أو حكرًا على فرد.
لا يريد طرفا الحكم- خاصة الحزب الاشتراكي صاحب
التاريخ الطويل والعريض الحافل بالمآسي والمجازر في الجنوب اليمني- التخلي عن
مواقعهما ومصادر نفوذهما وسيطرتهما إلا بعد توافر الضمانات التي تكفل استمرار
النفوذ والتواجد واستمرار الدور والحجم على الساحة؛ الأمر الذي يشكل معادلة من
الصعب حلها ومن الصعب استمرار بقائها دون حلول لأن ذلك يعني انهيار الوحدة أو
تصاعد الأزمة إلى مستوى الصراع المسلح أو المواجهة المسلحة.
وليس ثمة صعوبة في تحديد معالم الأوضاع
والأجواء في اليمن لأنه من السهل تحديد معالم الصورة التي تجري في إطارها وتدور
أحداث وتطورات اليمن والتي توجهها وتفرزها أشكال وأنماط الشد والجذب بين طرفي
المعادلة الصعبة التي تعيشها اليمن.
في الثالث عشر من ديسمبر الحالي ألقى الرئيس
اليمني علي عبدالله صالح خطابًا أمام الخريجين الجدد من كلية الشرطة، أذاعته
القناة الأولى للتلفزيون في صنعاء، في حين رفضت القناة الثانية التابعة للحزب
الاشتراكي المهيمن على الأوضاع في الجنوب أن تذيعها، وكان الرئيس اليمني قد هاجم
في خطابه أمام خريجي الشرطة الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه نائب رئيس الجمهورية علي
سالم البيض، ووصف الأزمة بأنها مفتعلة وأنها مدفوعة الثمن.
وقد اعتبر الناطق باسم الحزب الاشتراكي أن
إذاعة الخطاب في القناة الأولى من صنعاء رغم الاتفاق بين الحزبين على وقف
التصريحات والخطابات والمهاترات الإعلامية، هو نقض للاتفاق، وقال الناطق: «إن قذف
الحزب الاشتراكي وتوجيه التهم إليه قد يضطره إلى الخروج عن صمته والرد بالمثل»
وأضاف: «إن مَن بيته من زجاج عليه تجنب رمي الآخرين بالحجارة».
وفي جلسة مجلس النواب اليمني في الرابع عشر من
ديسمبر حث النائب عبدالوهاب الروحاني من المؤتمر الشعبي -حزب الرئيس علي عبدالله
صالح- مجلس النواب على اتخاذ موقف واضح من الأزمة وضرورة التحرك لتحمل مسؤوليته
إزاء الممارسات التي تكرس الانفصال وتعطل مؤسسات الدولة، ومن ثم فيجب أن يحدد
المجلس موقفه بشأن عدم السماح للطائرات العسكرية والمدنية بالهبوط في المحافظات
الجنوبية وعدم السماح لممثلي الأحزاب في تعز بالسفر إلى محافظة أبين للمشاركة في
تشييع جثمان أحد قادة التجمع اليمني للإصلاح، وأن آخر قنبلة فجرها الحزب الاشتراكي
في الجنوب على طريق الانفصال والتشطير هي امتناع القناة الثانية في تعز عن إذاعة
خطاب رئيس الجمهورية.
وفي حديث للرئيس علي صالح أدلى به منذ وقت
قريب لمجلة «المصور» المصرية أكد على أن الحزب الاشتراكي في الجنوب يستأثر بكل
أسباب ومظاهر السلطة هناك ولا يسمح للشماليين بالوجود والمشاركة والممارسة
السياسية في الجنوب إلا في أضيق الحدود وأن عدد الشماليين في الجنوب يعد على أصابع
اليد، وأكد أن الحزب الاشتراكي يريد أن تكون له مواقعه في السلطة بالحجم والشكل
اللذين لا يتناسبان مع حجمه وموقعه شعبيًا، كما أن الحزب الاشتراكي فاز بمقاعد الجنوب
في الانتخابات الأخيرة لمجلس النواب من خلال فرض السيطرة ومنع الآخرين وإنه -أي
الحزب الاشتراكي– مازال يمارس دوره في الجنوب كامتداد لدولة اليمن الديمقراطية
الشعبية.
وفي نفس العدد من المجلة تحدث السيد علي سالم
البيض أمين الحزب الاشتراكي في عدن فأكد أن السلطة في صنعاء في يد الرئيس علي عبدالله
صالح وهي سلطة مركزية وإنه لا وزن ولا دور للحزب الاشتراكي.
ورغم أن الطرفين لا يفوتهم أن يستفيضا حديثًا
عن الشرعية والتمسك بالوحدة وإفساح المجال للمشاركة الشعبية وضرورة الرجوع إلى
الشعب والتحلي بالديمقراطية والتعددية، فإن الواقع ومن خلال تصريحات الطرفين
وأحاديثهما أيضًا يؤكد أن اليمن يمنين؛ يمن الجنوب تحت هيمنة علي سالم البيض وحزبه
الاشتراكي، ويمن الشمال تحت سيطرة علي عبد الله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي.
ويمن الجنوب مازال له ميليشياته التابعة للحزب
وله أجهزة أمنه وجيشه، كما أن يمن الشمال ما زال له قواه الأمنية التابعة لرئاسة
الجمهورية، وأيضًا جيشه، وقوى الأمن في الجنوب والشمال مثل الجيش في الجنوب
والشمال لم يتم دمجهما ولم يصبحا خاضعين لسلطة أو قيادة واحدة.
واللافت للنظر أن التيار الإسلامي الذي يتهم
باطلًا من قبل جهات معينة في دول أخرى بإثارة الاضطرابات وتفجير الأزمات وتهديد
الديمقراطية وتقويض الأمن والاستقرار يسعى بكل جهده لإزالة الحواجز ورفع العقبات
من طريق الوحدة ونزع أسباب الانفجار عند أطراف الصراع وتقريب وجهات النظر حول
معالم وغايات أكبر من المصالح الذاتية والمنافع السلطوية.
إلا أن الأزمة في اليمن في ظل تشبث طرفي
الصراع بمواقفهما مازالت مرشحة للاستمرار. وإن كان كثيرون يستبعدون التصعيد -على
الأقل في الوقت الراهن- إلى مستوى الانفصال والانشطار أو مستوى المواجهة بالسلاح..
ويبقى اليمن -الشعب والبلاد- هو الذي يدفع الثمن ويتحمل نتائج الصراع والتنافس على
السلطة والسلطان، اللهم إلا إذا آب الطرفان إلى ما فيه النفع والمصلحة العامة وغلّبا
كفة اليمن الشعب والديار على كفة المنافع الذاتية والحزبية.