العنوان أزمة اليمن: من الوحدة إلى الفيدرالية
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1993
مشاهدات 67
نشر في العدد 1079
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 14-ديسمبر-1993
الأزمة اليمنية.. منعطفات خطيرة وصراع الأجنحة
دخلت الأزمة السياسية في اليمن منعطفًا جديدًا أكثر إثارة عقب تصريحات
الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي وعضو مجلس الرئاسة. وكانت صحيفة «الحياة» قد
نشرت حوارًا سريعًا مع «سالم» عقب عودته من رحلة علاجية أوضح فيها أن «الفيدرالية»
قد تكون الحل المناسب لمشاكل اليمن.
وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل سريعة تعارض هذا الطرح العلني
المفاجئ في الوقت الذي كانت قد بدأت تلوح في الأفق بشائر انفراج بطيء للأزمة التي
بدأت منذ 3 أشهر تقريبًا مع جهود لجان عسكرية أسهمت في تخفيف حدة التوتر بين جيشي
كل من الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي، وفي الوقت نفسه الذي بدأت فيه حوارات
تشارك فيها أحزاب الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة بناء على مطالبة الاشتراكيين
بذلك.
ويمكن إجمال خطورة تصريحات سالم صالح بأنها جاءت من الرجل الذي يمثل
خط الاعتدال داخل الحزب، ولاسيما أنه قد أقسم اليمين الدستورية بعد انتخابه عضوًا
في مجلس الرئاسة، بل وشارك في عدد من جلسات المجلس قبل سفره. ويشير مراقبون في
العاصمة اليمنية إلى أن تصريحات «سالم» الأخيرة كشفت حقيقة أن الحزب الاشتراكي
يتعامل مع الأزمة السياسية بمخطط واضح وبأدوار محددة مرسومة لكل قيادي فيه وبحيث
تؤول النتائج لصالح الاشتراكيين.
ضمانات البقاء في السلطة
بعد ليلة طويلة من المواقف والحوارات الاستكشافية اتضح أن المطلوب هو
وضع ضمانات حقيقية ودائمة لاستمرار بقاء الاشتراكيين في مراكز السلطة بصرف النظر
عما تأتي به نتائج أي انتخابات. وكان «البيض» الأمين العام للحزب الاشتراكي قد بدأ
حملته ضد شركائه في الحكم تحت دعاوي رفض الإلحاق والضم، وضرورة مراعاة توازن القوى
والمصالح. وينشر الاشتراكيون أخبارًا عن اتفاق سري بين الرئيس «علي عبد الله صالح»
و«البيض» قبيل الوحدة، أعطى الرئيس بموجبه ضمانات شفهية ببقاء الاشتراكيين في
الحكم وعدم استبعادهم مهما تكن الظروف.
ويتداول الوسط السياسي اليمني تفسيرات لهذا الاتفاق بأن الرئيس «علي
صالح» قد أقدم على تحقيق الوحدة وهو يضع نصب عينيه هدفًا باحتواء الحزب الاشتراكي
مستقبلًا تحت نفوذه، ولذلك أغدق على الاشتراكيين كثيرًا من الامتيازات ومنحهم كل
ما يريدون من ضمانات وامتيازات في الحكم أثناء الفترة الانتقالية حتى يوافقوا على
توحيد شطري البلد.
ويبدو أن الاشتراكيين قد تنبهوا لهذا الأمر، فاتخذوا عددًا من
الإجراءات كان أبرزها مماطلتهم في توحيد جيش البلد واستمرار هيمنتهم القوية على كل
مقدرات الأمور في المحافظات الجنوبية والشرقية، الأمر الذي مكنهم دائمًا ولاسيما
في الأزمة الراهنة من الحديث من منطق القوة والقدرة على إعادة الأمور إلى ما كانت
عليه قبل الوحدة.
ويمكن القول إن وجود أجنحة متنافسة داخل الحزب الاشتراكي قد ساعدت على
مقاومة خطة احتواء الحزب وإضعافه، حيث كانت المواقف المتناقضة لعدد من القضايا
كتوحيد الحزبين تسهم في إفشال هدف الرئيس في احتواء الحزب. وعلى ضوء هذا التفسير
يمكن فهم أسباب الأزمات السابقة التي شهدتها اليمن خلال السنوات الثلاث الماضية،
فالاشتراكيون حددوا لهم هدفًا واضحًا هو بقاؤهم في السلطة بصورة تمكنهم من رفض أي
قرار لا يوافقون عليه.
في الجهة الأخرى كان الرئيس علي صالح يسعى بهدوء لتقليم أظافر الحزب
الاشتراكي وإقناعه بالاندماج مع حزب المؤتمر الشعبي، وكلما شعر الطرفان باحتمال
نجاح مخطط الآخر تبرز أزمة سياسية في البلد يحاول كل طرف استثمارها لصالح حزبه.
ويمكن القول إن الأزمة الأخيرة قد أثارتها عوامل عديدة لكن تخوف الاشتراكيين من
احتمال انخفاض وجودهم في السلطة كان العامل الحاسم فيها، ولاسيما بعد أن أظهرت
نتائج الانتخابات الأخيرة في مايو الماضي حقيقة الوزن السياسي للاشتراكيين بين
القوى الرئيسية.
بل إن معظم المقاعد النيابية التي حصلوا عليها كانت في المحافظات
الجنوبية والشرقية التي يهيمنون فيها على كل صغيرة وكبيرة ويشكلون فيها دولة
«حقيقية» داخل الدولة، وهو الوضع الذي منحهم فرصة لتكييف كل شيء لصالحهم واستخدام
كل نفوذ وتراث النظام الماركسي السابق وخبراته في ضمان الاستحواذ على المقاعد
النيابية المخصصة لتلك المناطق. وعلى الجانب الآخر فإن الرئيس «علي صالح» كان قد
بدأ يصل إلى قناعة بأن هدفه في احتواء الحزب قد تبخر في الهواء رغم محاولاته
الناجحة في إقناع عدد من قادة الحزب الكبار بفكرة توحيد حزبيهما مقابل ضمان
امتيازاتهم الهائلة التي حصلوا عليها من غنائم الفترة الانتقالية سواء على صعيد
السلطة أو المال.
لكن القيادات القوية الرافضة لاندماج الحزب الاشتراكي مع حزب المؤتمر،
والتي تتمتع بتأييد قوي من قواعد الحزب الاشتراكي وقياداته الوسطية، أسهمت بشكل
حاسم في إفشال فكرة الدمج وفرض مناقشتها في المؤتمر العام للحزب حيث يتمتع الآخرون
بنسبة عالية بين مندوبي المؤتمر.
إدارة الأزمة
نجح الاشتراكيون في الأزمة الأخيرة في تهيئة الظروف السياسية لصالح
أهدافهم الخاصة كالتالي:
1- الاستفادة القصوى من استمرار قبضتهم على مقدرات
الأمور في المناطق الجنوبية والشرقية حتى وصل الأمر إلى درجة التجريد الفعلي
للمسؤولين من غير حزبهم من أي مسؤولية حقيقية، بل إنهم قاموا في بعض المحافظات
بتشكيل لجان حزبية لتسيير أمورها بعيدًا عن سلطة المحافظين، فيما ظهر محافظ عدن
«صالح السييلي» في صورة الآمر الناهي الذي يحكم قبضته على المدينة ومقدراتها دون
أي اعتبار للسلطة في صنعاء.
وتداول المواطنون أخبار المحافظ الذي تكاد كل تصرفاته تنطق بعدم
الاعتراف بالدولة في صنعاء في الوقت الذي يمارس فيه الوزراء والمحافظون
الاشتراكيون في المحافظات الشمالية سلطاتهم كاملة. ويبدو هدف الاشتراكيين واضحًا
من هذه المواقف فهي رسالة موجهة إلى صنعاء تفيد بقدرتهم على تحقيق ما يريدون في
المناطق التي يسيطرون عليها بقوة وتؤكد مقدرتهم على الاستقلال بشؤونها في أي لحظة
يشاءون وفرض سياسة الأمر الواقع.
2- تمكن
الاشتراكيون من حشد زعماء القبائل والأحزاب الصغيرة في تكتلات علنية لمساندة
مواقفهم ومعارضة سياسة الرئيس «علي صالح». والحقيقة أن الطرف الآخر يتحمل مسؤولية
نجاح خصومه الاشتراكيين في استغلال هذه الورقة، فقد بنى حزب المؤتمر بتوجيه التيار
العلماني فيه سياسته في السنوات الماضية على أساس التحالف مع علمانيي الحزب
الاشتراكي لإضعاف التيار الإسلامي داخل المؤتمر وخارجه، الأمر الذي أضعف جبهة
المؤتمر في الأزمة الأخيرة وأظهره بدون حلفاء يثقون به ولاسيما بعد أن عانوا من
سياسة المؤتمر التي يوجهها العلمانيون.
3- على الصعيد
الخارجي أوهم الاشتراكيون الآخرين بأنهم حصلوا على دعم دولي لأفكارهم ومواقفهم،
وعزز ذلك حقيقة أن الأزمة بدأت بعد عودة «البيض» من رحلة طويلة إلى أمريكا. كما
غير الاشتراكيون من مواقفهم إقليميًا وبدأوا سياسة إعلامية جديدة للتقرب من دول
الخليج، وتحميل الرئيس علي صالح وحزبه مسؤولية التدهور في العلاقات اليمنية
والخليجية، والتبرؤ من المواقف الرسمية التي أغضبت دول الخليج والمجاهرة بأن
الاشتراكيين لم يكونوا راضين عنها.
توازن القوى
من الأسباب التي أخرت اندلاع مواجهة عسكرية بين طرفي الأزمة هو هذا
التوازن في القوة المسلحة لكل منهما ووجود قوات مسلحة للطرفين في مناطق نفوذهما،
الأمر الذي أقنع الطرفين بأن حربًا أهلية شرسة تنتظر أي خطوة حمقاء يقوم بها أي
منهما. بالإضافة إلى ذلك فإن تعلق اليمنيين العاطفي بالوحدة وموقف الأطراف الأخرى
الرافض للمواجهة العسكرية قد أسهم في عدم اندلاع شرارة الصدام المسلح.
وبالنسبة للتيار الإسلامي المتمثل بالتجمع اليمني للإصلاح، فقد أسهم
قياديوه المشاركون في الحكومة في محاولات تقريب وجهتي النظر، وشكل وجودهم في
السلطة حاجزًا قويًا يمنع وصول الأزمة إلى مستوى خطير لا يمكن السيطرة عليه.
والحقيقة أن «الإصلاح» قد تحمل الكثير في سبيل تخفيف حدة التوتر، وغض الطرف طويلًا
عن القوى التي سعت إلى تحميله مسؤولية الأزمة! وشنت عليه حملة إعلامية عاجزة لدفعه
إلى التهور واتخاذ مواقف تزيد من سخونة الأزمة.
اليمن الآن يعيش مرحلة غير واضحة المعالم، فالنظام الديمقراطي الذي تم
اعتماده بعد الوحدة سوف يلفظ أنفاسه في حالة استمرار الأزمة أو تفجرها «لا قدر
الله»، بل إن الوصول إلى اتفاق سياسي جديد يعطي ضمانات للاشتراكيين لا تتفق مع
نتائجهم في الانتخابات معناه الانقلاب على خيار الاحتكام إلى الشعب والديمقراطية،
وهو أمر يجعل وحدة البلاد واستقرارها مهددين في أي لحظة يفشل الطرفان فيها في
الحفاظ على توازن القوى بينهما.
هل ترغب في أن أقوم بتحويل هذه النقاط السياسية إلى جدول مقارنة بين
مواقف الأطراف المتصارعة في الأزمة؟