العنوان أزمة الإساءة بين القلب والعقل
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006
مشاهدات 65
نشر في العدد 1688
نشر في الصفحة 19
السبت 11-فبراير-2006
قلبي يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجد- مثلما يجد كل قارئ في سيرته العطرة- لمحات مبهرة للشخصية الفذة التي نالت شرف التكريم الإلهي فوق سائر العالمين. وكلما زادت عظمة الشخصية وأهميتها زاد الهجوم عليها.. حدث هذا في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد مماته.. ولو كانت قريش تعرف الكاريكاتير والنكتة لربما وجدنا نماذج كثيرة لهذا في السيرة، ولكن مثل هذه الفنون لم تكن معروفة آنذاك، وهم كانوا أهل كلام ولذلك حاولوا تشويه صورته بادعاء أنه ساحر أو مجنون أو طالب سلطة ... إلخ.
ومنذ قرون طويلة خرج من يدعى أن لله ولداً. وهو افتراء عظيم، قال عنه الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم: 88 – 93). ومع عظم الجرم والافتراء لم ينزل الله عليهم عاجل عقوبته ومن تاب منهم بعد ذلك قبل الله توبته. ويعيش في عالمنا اليوم عشرات إن لم يكن مئات الملايين من الملحدين الذين لا يؤمنون بالله ولا بالرسل، وتصدر كل يوم كتب وصحف تحمل تجديفاً شنيعاً في حق الله سبحانه وتعالى وفي حق رسله الكرام. فهل ينال هذا الهراء والغثاء من مقام الذات الإلهية أو مقام الرسل الكرام؟ مطلقاً.
ولكن يحدث أحياناً أن تقع تحت دائرة الضوء أحداث معينة يجري التركيز عليها وتنال نصيباً وافراً من ردة الفعل، كما حدث مع سلمان رشدي وآياته الشيطانية، وتسليمة نسرين، ووليمة على أعشاب البحر ورسوم الصحيفة الدانماركية.. ولكن هل هذه كل ما كتب أو رسم عن الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ بالتأكيد هناك أضعاف ذلك، بعضه علم به بعض المسلمين وسكت وبعضه لم نعلم به، فما موقفنا إزاء مثل هذه التجاوزات؟
من الطبيعي بل من الواجب أن نغضب لمقام رسولنا الكريم ومن لم يغضب لذلك فهو آثم، ولكن كيف نترجم هذا الغضب إلى فعل؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب لاجتراء قريش على الله سبحانه بالشرك وعبادة الأصنام وتدنيس الكعبة المشرفة وهي جرائم بشعة في حق الله سبحانه وحق بيته المكرم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا الغضب دافعاً لسلوك إيجابي وهو الحرص على بيان رسالة الإسلام لهؤلاء المشركين، ولم يكن يدخر وسعاً أو يترك فرصة تسنح إلا استثمرها في سبيل نشر دعوته.
قبل أربعة أشهر
نشرت الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أربعة أشهر في الدانمارك وفي الأسبوع الأخير توالى النشر في عدة صحف أوروبية، بل وعربية كما حدث في الأردن، ولكني لم أسمع أو أقرأ أن هناك من سعى لفتح نقاش مع أولئك الذين تحمسوا للنشر في تلك البلدان ومن ناصروهم وأيدوهم حول حدود حرية التعبير، وماذا يعرفون عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولة تغيير الصورة المشوهة التي تركبت في أذهانهم عنه وعن الإسلام وأن عليهم أن يفهموا طبيعة شخصية المسلم ونظرته لنبيه الكريم، وأن القدح في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم يسوء المسلم أكثر مما يستاء للقدح في شخصه ذاته، وبالتالي فإن التعرض لشخصه الكريم يعد انتهاكاً لحقوق سائر المسلمين.
لقد عجبت مما كتبته صحيفة «فرانس سوار» الفرنسية التي أعادت نشر الرسوم فقد كان عنوانها: نعم لنا الحق في رسم كاريكاتير عن الله..
ثم أردفت بالداخل بأنه «يحق لنا رسم صور كاريكاتورية لمحمد ويسوع المسيح وبوذا ويهودا وكل أشكال الألوهية»!! سبحان الله.. وهل قال أحد من المسلمين إن محمداً صلى الله عليه وسلم إله؟ إن من يقول بذلك يكفر بالله وبمحمد ويتبرأ منه محمد!
إنني أفترض أن وراء هذا القول جهلاً وصورة مشوهة وتسرعاً في الحكم، ولا أعتبرها مؤامرة على الإسلام، وبالتالي فإن رد الفعل ونوع التحرك المطلوب ينبغي أن يتوافق مع هذا التصنيف للفعل.
أخشى أن يكون الانفعال وتفريغ شحنة الغضب في التظاهر أو أعمال عنف من قبيل حرق سفارتي الدانمارك والنرويج في سورية نوعاً من التهرب - المقصود أو غير المقصود- من القيام بالواجبات الحقيقية لنصرة الإسلام ونبي الإسلام.
لقد أعلن رئيس تحرير صحيفة كريستيان ما جازيت النرويجية التي أعادت نشر الرسوم اعتذاره عما فعل، وكان سبب تراجعه - حسبما نسب إليه ـ أنه تلقى تهديدات بالقتل وأنه يشعر بالخوف بسبب التصاعد المستمر للأزمة، وأنه أعاد نشر الرسوم كتعبير عن حرية الرأي، لكنه غير رأيه بعد تلقيه ٢٥ تهديداً بالقتل معظمها من خلال البريد الإلكتروني وآلاف من رسائل الكراهية من خلال البريد.
ترى هل هذا هو نموذج الاعتذار الذي يرضي النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا بالتأكيد، بل أتصور أن هذا الشخص أصبح اليوم أشد بغضاً للإسلام. فالمطلوب هو الإقناع بالحوار والحجة والمنطق حتى لا تتكرر الإساءة منه أو من غيره في العلن.. أو في السر.