; قضايا دولية: 1182 | مجلة المجتمع

العنوان قضايا دولية: 1182

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996

مشاهدات 60

نشر في العدد 1182

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 02-يناير-1996

أزمة جديدة بين أصدقاء قدامى

اليمن – أريتريا 

النزاع اليمني الإريتري:

صنعاء: ناصر يحيى

أحدث الاحتلال الإريتري لجزيرة حنيش الكبرى اليمنية صدمة سياسية في اليمن، وعلى الرغم من أن الموقف الرسمي لليمن ظل يؤكد على ضرورة إيجاد حل سلمي للأزمة، إلا أن صدمة الحدث بدت واضحة في المرارة التي طبعت الخطابين الرسمي والشعبي بعد إعلان انفجار النزاع بين اليمن وإريتريا حول ملكية الجزيرة التي تبلغ مساحتها حوالي ٦٥ كيلو مترًا مربعًا.

علي عبد الله صالح

أسياس افورقي

ولعل من الأسباب التي ضاعفت من الشعور بالمرارة عند اليمنيين وجود قناعة لديهم بأن العلاقات اليمنية الإريترية كانت تتسم بقدر كبير من التفاهم والود بين قيادتي البلدين، الأمر الذي رسخ انطباعًا بأن الإريتريين يكنون ودًا عميقًا وامتنانًا للدور اليمني في دعم الثورة الإريترية، وتوفير ساحة للعمل الإعلامي والعسكري للثوار، بحيث كان عدد من المناطق اليمنية، ولاسيما جزيرة حنيش الكبرى ساحات خلفية للعمليات الفدائية والتموينية الإريترية.

ولا يزال كثيرون يرددون أن الرئيس الإريتري أفورقي نفسه كان يعيش في اليمن ودرس في جامعتها، كما أن الرئيس علي صالح نفسه قدم دعمًا قويًا لأفورقي بعيد استقلال إريتريا. وأهدى إليه سيارة خاصة وأسهم في تأثيث قصر الرئاسة في أسمرة، وعندما اندلعت الحرب الأهلية اليمنية في مايو ١٩٩٤م، كان الموقف الإريتري متعاطفًا مع صنعاء، واستضافت «أسمرة، أسطول الطيران المدني اليمني عدة أيام في بداية الحرب. 

وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن كون إريتريا دولة صغيرة حديثة الاستقلال، فقد أثار احتلالها للجزيرة شعورًا بالهوان لدى اليمنيين الذين اعتبروا الأمر مساسًا بكرامتهم، وتحديًا مهينًا للدولة، ومدى قدرتها على الحفاظ على سيادة اليمن واستقلاله.

في الوقت الضائع .....

والحقيقة أن قضية جزر المدخل الجنوبي -للبحر الأحمر قضية قديمة تعود إلى أيام - الستينيات والسبعينيات في ذروة الصراع العربي الصهيوني. فالكيان الصهيوني أعطى - البحر الأحمر أهمية كبيرة في إستراتيجيته العسكرية والاقتصادية، فالبحر الأحمر هو همزة الوصل بين إسرائيل وإفريقيا، وازدهار التجارة بين الطرفين مرتبط بميناء إيلات وحرية المرور في خليج العقبة، ثم سلامة المرور في باب المندب. وفي عام ١٩٦٧م كان إغلاق خليج العقبة هي الطلقة الأولى التي برر الصهاينة بها عدوانهم.

وفي عام ١٩٧٣، كان إغلاق باب المندب بواسطة القوات البحرية المصرية إحدى الضربات المؤلمة التي تعرض لها اليهود، وكان -من شروطهم الأولى بعد الحرب فك الحصار المصري على باب المندب. وفي تلك السنوات كانت العلاقات الإسرائيلية الأثيوبية ذات أولوية خاصة للصهاينة، بسبب أهمية المدخل الجنوبي، وظل الأمر كذلك رغم تغيير نظام الإمبراطور هيلاسلاسي واستيلاء الشيوعيين على الحكم - في أديس أبابا.

وعندما أعلن استقلال إريتريا، برزت فجأة العلاقات الحميمة بين الصهاينة والرئيس الإريتري الجديد أفورقي الذي قضى شهرين -في إسرائيل لتلقي العلاج. 

وفي كل تلك الأطوار، ظل الاهتمام العربي الجماعي بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر ضعيفًا. وخاصة أن اليمن لم يكن قادرًا وحده على القيام بعملية التصدي للتواجد الصهيوني في جزيرة دهلك، وعندما استقلت إريتريا بدا أن المنطقة لن تشكل مصدرًا للمتاعب بين الجيران مع وجود مستوى رفيع من العلاقات الثنائية.

لماذا حنيش؟

منذ اندلاع الأزمة والوسط السياسي والشعبي اليمني مشغول بمحاولة البحث عن تفسيرات للأزمة مع إريتريا، ومن أسباب توقيتها وأهدافها. وتكاد الآراء في اليمن تجمع على أن ثمة أصابع إسرائيلية وراء الأزمة تحقيقًا لأهداف بعيدة المدى أو تتصل بعملية السلام التي تدور مجالاتها شمال البحر الأحمر، وعلى الرغم من أن الموقف الرسمي لليمن من السلام مع إسرائيل، لا يمكن وصفه بالمتشدد لكن -أيضًا -لا يمكن تقييمه بأنه متعاطف بقوة بالنظر إلى وجود معارضة قوية للسلام مع اليهود، وخاصة داخل الائتلاف الحاكم في صنعاء، وهو أمر يجعل أية مشاركة يمنية في عملية السلام، معرضة لانتقادات شديدة في الداخل، بينما تكون المشاركة ضعيفة تفاديًا للضغوط السياسية والاقتصادية التي صارت تلوح بها قوى مؤثرة ضد كل من يعارض العملية. وتفترض بعض التحليلات أن الصهاينة سعوا إلى دفع أفورقي إلى احتلال حنيش بعد أن بدأت بعض الشركات الغربية في إقامة مشاريع استثمارية في الجزيرة، وهو ما يعني أن حقبة الإهمال التي تعيشها الجزر في تلك المنطقة قد بدأت في الزوال، وكل ذلك يقتضي حضورًا يمنيًّا أكبر من ذي قبل، وربما تطور إلى حضور عسكري وإداري هام مع تطور الاستثمارات المتوقعة، وبالتالي فإن خطوط التجارة الإسرائيلية، سوف تشهد تغيرات سلبية في ضوء الموقف اليمني العام من تطبيع العلاقات مع إسرائيل!!وتذهب تلك التحليلات إلى أن الهدف الواضح من احتلال حنيش هو المساومة عليها في مقابل انضمام اليمن إلى قائمة الدول العربية التي بدأت تسرع من عملية التطبيع، أو يتم تحييد الجزيرة الهامة وإبعادها عن السيطرة اليمنية، واقتراح نوع من الإشراف الدولي بحجة خطورة المنطقة وأهميتها في التجارة العالمية وقربها من منابع النفط. وجاء دور أفورقي! ظلت الطريقة التي رتب بها الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر، عملية استبدال نظام منجستو الشيوعي واستقلال إريتريا، وصعود أفورقي، إلى قمة السلطة في أسمرة، ظلت تلك الطريقة مثار شكوك لدى كثير من المتابعين الإسلاميين والعرب لتطورات الأوضاع في القرن الإفريقي.وعندما بدأت الخلافات والاتهامات بين السودان وإريتريا تبرز على السطح، كشف أفورقي، عن جانب من حقيقة الدور الذي سيقوم به في المنطقة، فقد انقلب الرجل عدوًا صريمًا للسودان رغم العلاقات الوثيقة التي ربطت السودان في كل عهوده بالثورة الإريترية وفصائلها المسلمة. وقد كلل أفورقي مواقفه ضد السودان برفضه قبول عودة مئات الآلاف من الإريتريين اللاجئين على الحدود السودانية الإريترية خوفًا من ازدياد نسبة المسلمين والعرب في التركيبة السكانية لإريتريا، إضافة إلى تنبيه المعارضة السودانية التي عقدت مؤتمرًا لها في أسمرة، حضره السفيران الأمريكي والإسرائيلي، وتم فيه إعلان مخططات لإسقاط النظام الحاكم في الخرطوم، وهو أمر لم تتجرأ على إعلانه دول تعادي السودان بأقوى وأقدم مما يفعله أفورقي. وفي حركة مفاجئة التفت نظام أسمرة جهة الشرق ليثير أزمة غير متوقعة، ولاسيما أن اتفاقًا يمنيًّا -إريتريا قد تم حول تأجيل البحث في القضية إلى ما بعد شهر رمضان المقبل. ولأن إريتريا دولة صغيرة تعاني بقوة من متاعب كبيرة، إلا أن مواقف النظام فيها التي جاوزت قدراته تنبئ أن هناك من يقف وراء كل تلك المواقف ويدعمها، أو على الأقل يوفر لها قدرًا من الجرأة واللامبالاة بردود فعل الآخرين. الموقف اليمني من الصدمة إلى المبادرة! على صعيد الشارع اليمني يسود شعور بأن هناك تقصيرًا واضحًا في معالجة الأزمة منذ أن بدأ الإريتريون يلوحون بتبعية الجزيرة لهم، ويقدمون اعتراضات على التواجد اليمني في الجزيرة. شعور في اليمن بأن السكوت على ما حدث يسقط هيبة الدولة ويفتح الباب أمام المجهول من العواقب وعلى الرغم من أن معظم اليمنيين لم يكونوا يعرفون -تقريبًا -شيئًا عن حنيش والجزر التي حولها ... إلا أن تسارع تطورات الأزمة حول الأمر إلى قضية وطنية أجمع عليها فرقاء السياسة اليمنية كلهم... وبدا أن هناك شبه تفویض وتأييد شعبي لاستعادة الجزيرة بأي أسلوب. على صعيد الحكومة اليمنية، فيمكن القول إن اندلاع الأزمة جاء في أشد الأوقات حساسية ولاسيما في الجانب الاقتصادي؛ حيث كانت الحكومة تخطط الإعلان المرحلة الثانية لبرنامج الإصلاح المالي والإداري، وهي تتضمن جرعة ثانية قاسية من الإجراءات التي أثارت خلافًا مكتومًا بين حزيي الائتلاف حتى يوم إعلان أزمة الجزر، لكن استمرار الأزمة سوف يؤدي -غالبًا - إلى التمهل وعدم المجازفة في إعلان الإجراءات الاقتصادية التي يتوقع أن تواجه معارضة شعبية قوية. ولعل هذا التأجيل يأتي لصالح الإسلاميين المشاركين في الائتلاف الحاكم والذين يعارضون اتخاذ إجراءات اقتصادية قاسية يتحمل المواطنون تكاليفها، وهم وإن كانوا أعلنوا معارضتهم لتلك الإجراءات إلا أن تمتع المؤتمر الشعبي العام بأغلبية قوية في مجلس الوزراء يسمح له بإقرار البرنامج دون حاجة لموافقة الإسلاميين الذين سيجدون أنفسهم في وضع شعبي حرج للغاية قد يدفعهم للانسحاب من الائتلاف الثنائي. على صعيد ثانٍ اندلعت الأزمة بينما اليمن تعطي اهتمامها الأكبر لتسوية أمورها مع جارتها المملكة العربية السعودية؛ حيث تظل قضية الحدود والعلاقات الثنائية بين البلدين هي المحور الأهم في السياسة الخارجية اليمنية، وفيما يعلن كل من اليمن وإريتريا دعوتهما لحل الأزمة بالحوار وقبولهما بالوساطات الإقليمية والدولية، يبدو مستقبل الأزمة أقرب للانفجار والتسخين، فإريتريا سيكون من الصعب عليها أن تنسحب من الجزيرة؛ لأنها تعلم أنها لن تعود إليها من جديد.. ثم إن الدفاع عنها يبقى أكبر من قدراتها بكثير، وفي المقابل فإن هناك شعورًا في اليمن إن الرضا أو السكوت على ما حدث يسقط هيبة الدولة ويفتح الباب أمام المجهول من العواقب، فالحل السياسي ربما يطول سنوات. بينما يبدو الحل العسكري الممكن الوحيد الذي يحمل معه كذلك -أخطارًا ربما تخرج القضية إلى مجال لا قبل لأحد به. 

الأنسي يستبعد الخيار العسكري

الدوحة: حسن على دبا

سواء انتهى هذا الصراع بين اليمن «المحسود» حسب تعبير نائب رئيس الوزراء اليمني السيد عبد الوهاب الأنسي أم استمر، فإنه لن يكون الأخير. فإن ما تحقق من إيجابيات وخطوات جادة في مسيرة الوحدة بين شطري اليمن لا يرضي بعد الكبار، كما أن العين الإسرائيلية على المنطقة لا تغفل أو تنام منذ أن بزغ نجم العصر الإسرائيلي في المنطقة. رغم هول المفاجئة التي منيت بها الأوساط السياسية في العالم من جراء السيطرة الإريترية على جزيرة حنيش اليمنية، فإن قليلًا من الشفاء لفاقدي الذاكرة يمكن أن يذكر بعضهم بأن العلاج الإسرائيلي لصحة الرئيس الإريتري كان برمجة مستمرة لشحذ القدرة الإريترية ودفعها للسيطرة على البحر الأحمر، فبينما كان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في طريقه إلى عمان لتوقيع وثيقة العهد والاتفاق بين اليمنيين كانت أسمرة، إحدى محطاته، ولم تكن العاصمة الإريترية على كل الأحوال ببعيدة عن الصراع داخل اليمن والذي حسم بوحدة يمنية واحدة، مما جعل بعض المراقبين يشير إلى أن دافعًا قد دفع أفورقي ولعب بعقله ليتحرش باليمن ويحتل هذه الجزيرة. وبينما ترى حركة الجهاد الإسلامي الإريتري أن النظام دأب منذ وصوله إلى السلطة على خلق المتاعب مع جيرانه، ساخرًا في الوقت نفسه بالدول العربية ومستهزئًا بالجامعة العربية، وتأييدها للثورة الإريترية أثناء الكفاح المسلح، فإن الدعم الصهيوني والتأييد الواضح لأفورقي، قد جعل أمر إريتريا شأنًا إسرائيليًّا، ووزير الصحة الإسرائيلي إفراييم سنيه ينوه بعلاقات الصداقة بين إسرائيل وإريتريا قائلًا: إن إريتريا بلد صديق تحتل موقعًا إستراتيجيًّا مهمًّا جدًّا بالنسبة لحرية الملاحة في البحر الأحمر، وفي مواجهة السودان الأصولي. وفي زيارته للدوحة صرح نائب رئيس الوزراء اليمني عبد الوهاب الأنسي بأن اليمن يفتح أبوابه لأي جهد يبذل لاحتواء الأزمة. وقد جاءت مبادرة قطر بالوساطة بين البلدين بناء على علاقاتها المتميزة مع كل من اليمن وإريتريا التي رشحتها فورًا للقيام بهذا الدور، وقد سبقت زيارة الأنسي لقطر زيارة مماثلة من وزير الخارجية القطري تعلقت بالموضوع نفسه غير الاتصالات الهاتفية بين أمير دولة قطر والرئيس اليمني والرسائل المتبادلة من جانب ثالث. ولعل دور الوساطة المكثف الذي بادرت به أيضًا كل من مصر وإثيوبيا قد جعل نائب رئيس الوزراء اليمني يؤكد بأن اليمن قد استبعدت الخيار العسكري. لكن ضغوطًا داخليةً وخارجيةً قد بذلت خلال الأيام القليلة الماضية لدفع الرئيس اليمني لاختيار الحسم الجهادي للمشكلة. ترى هل يختار السلاح أم الحوار؟

الرابط المختصر :