العنوان صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (١٠٥)- أساليب المخابرات ومعارك السياسة الدولية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996
مشاهدات 58
نشر في العدد 1208
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 16-يوليو-1996
في اعتقادي أن المؤامرة مرت بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: كانت عملية اختطاف دبرتها مجموعة من عملاء المكتب الثاني اللبناني لحساب المخابرات المصرية، وكان يقصد بها وضعي في طائرة متجهة إلى القاهرة، بدلًا من الطائرة المتجهة إلى السعودية، لكنها أوقفت بسبب تدخلات الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري وممثل الخطوط السعودية، والقائم بأعمال السفارة المغربية، وفوق ذلك كله إرادة القدر وتقدير الله تعالى.
المرحلة الثانية: أن هذه المجموعة بدأت في اصطناع تحقيق وقضية يغطون بها العملية الفاشلة حتى لا تنكشف هذه المؤامرة، وحتى لا تعرفها السلطات اللبنانية فتحاسبهم عليها، وكان التحقيق القضائي في إطار اتهام لنا باعتبارنا من الإخوان المسلمون المعارضين للحكم العسكري في مصر أما الإعلام فقد حولها لهجوم على التضامن الإسلامي والمملكة العربية السعودية.
المرحلة الثالثة: موقف الحكومة اللبنانية بعد أن فشلت مؤامرة الاختطاف، وبعد أن أنتهى التحقيق ضد الإخوان إلى لا شيء تقريبًا، فإن الحكومة اللبنانية حكومة رشيد كرامي الموالية الناصريين تعرضت لضغوط داخلية وخارجية فبدأت مرحلة جديدة وهي مرحلة المساومة، لابتزاز الحكومة السعودية والمساومة والمماطلة في الإفراج عنا للضغط على المملكة العربية السعودية لدفعها إلى تجديد الاتفاقية التجارية، الأمر الذي أصر الملك فيصل على رفضه طالما بقيت هذه الحكومة الناصرية في لبنان ودعايتها التي ادعت أننا عملاء الحلف الإسلامي.
الابتزاز:
في ذلك الوقت كان جو لبنان كله يزدحم بالابتزازات، كان الفرد يبتز وبعض عملاء المكتب الثاني يستغلون عملياته لأهداف خاصة بهم، بل وكان كل عنصر من عناصره وعملائه له مصالحه وأهدافه ومطامعه الشخصية، وقد قيل إن الحكومة كانت تمارس عمليات ابتزاز للمملكة العربية السعودية.
إن الحكومة اللبنانية حصلت في فترة من الفترات من الحكومة السعودية على اتفاقية تجارية تعطيها امتيازات كبيرة.
إن لبنان كان ينفرد بين الدول العربية بنظام سياسي فيه الحريات مكفولة للبنانيين وغير اللبنانيين، مما شجع كثيرين سواء كانوا من اللبنانيين أو غيرهم ممن يقيمون في لبنان أن يسيئوا استعمال تلك الحريات الإعلامية الموجودة في لبنان للابتزاز بمهاجمة بعض الحكومات لصالح حكومات أخرى، وكان ذلك يتم غالبًا بواسطة حملات صحفية وكان هدف تلك الحملات في بعض الأحيان مصالح شخصية أو استغلالية حتى وجدت طائفة تضم كثيرًا من العناصر تعيش على هذا الابتزاز، فهي تستغل الخصومات الحادة بين النظم الحاكمة وتعمل لحساب أي نظام طالما هو يدفع، فإذا قصر في الدفع أو عجز عن الدفع بدأوا يهاجمونه حتى يضطر إلى أن يعيد الدفع، وإلا بحثوا عن غيره ليمارسوا معه عملية الابتزاز، لأن الصحف في لبنان كانت حرة وتتمتع بحرية كبيرة، استغلها الكثيرون في مهاجمة النظم القائمة في البلاد العربية الأخرى والتشهير بها، حتى ازدحمت ساحة الصحافة بعناصر تفرض إتاوات على بعض الحكومات العربية، بل وعلى بعض الشخصيات السياسية أو المالية في لبنان وغيرها.
وكان اعتقالي مقدمة لاختطافي أولًا، ثم استغلال ذلك لإشعال نار الحملة المسعورة على الإخوان ثانيًا، والتضامن الإسلامي بعد ذلك، وبدأ قبلها أوركسترا الصحافة الناصرية بمهاجمة الإخوان والتشهير بهم. ثم تحول إلى مهاجمة السعودية بسبب دعوتها للتضامن الإسلامي الذي يعارضه الحكم العسكري في مصر في ذلك الوقت، وكان أكبر اتهام يوجهونه للإخوان في نظرهم أنهم عملاء التضامن الإسلامي.
قرأت هذا في الخبر الصغير الذي لاحظته على غلاف إحدى المجلات قبل أن يقبض علي، وكان ذلك تمهيدًا لعمليات الاختطاف والتشهير وتشجيعًا للقائمين بعملية النقل إلى مصر، وتبريرًا لها مقدمًا، على أمل أن تواصل الصحف تغذيتها باعترافات مثيرة تلفقها السلطات المصرية بعد وصولي إلى مصر وتنسبها إليَّ.
كان هدف العملية أن يعلن أن شخصًا قبض عليه في الخارج تنفيذًا لحكم عسكري صدر منذ عام ١٩٥٤م، ونقل إلى مصر في صندوق أو غير صندوق وأعتقل مع ألاف من الإخوان المسلمون ونسبت إليه اعترافات مزورة تغذي الحملة الإعلامية وتُثير الرأي العام بعد أن يُهيأُ لذلك بواسطة الدعاية الصحفية ضد التضامن الإسلامي الذي تدعو له السعودية التي يطمع كثيرون في ابتزازها، ولما فشلت عملية النقل تحولت إلى محاكمة لنفس الغرض.
في مرحلة التحقيق كانت الحملة الصحفية والدعاية المعادية لنا مضطربة مشوشة متضاربة ليس لها خطة ولا هدف، فلم يجدوا أمامهم سوى الاتجاه إلى مهاجمة التضامن الإسلامي، والمملكة العربية السعودية التي تدعو له، وخاصة الملك فيصل الذي رفع هذا الشعار، وكذلك الإخوان عامة بحجة أنهم عملاء التضامن الإسلامي، أو بمعنى آخر عملاء المملكة العربية السعودية، وهذا التشهير بالمملكة كان القصد منه الابتزاز لصالح بعض النظم أو بعض الأفراد أو بعض الصحف التي تحتاج إلى تمويل متواصل، ولكن الحكومة نفسها يظهر والله أعلم، أنها أيضًا أرادت أن يكون لها نصيب وأن تكون لها فائدة من وراء هذا الاعتقال، ولولا هذا لكانت أخرجتنا، لأن الاعتقال ليس له أصل ولا أساس، ولكن بكل أسف لا أستطيع أن أعرف من كان الوزير، ومن كان المسؤول في ذلك الوقت، ولا أريد أن أعرف لأنها أشياء قد مضت، إنما أنا أسجل هنا الأفكار والخواطر التي دارت، فعندما كنت معتقلًا داخل السجن، وذهبت إلى قاضي التحقيق رأيته شابًا ناشئًا خجولًا من ممارسة التحقيق الذي أمامه؛ إذ كان يشعر أنه لا يوجد أي مبرر للاعتقال وخصوصًا اعتقال أناس من خارج البلاد، ولهم مركز في بلادهم أو في غير بلادهم، ولم يكن هناك أبدأ سبب لاعتقالنا، إلا شيء واحد وهو أن بعض العملاء وجدها فرصة لأن يثير الحكومة السعودية ويبتزها..
(*) أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل