العنوان الإسلام بين تدبير الخلق ووعد الحق (۳)
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1986
مشاهدات 57
نشر في العدد 790
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 04-نوفمبر-1986
- أساليب محاربة رجال الدعوة والفكر الإسلامي
لقد قلت في المقال السابق: لقد تضمن مخطط التهامي المقدم للرئيس السادات للقضاء على الإسلام أربع نقاط:
الأولى: التصفية الجسدية لحاملي الفكر الإسلامي.
الثانية: تحطيم معنويات رجال الفكر الإسلامي.
الثالثة: التشكيك بصلاحية الإسلام لهذا العصر.
الرابعة: استبدال المبادئ الإسلامية بمبادئ غيرها.
ويظهر من الرجال الذين اشتركوا في وضع هذا المخطط، أنه ليس من فكر التهامي فحسب بل من فكر العديد من مراكز القوى في العالم وأنه ليس خاصًا بمصر وحدها، وإنما هو عام لجميع بلاد المسلمين إلا ما رحم ربك.
ثم تناولت بيان البند الأول من هذا المخطط، وأنه ينفذ بكل دقة في العديد من الأقطار الإسلامية، وسأتناول في هذا المقال بيان البنود التالية فيه:
ثانيًا: تحطيم معنويات الفكر الإسلامي
المعنويات القوية هي السلاح الأمضى الذي يستخدم ضد العدو في كل ميدان، سواء كان في ميدان الفكر، أم في ميدان الحروب، فإذا ما تحطمت المعنويات ارتجفت اليد التي تحمل السلاح، وأصبح سلاحها عصا تتوكأ عليها في هروبها من المعركة، وإذا ما تحطمت المعنويات ارتجف الفجر، وأصبح غير قادر على التفكير المستقيم، ولا على صنع القرار السليم.
ولذلك رأينا المخطط الذي يهدف إلى القضاء على الإسلام لم يهمل تحطيم معنويات رجال الفكر الإسلامي.
وتحطيم معنويات رجال الفكر الإسلامي يتم بأسلوبين:
الأسلوب الأول: هو أسلوب تحويل اهتماماتهم من اهتمامهم بالإسلام إلى اهتمامهم بالدنيا ومغرياتها، وينصح الدكتور ريتشارد ب. متشل باتباع الطرق التالية:
1- تعيين من يمكن إغراؤهم بالوظائف العليا، حيث يتم شغلهم بالمشروعات الإسلامية الفارغة المضمون، وغيرها من الأعمال التي تستنفد جهدهم، وذلك مع الإغداق عليهم أدبيًا وماديًا، وتقديم تسهيلات كبيرة لذويهم، وبذلك يتم استهلاكهم محليًا، وفصلهم عن قواعدهم الجماهيرية.
2- العمل على جذب الميول التجارية والاقتصادية إلى المساهمة في المشروعات المصرية الإسرائيلية المشتركة المزمع إقامتها بمصر بعد الصلح- أقول: هذا في مصر خاصة.
3- العمل على إيجاد فرص عمل وعقود مجزية في البلاد العربية البترولية، الأمر الذي يؤدي إلى بعدهم عن النشاط الإسلامي.
4- أما بالنسبة للشباب الإسلامي فينصح ريتشارد ب متشل بمحاولة إفراغ طاقاتهم المتقدة في الطقوس التعبدية التي تقوم عليها قيادات كهنوتية متجاوبة مع السياسات المرسومة.
الأسلوب الثاني: هو أسلوب الإحباط، ويكون ذلك باتباع الطرق التالية:
1- الحط من كرامة رجال الفكر الإسلامي وأساليب الحط من الكرامة لا تعد ولا تحصى، ويمكن أن يتفنن بها الخبير كما يشاء ويهوى، وقد ركز اليهود في مخططاتهم على موضوع إهدار الكرامة لأصحاب الفكر الإسلامي حتى أصبح فعلهم هذا ظاهرًا للعيان، فقد جاء في بروتوكولات حكماء صهيون -البروتوكول السابع عشر- ما يلي: «وقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من غير اليهود في أعين الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالاتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كؤودًا في طريقنا وأن نفوذ رجال الدين على الناس يتضاءل يومًا فيومًا».
ولعل أهم وسائل حط الكرامة وسيلتان: أولاهما مادية، والثانية معنوية.
أما المادية فهي: الفقر والعوز، وتطبيق هذه الوسيلة ظاهر في كثير من البلدان الإسلامية فرواتب الموظفين الدينيين هي أقل الرواتب، وفي بعض البلدان الإسلامية رواتب جميع الموظفين تزيد زیادات دورية إلا رواتب الموظفين الدينيين فهي رواتب مقطوعة لا تزيد أبدًا، وهي من القلة بحيث لا تغطي أجرة البيت، وهذا يضطرهم لسكنى أحقر البيوت، وفرشها بأحقر الأثاث، وهذا أيضًا مما يضطر بعض رجال الدين أن يظهروا للناس بثياب خلقة، ويشتروا من عند البقال أردأ أنواع الأطعمة، ويركبوا طريق التخلف الاجتماعي، الذي يتبعه التخلف الفكري، حيث لا تتاح لهم فرص تعليم أهلهم وأولادهم، ولا تثقيف أنفسهم، واقتصارهم في مطالعاتهم على الكتب القديمة الموروثة، لأنهم لا يملكون ثمن الكتب الجديدة، ولا يملكون ثمن الجريدة اليومية، أو المجلة التي تفتح آفاقهم على الدنيا الجديدة، أما غير الوظائف الدينية فإنه لا يجوز أن يقبل فيها واحد منهم، وبذلك جاءت التوصية التاسعة:
أولًا: في تقرير التهامي الذي نوهنا عنه سابقًا -ونصها: «۹ -إغلاق فرص الظهور والعمل أمام ذوي الأفكار الرجعية أو المظهر الرجعي في المجالات العلمية والعملية».
أما المعنوية فهي تشويه سمعتهم فقد جاء في التوصية الثانية أولًا: في تقرير التهامي ما يلي: «٢- التحري والتدقيق عن الآباء الروحيين المعاصرين للأفكار وتشويه سمعتهم» وما أكثر أساليب تشويه السمعة، وتأتي في طليعة هذه الأساليب تصيد الأخطاء التي يقعون فيها وتجسيمها وإشاعتها، ومنها ما جاء في التوصية الثالثة أولًا: في تقرير التهامي «٣- تحريك قضايا التطرف الديني من وقت لآخر، وتسليط الأضواء عليها إعلاميًا مع تشجيع غلاة المتطرفين بعد القبض عليهم وتصعيد الغرور فيهم حتى تكون تصريحاتهم المغرورة المتزمتة مادة لأجهزة الإعلام لإثارة الجمهور عليهم بدلًا من التعاطف معهم، ثم ربط هذه القضايا بالعمالة لبعض الدول...». وبذلك يمكن استخدام التصريحات المغرورة التي يطلقها هؤلاء المتطرفون مثل قوهم «الدين يأمرنا بتحطيم كل الطواغيت والإشارة لشخص معين وإزالة كل المنكرات بالقوة والإشارة لعمل معين». مثلًا.. ضد أصحاب الفكر الإسلامي، وتعميمها عليهم، وجعلها شعارًا من شعاراتهم ومبدأً من مبادئهم، وبذلك يظهر الدين بمظهر السفاح الذي لا يرحم، والمدمر الذي لا يبني، والأخرق الذي لا يعرف الحكمة.. وهذا هو المطلوب تحقيقه..
ومن أساليب تشويه سمعة رجال الفكر الإسلامي نشر الشائعات حولهم أو حول أسرهم ولو لم يكن لها أصل، كالشائعات المخلة بالشرف، أو المخلة بالأخلاق أو المخلة بالدين، ومن أساليب تشويه سمعة رجال الفكر الإسلامي إيقاع الخلاف بينهم، وإغراء بعضهم ببعض، وتشجيعهم على كتابة التقارير السرية في بعضهم، ثم كشف هذه التقارير ليزداد الخلاف، ثم تجسيم هذا الخلاف لإظهارهم بأن بأسهم بينهم شديد، وأن معاملتهم لبعضهم بعضًا تتنكر لها الأخلاق الفاضلة، وبذلك تهدر كرامتهم أمام بعضهم البعض، وتكون أمام غيرهم أكثر هدرًا وأشد نكارة ويشهر بهم بهذا، وهذا ما يراد تحقيقه والوصول إليه، فقد جاء في التوصية السابقة أولًا: في تقرير التهامي «٧- مضاعفة الجهود المبذولة في سياسة العمل الدائم على فقدان الثقة بينهم، وتحطيم وحدتهم بشتى الوسائل، وخاصة بكتابة تقارير بخطهم عن زملائهم، ثم مواجهة هؤلاء الزملاء بهذه التقارير مع الحرص الشديد على منع كل من الأطراف من لقاء الآخر».
2- إيقاع الفرقة والاختلاف: لقد رأينا في الفقرة السابقة كيف يعمل على القضاء على كل مظهر من مظاهر التوحيد والتفاهم بين رجال الفكر الإسلامي، وكيف يحرص على تمزيق صفوف رجال الفكر الإسلامي، وإيقاع الخلاف بينهم وتغذية هذا الخلاف بالأحقاد التي يتم تعهدها بالرعاية والتنمية، خوفًا من أن يقود هذا التوحد والتفاهم بين رجال الفكر إلى انبثاق قيادة يلتف حولها رجال الفكر الإسلامي ومن ورائهم جماهير المسلمين، ويستعان على ذلك إضافة عما ذكرناه في الفقرة السابقة بإثارة الخلافات المذهبية وتعميقها بينهم وكانت هذه نصيحة الدكتور ريتشارد ب. متشل حيث جاء في الفقرة ب من ثالثًا من كتاب إلى رئيس هيئة الخدمة السرية بالمخابرات المركزية الأميركية: «تعميق الخلافات المذهبية والفرعية وتضخيمها في أذهانهم»، وقد كان هذا التدبير من وحي أفكار المستشرق «جب» حيث كتب في كتابه «وجهة الإسلام» ما يلي: «هناك ظاهرة كثيرًا ما يهملها الباحثون في حركات التجمع الإسلامي مهما كان نوعها، وهي أنها -أي هذه التجمعات- تنضج بسرعة مدهشة، حتى إن وجودها -كما أشار الأستاذ ماسيتون- يندر أن يخطر على بال أحد قبل أن يندلع لهيبها ويروع العالم، والمسألة الكبرى هي مسألة الزعامة، فحيثما يجد الإسلام صلاح الدين الجديد -رجلًا يجمع بين الحنكة السياسية وبين الشعور برسالته الدينية الذي يبلغ أعماق نفسه فإن ما عدا ذلك ينحل من تلقاء نفسه».
ومن هنا كان الخوف شديدًا من هذه التجمعات من أن تكون قيادة، وتعاليم الإسلام تساعد على تكوين هذه القيادة حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا» لأنها إذا ما تكونت القيادة كان احتمال الانفجار قريبًا، فقد كتب «لوثروب مستودارد» في «حاضر العالم الإسلامي» ما يلي:
«لا ينكر أن الخلافة ما برحت رفيعة المكانة في عيون المسلمين بلا ريب، غير أن قادة الجامعة الإسلامية الحديثة -يريد التجمع الإسلامي- ذوي العقول الثاقبة والذكاء المتوقد ما فتئوا منذ عهد بعيد يجدون في سبيل الجامعة الإسلامية في نطاق أوسع وأفق أبعد، وقد أيقنوا كل الإيقان أن القوة الكبرى التي تستمدها الجامعة الإسلامية اليوم ليست من مركز الخلافة، ولكن من بيت الله الحرام حيث الحجيج، إذ يأتمرون كل عام مؤتمرًا عظيمًا، ومن إنشاء الطرق الدينية المؤدية إلى الجامعة الإسلامية كالطريقة التي أنشأها السنوسي».
وقد أولى المبعوث الفرنسي إلى الجزائر إبان الثورة الجزائرية فيليب فونداني هذه التجمعات الإسلامية عناية فائقة، مهما كانت تافهة، حتى خص أكثر من نصف تقريره بهذه التجمعات ومنها التجمعات التي يكّونها مشايخ الصوفية لممارسة شعائر طرائقهم الصوفية.
ونشرت جريدة واشنطن بوست في عددها الصادر يوم ۲۱ يناير ۱۹۷۹ أن الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر كلف وكالة المخابرات الأميركية بالعمل على دراسة الحركات الإسلامية، وذلك بناء على طلب «زبزنيو بريجنسكي» مستشار البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي، وقد جاء في هذا التوجيه أن البيت الأبيض طلب من وكالة المخابرات المركزية الأميركية إنشاء دائرة مستقلة الدراسة، ورصد الحركات الدينية الإسلامية في مختلف أرجاء العالم بما فيها الحركات الصوفية.
وقد كانت وصية الدكتور ريتشارد ب متشل واضحة في ذلك حيث يقول: «تفتيت الجماعات والتجمعات الإسلامية المختلفة، وبث التنازع داخلها وفيما بينها».
وإلى اللقاء في المقال القادم وسيكون موضوعه «التشكيك بصلاحية الإسلام لهذا العصر».
- وقع خطأ مطبعي في الحلقة الماضية حيث ورد اسم الدكتور حسن الترابي والصحيح هو حسن التهامي. مع معذرتنا للإخوة القراء.