العنوان أساليب وطرق التنمية الذاتية للقيادة «٣»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988
مشاهدات 65
نشر في العدد 861
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 05-أبريل-1988
نشرنا في العدد الفائت الحلقة الثانية
من حلقات هذا الكتاب القيم الذي أعده فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين، ونتابع في
هذا العدد نشر الحلقة الثالثة بعد أن انتهى فضيلته في العدد السابق من الحديث عن
الطليعة التي على أيديها يتم بعث الأمة.
القيادة:
هي ذلك السلوك الذي يقوم به شاغل مركز
الخلافة، أثناء تفاعله مع غيره من أفراد الجماعة، فهي عملية سلوكية وتفاعل اجتماعي
فيه نشاط موجه ومؤثر، علاوة على كونه مركزًا وقوة، والقيادة قبل ذلك مسؤولية،
نابعة من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته" (1).
فهي في مجملها تحمل مسؤولية تجاه
الجماعة، كما قال عمر بن عبد العزيز: "ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم
غير أن الله جعلني أثقلكم حملًا" (2). فالقيادة ليست مغنمًا يتمتع به القائد
ويتلذذ بعبارات الثناء عليه بل هي عناء وتبعية. وقد ضرب لنا حسن البنا في ذلك
مثلًا رائعًا بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة سنة 1938 حين وقف حسن البنا
يخطب إذ تحمس أحد الإخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا - ومع أنه لم يردد
الحاضرون هذا الهتاف - إلا أن فضيلته وقف صامتًا لا يتحرك برهة، فاتجهت إليه
الأنظار في تطلع ثم بدأ حديثه في غضب فقال:
أيها الإخوان إن اليوم الذي يهتف في
دعوتنا بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدًا، إن دعوتنا إسلامية قامت على عقيدة التوحيد،
فلن تحيد عنها.
أيها الإخوان لا تنسوا في غمرة الحماس
الأصول التي آمنا وهتفنا بها "الرسول قدوتنا" ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:56) (3). وبهذا الموقف وضع
الإمام الشهيد شباب الدعوة أمام صورة حية للمحافظة على جوهر الدعوة والاستمساك بها
وعدم التعلق بأشخاص مهما تكن مراكزهم في مسيرة العمل الإسلامي. وفي مدينة رشيد
أقام الإخوان حفلًا بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج على صاحبهما أفضل الصلاة
والسلام. وحين جاء أحد المتكلمين في الحفل وقد كان من المتحمسين لنشر دعوة
الإخوان، قام متحدثًا إلى الناس فقال: إن مثلنا الآن من فضيلة الأستاذ المرشد وهو
يشير إليه، كمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه. وما كاد الأستاذ
المتحدث ينتهي من هذه العبارة حتى قفز الإمام الشهيد إلى المنصة ثم اتجه إلى الناس
قائلًا:
أيها الإخوان معذرة إذا كان الأستاذ
المتحدث قد خانه التعبير، فأين نحن من تلامذة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم
نزل إلى مكانه ولم يستطع الأستاذ المتحدث إكمال الحديث كما بدأه، وفي اليوم التالي
انقطع اتصاله بالإخوان في الإسكندرية وبعد مدة أعلن عن تكوين جمعية التقوى
والإرشاد.
تقسيم أهل التصنيف للقيادة:
قيادة وظيفية: فهي تنظيمية غايتها
القيام بالوظائف الاجتماعية التي تحقق أهداف الجماعة، وعلى هذا المفهوم فالقيادة
قد يمارسها عضو واحد أو أكثر من عضو من أعضاء الجماعة، حيث تقوم القيادة بـ: تحديد
أهدافها، والتحرك لتحقيق هذه الأهداف، وما يلزم ذلك من تنسيق بين الأعضاء، وتوفير
الموارد لهم، وحل مشكلاتهم الناشئة عن العمل.
قيادة ظرفية موقفية:
فالقائد الذي يصلح لكي يقود المجتمع في
حالة المهادنة، قد لا يصلح للقيادة في حالة المصادمة، فالصديق -رضي الله عنه- أقدر
على القيادة من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، في موقف تلقي خبر وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم حيث قال قولته المشهورة: "من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد
مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" (4). وعمر بن الخطاب -رضي الله
عنه- يعزل زياد بن أبي سفيان ويقول له: "لم أعزلك لعجز أو لخيانة، ولكني كرهت
أن أحمل فضل عقلك على الناس".
قيادة سماتية:
فالقيادة هي سمة بارزة يتميز بها القائد وقد
اختلفت المعايير في تحديد السمات القيادية من مجتمع لآخر، ومن خلال الأبحاث توصل
العلماء إلى خمسة أنواع للسمات القيادية: جسمية، معرفية، اجتماعية، تعاملية،
انفعالية، ثم سمات عامة كحسن المظهر، والوفاء بالعهد، والقدوة الحسنة.
ولزوم هذه السمات يختلف من موقف لآخر،
فطالوت القائد العسكري يحتاج إلى قوة جسمية وإدارية، فقال الله تعالى عنه:
﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة:247) (5). وأمين الخزائن
يوسف عليه السلام كان يحتاج إلى الأمانة والقدرة على تولي المسؤولية فقال الله
حكاية عنه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ
عَلِيمٌ﴾ (يوسف:55) (6).
وقوام هذه الصفات قولة أسامة بن زيد
-رضي الله عنه-: "لا رأي لمن لا يطاع" (7). وأن يكون قادرًا على سياسة
نفسه، فإن قصر عن ذلك كان عن سياسة غيره أشد تقصيرًا (8). وكلما اكتملت عناصر
القوة فيه كلما كملت عناصر قيادته، فالله سبحانه وتعالى أثنى على إبراهيم عليه
السلام ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:120) (9).
والأمة هو الذي جمع صفات الكمال من
العلم والعمل بحيث بقي فيها فردًا وحده فهو جامع الصفات تفرقت في غيره (10). ففي
ذاته وشخصه توجيه للغير، قال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به،
وإن لم ير عمله، ولم يسمع كلامه (11). وقال الإمام مالك: كنت كلما أجد في قلبي
قسوة آتي محمد بن المنكدر فأنظر إليه، فأتعظ بنفسي أيامًا (12). ومجالسة هؤلاء
القادة نضج للرأي وقوة في العمل، قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-:
"لمجلس كنت أجالسه عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة" (13).
وعند إعادة النظر في خلاصة التصنيف الذي ذكرناه نرى أنه لا يخرج عن المعنى الذي
ذكرنا من أنه إدارة عمل بطريقة ناجحة تحقق النتائج، وتدرأ المفاسد، فالقيادة ظاهرة
اجتماعية ذات نشاط هادف، لا خيار للجماعة فيه "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا
عليهم أحدهم" (14).
ونحن في هذا المبحث سنتحدث عن جزئية من
هذا الموضوع الكبير، وهي "أساليب وطرق التنمية القيادية" والطريق: هو
السبيل والجمع أطريقة وطرق وطرقات، وطريقة الشخص: سيرته وعادته كما أن العرب تعتبر
الطريقة الرجال الأشراف ولذلك تقول للرجل الفاضل: هذه طريقة قومه، وتأويله هذا
الذي يبتغى أن يجعله قومه قدوة ويسلكوا طريقته. ونحن هنا نجمع بين معاني اللغة
للكلمة، فنريد السبل، والطرق والجادة التي يسلكها السائر في هذه الحياة، ليكون
سيرة حميدة وشخصية فريدة توجد منه قدوة عند قومه وبني جنسه.
هذا وقد بينت التجارب أن الإنسان
الفاقد لنسبة كبيرة من الاستعداد الفطري للبروز القيادي، قد يحسن تكوينه قياديًا
إذا توفرت التربية القيادية ذات الطابع التركيزي والمحتوى المنهجي والبرنامج
التدريبي، وهذا أمر يجب الصبر عليه لتتم الاستفادة، قال عبد القادر الجيلاني:
"لا تهربوا من خشونة كلامي، فما رباني إلا الخشن في دين الله -عز وجل-، ومن
هرب مني ومن أمثالي لا يفلح" (15). وعلى ذلك فالقائد الحق هو الذي لا يتولى
بالشفاعة فمن ولته الشفاعة عزلته الشفاعة بل لا بد من التربية والمعاناة، فمن لم
تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة (16). فالجماعات التي تحرص على أن
يمارس العضو فيها دوره القيادي تسعى لإحياء الطاقات التي وهبها الله إياه، وبهذا
يقول الأستاذ محمد قطب: "إن طاقة الجهد المدخرة في كيان الإنسان وجدت لتبذل،
فإن لم تبذل تمرض، ويمرض معها الإنسان وهذا البذل منضبط بالطاقة البشرية، لأن الله
لا يكلف نفسًا إلا وسعها".
على أنه لا يتصدر المتدرب للقيادة إلا
بعد اكتماله ونموه، قال الإمام الشافعي: "إذا تصدر الحدث فاته علم كثير"
(17). وقيل من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه (18). وعن الأحنف قال: قال عمر بن
الخطاب -رضي الله عنه-: "تفقهوا قبل أن تسوَّدوا". وهذا أمر يحتاج إلى
صبر من المربي، وإلا فاته شيء كثير، فهذا أبو جعفر الطحاوي يقص علينا أنه كان يقرأ
على المزني فقال له يومًا: والله لا أفلحت، فغضب وانفلت من عنده وتفقه على مذهب
أبي حنيفة وصار إمامًا، فكان إذا درس أو أجاب في المشكلات يقول: رحم الله أبا إبراهيم
لو كان حيًا ورآني كفر عن يمينه (19). وهذا العمل لله الحمد ليس بدعًا من الأمر،
بل منهج نبوي كريم. فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم انتصر يوم انتصر حينما جعل
من كل فرد نموذجًا مجسمًا للإسلام الذي جعله الله خاتم الأديان ومنهجًا للأنام.
قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا
لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا
حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ
وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء:78-79).
قال ابن مسعود في تفسير الآية: كرم قد
أنبتت عناقيد فأفسدته الغنم: فقضى داود الغنم لصاحب الكرم فقال سليمان غير هذا يا
نبي الله قال: وما ذاك، قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما
كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان. دفعت الكرم
إلى صاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها فذلك قوله "ففهمناها سليمان".
يتبع
1.
صحيح الجامع الصغير
رقم 4445 وأخرجها "حم ق، ر، ب عن ابن كثير" الألباني ط المكتب الإسلامي.
2.
الطبقات الكبرى لمحمد
سعد "5" "340".
3.
سورة الأحزاب:56.
4.
السيرة النبوية لابن
هشام "4/306".
5.
سورة البقرة:247.
6.
سورة يوسف:55.
7.
زاد المعاد في خير
العباد لابن القيم الجوزية "3/361".
8.
رسائل الثعالبي.
9.
النحل:120.
10.
مفتاح دار السعادة
ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن القيم الجوزية (2/31).
11.
رسالة المسترشدين
لأبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
"60".
12.
نفس المرجع
"61".
13.
نفس المرجع
"62".
14.
صحيح الجامع الصغير
رقم "519".
15.
الدور القيادي
الإسلامي.
16.
من أقوال الإمام
سحنون ترتيب المدارك "1/595".
17.
سيرة الإمام الشافعي
لعبد الغني الدقر "341".
18.
شذرات الذهب في أخبار
من ذهب لابن العماد الحنبلي "3/173".
19.
معجم السفر للمحافظ
أحمد بن محمد الأصفهاني السلطي تحقيق د. بهيجة "118".
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل