العنوان أسباب القلق وعلاجه
الكاتب فواز العتيبي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1993
مشاهدات 146
نشر في العدد 1051
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 25-مايو-1993
فواز العتيبي - الرياض
نشهد في العصر حضارةً كبرى لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، جعلت الإنسان
يعيش في راحة كبيرة، ولكنها تلك الحضارة قصرت خدمتها على الجانب الجسدي وأهملت
الجانب الروحي الذي يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات. وكان أحد إفرازات هذه
الحضارة مرض القلق الذي أدى بكثير من الناس في الغرب إلى مشاكل نفسية وعصبية ثم
إلى كراهية الحياة ثم إلى ماذا؟ إلى الانتحار. ولم يجدوا له حلاً غير تلك الحبوب
المهدئة، وللأسف لقد انتقل آثار ذلك الداء إلى بلاد المسلمين عندما قصروا في أمور
دينهم وعاشوا بعيدًا عن ذكر الله تعالى وطاعته.
أسباب القلق
وأسباب القلق كثيرة لكن تذكر أهمها:
1.
ضعف
الإيمان: فالمؤمن قوي الإيمان لا يعرف القلق، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97). ويقوى الإيمان
بعمل الطاعات وترك المعاصي وقراءة القرآن وحضور مجالس الصالحين وحبهم والتفكير في
خلق الله تعالى.
2.
الخوف
على الحياة وعلى الرزق: فهناك من يخاف الموت فيقلق بسبب ذلك ولو أيقن أن
الآجال بيد الله لما حصل ذلكم القلق، والبعض الآخر يخاف على الرزق ويصيبه الأرق
وكأنه ما قرأ قط قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 58) ولم يسمع قوله
تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا
عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: 6) حتى النمل في حجره يرزقه الله تعالى.
3.
ولا يعني ذلك
أن يجلس في بيته ينتظر أن تمطر السماء ذهبًا، بل يسعى ويفعل الأسباب
امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا
وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: 15)، ويتوكل على
الله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).
4.
المصائب:
من موت
قريب أو خسارة مالية أو مرض عضال أو حادث أو غير ذلك. لكن المؤمن شأنه كله خير إن
أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وجزاء الصبر أن
الله يأجره ويعوضه خيرًا عما أصابه، فيجب أن يعلم أن ذلك بقدر الله وقضائه، وما
قدره الله سيكون لا محالة، لو اجتمع أهل الأرض والسماء أن يردوه ما وجدوا إلى ذلك
سبيلاً. عندما ترسخ هذه العقيدة في نفس الإنسان فإنه يرضى وتكون المصيبة عليه
بردًا وتكون المحنة منحة. ولقد شاهدنا أنه كم من مشكلة أصابت إنسانًا جعلت منه
رجلاً قويًا صامدًا وعلمته التحمل بعد أن كان في نعمة ورغد لا يتحمل شيئًا وغيرت
في نظرته للحياة وأصبح سدًا أمام المعضلات.
5.
المعاصي:
وهي
سبب كل بلاء في الدنيا والآخرة وهي سبب مباشر لحدوث القلق والاكتئاب قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (النساء:
79) وقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي
عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41). والبعض يقول: نريد أن نذهب
القلق فيفعل المعاصي لكنه في الحقيقة يزيد الطين بلة وهو كالمستجير من الرمضاء
بالنار.
6.
الغفلة
عن الآخرة والتعلق بالدنيا: فمن يتفكر
ويتصور نعيم الجنة بكل أشكاله فإنه تهون عليه المشاكل وينشرح صدره وينبعث الأمل
والتفاؤل عنده.
طرق علاج القلق
وأخيرًا كيف نتخلص من القلق؟!
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ
مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالعلاج
هو في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فخذ أخي هذه الوصفة الطبية
الشافية وجرب وأنت الحكم.
1.
الصلاة:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: 45). وكان الرسول
صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ويقول لبلال: "أرحنا بالصلاة
يا بلال" ويقول - جعلت فداه -: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". فما من
مسلم يقوم فيصلي بخشوع وتدبر وحضور قلب ورغبة والتجاء لله تعالى إلا ذهبت غمومه
وهمومه أدراج الرياح كأن لم تكن.. فالصلاة على اسمها صلة بين العبد وربه.
2.
قراءة
القرآن: العلاج لكل داء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ
الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82). فلنقو
صلتنا بهذا الكتاب العظيم ولنتدبر آياته ولا نكن ممن يهجره فهو ربيع القلب ونور
الصدور وجلاء الأحزان وذهاب الهموم والغموم.
3.
الدعاء:
سلاح
المؤمن الذي يتعبد الله به فمن كان له عند الله حاجة فليفزع إلى دعاء من بيده
ملكوت كل شيء ومجيب دعوة المضطرين وكاشف السوء الذي تكفل بإجابة الداعي ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186). وليتحر ساعات
الإجابة كالثلث الأخير من الليل وبين الأذان والإقامة.
4.
الذكر:
أنيس
المستوحشين وبه يطرد الشيطان وتستنزل الرحمات.
5.
شغل
الوقت بالعمل المباح: فإن الفراغ
مفسدة ويجلب الأفكار الضارة والقلق وغير ذلك.
أسأله تعالى أن يرزقنا الإيمان الكامل والعمل الصالح ونسأله حياة
السعداء وموت الشهداء، إنه جواد كريم.
اقرأ أيضا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل