العنوان أسد على شعب العراق .. نعامة في مجلس الأمن!
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996
مشاهدات 45
نشر في العدد 1204
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 18-يونيو-1996
منذ إبريل 1995م والنظام العراقي يرفض القرار ٩٨٦ لمجلس الأمن، وهو القرار الذي يتضمن السماح للعراق بتصدير جزء من بتروله نظير الحصول على الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية لشعب العراق، وجاء رفض النظام العراقي للقرار من واقع أنه يتضمن بنودًا أو شروطًا تنتقص من سيادة العراق، إضافة إلى عدم تجاوبه مع مصالح العراق وحاجاته.
إلا أنه في صباح العشرين من مايو الماضي أبرق النظام العراقي الحاكم في بغداد إلى رئيس وفده المفاوض في نيويورك بسرعة التوقيع على مذكرة للتفاهم، أعدتها المنظمة الدولية بشأن تصدير كمية من البترول العراقي - تمت صياغتها وفقًا للقرار986 لمجلس الأمن. متنازلًا عن كافة الاعتراضات التي أعلن تمسكه بها على مدى أكثر من عام.
وعلى عادة النظم الديكتاتورية في عالمنا العربي - التي تجعل من الهزيمة نصرًا، ومن الفرار إقدامًا، ومن الاستسلام منعةً وإباءً وعزةً، أوعز النظام الحاكم في بغداد إلى مطبليه ومزمريه ولإعلامه؛ ليروجوا بين الناس المطحونين أن الرئيس المهيب قد حقق المعجزات، وأكد الانتصارات وأملى الشروط بعد أن أحدث في جدار الحصار الشروخ، كما أوحى إلى منافقيه ومرتزقيه وأذنابه أن ينطلقوا في الشوارع راقصين، يطلقون الرصاص، ويرددون الهتافات والشعارات، ولم تقصر إذاعة المهيب ولا تلفازه - وكل ما في العراق صار من ممتلكاته - في الثناء على القائد العبقري «بعد أن تحقق الاتفاق بفضل العقل الاستراتيجي الراجح للقائد صدام حسين وحكمته السديدة».
وكما حرص النظام الحاكم في بغداد منذ صدور القرار ٩٨٦ لمجلس الأمن على ألا يشير إليه إعلامه، أو أن يفصح عن مضمون وثنايا بنوده القاسية وشروطه التعسفية، فقد حرص أيضًا على ألا يشير إعلامه إلى بنود ونصوص وفضائح مذكرة التفاهم التي وقعها ممثل النظام في نيويورك مع ممثل الأمم المتحدة القانوني تحت رعاية وإشراف بطرس غالي؛ بل أقام الأفراح والاحتفالات الصاخبة بالنصر المزعوم وعبور بحور الحصار بعد تحطيم جدرانه على درب انهياره أمام عزم وصلابة وحكمة القائد المهيب.
وديكتاتور العراق ينسى أو يتناسى أن الحقائق والمعلومات والأخبار في عصر صارت قفزات العلم فيه توازي سرعة صواريخه، أصبحت قادرة على اختراق السدود والحواجز التي يقيمها ويشيدها أي ديكتاتور حول شعبه؛ سعيًا لعزلة أو طمعًا في حجبه، خاصة والقوى الدولية التي صاغت القرار ٩٨٦ لمجلس الأمن، وكانت وراء صياغة مذكرة التفاهم التي وقعها النظام العراقي في إطار القرار المذكور، بل وفي مستوى من التعسف أكثر من مستوى تعسف القرار نفسه - حريصة على وصول بنود ونصوص المذكرة وانتشارها على مستوى عرب العراق، وعلى مستوى كافة العرب حول العراق، نفس حرصها على استمرار وبقاء النظام الحاكم في بغداد يمارس دوره، ويمضي في سياساته، ولا يغير في أساليبه وسياساته؛ لأنها جميعًا تخدم مصالح واشنطن على ساحة العراق، وعلى ساحة الخليج، وعلى الساحة العربية، بل والساحة العالمية.
إن قراءة في نصوص مذكرة التفاهم التي وقعها النظام الحاكم في بغداد مع ممثل الأمم المتحدة القانوني تحت رعاية بطرس غالي - لا تبرز فقط تعسف وقسوة البنود والنصوص والشروط، ولكن تكشف أيضًا عن مدى تخاذل وتدني النظام الحاكم في بغداد أمام القوى العالمية، وهو يرضخ لشروطها المهيئة في الوقت الذي يبطش فيه بشعب العراق الأعزل، مسلطًا عليه كافة أجهزته القمعية لسحق كبريائه والإجهاز على كرامته، كما تكشف عن مدى كذب هذا النظام وبهتانه وخداعه؛ وهو يزيف الحقائق، أو يحاول إخفاءها عن هذا الشعب، ويتمادى في التضليل والاستخفاف بالعقول، فيقيم الأفراح والأعراس في مواقف الهزيمة والنكبات.. يقول الاتفاق الذي وقعه النظام الحاكم في بغداد مع ممثل الأمم المتحدة القانوني:
- يسمح للعراق بتصدير ما قيمته مليار دولار من البترول كل ثلاثة شهور أو ملياري دولار كل ستة شهور، وذلك للحصول على الحاجات الأساسية الإنسانية.
- والمبلغ المخصص لهذه الحاجات الإنسانية يتراوح بين ٦٥٠ أو ٦٨٠ مليون دولار من كل مليار.
- ويتم اقتطاع ۳۰۰ مليون دولار لصندوق التعويضات، و٢٠ مليون دولار لتغطية مصاريف موظفي ومندوبي الأمم المتحدة، كما يجري اقتطاع من ١٣٠ إلى ١٥٠ مليون دولار كل ثلاثة شهور لتغطية البرامج الإنسانية للأكراد في شمال العراق.
- والجزء الأكبر من البترول العراقي المصدر يتم تصديره عن طريق خط أنابيب العراق تركيا، أما الجزء الأقل فيصدر عن طريق ميناء البكر في جنوب العراق.
- ويختار الأمين العام للأمم المتحدة مصرفًا دوليًّا لفتح حساب ائتماني مالي تحت اسم حساب العراق التابع للأمم المتحدة، وذلك لتلقي أموال البترول المباع، وحتى تجرى جميع المعاملات والاقتطاعات من خلاله، ويدار هذا الحساب وفقًا للنظام المالي للأمم المتحدة وقواعدها المالية، ويتولى مراجعته محاسبون مستقلون يصدرون تقارير دورية.
- ويجري توزيع المواد الإنسانية المشتراة من أموال البترول وفقًا لخطة تضعها حكومة العراق، وتبحثها وتوافق عليها لجنة العقوبات، ولا يتم شراء هذه المواد إلا من خلال موافقة لجنة المراقبة، ويجري توزيعها تحت مراقبة مراقبي الأمم المتحدة في العراق.
- والمواد الإنسانية التي يجري توزيعها في المحافظات الشمالية «الكردية»، يقوم برنامج الأمم المتحدة بتوزيعها.
- مراقبو الأمم المتحدة المختصون يتولون الإشراف على تصدير البترول من خلال خط أنابيب العراق تركيا، أو من خلال ميناء البكر للتأكد من مطابقتها لبنود الاتفاقية.
- لا يدفع ثمن أية مواد تصل العراق إلا في إطار المواد المتفق عليها في الاتفاقية، وبعد تأكد وكلاء التفتيش التابعين للأمم المتحدة من وصول الشحنات، ومن خلال الوثائق التي تؤكد ذلك.
- لمندوبي الأمم المتحدة الذين سيراقبون التوزيع داخل العراق الحرية المطلقة في دخول العراق والخروج منه، والانتقال بين مناطقه المختلفة، والاطلاع على أية وثائق مطلوبة.
ومعنى هذا أن الاتفاق أكد الفصل بين شمال العراق أي المحافظات الكردية الشمالية وباقي العراق، فلا وجود ولا سلطان لنظام بغداد في المحافظات الشمالية، وهو الأمر الذي كان يعارضه صدام حسين منذ إبريل عام ١٩٩٥م، حتى ٢٠ مايو ١٩٩٦م حين أبرق لمندوبه في نيويورك للتوقيع على الاتفاق كما هو دون أي تعديل.
أيضًا حرص الاتفاق على أن يكف يد النظام الحاكم في بغداد في أموال البترول العراقي الذي سيجرى بيعه، وذلك من خلال نظام محاسبي ومصرفي يخضع لإشراف وإدارة الأمم المتحدة.
كما أن الاتفاق شرط على حكومة بغداد أن تعد خطة توزيع المواد الإنسانية التي سيجرى شراؤها من أموال البترول المباع، وتخضع الخطة للبحث والمراجعة من خلال لجنة المراقبة الدولية التي لابد من موافقتها على الخطة حتى يتم التوزيع.
كما أن توزيع المواد الإنسانية خاضع لإشراف ومراقبة مفتشي الأمم المتحدة الذين لهم حق دخول العراق أو الخروج منه أو الانتقال بين أجزائه وكافة جهاته دون أدنى معوق أو اعتراض، كما نص الاتفاق على أن يكون الجزء الأكبر من البترول المصدر من خلال الموانئ التركية مع تهميش دور ميناء البكر العراقي، وذلك للتحكم في الكميات المصدرة وضبطها وفقًا للاتفاق.. وأيضًا لتحقيق مزايا اقتصادية لتركيا.
ويعني هذا أيضًا أن نظام المهيب الذي همش وطحن شعب العراق، جرى ويجري تهميشه وتطويعه، بل من قبل الولايات المتحدة والغرب عبر قرارات مجلس الأمن والمنظمات الدولية.. ولا يستطيع إلا الرضوخ والاستسلام للقوى الدولية خارج وداخل العراق مع المضي في سياسة القهر والبطش إزاء شعب العراق.. مع مواصلة الخداع والدجل على ساحة العراق، فالمغوار قد حقق الانتصار. وهزَّ بل وحطم جدران الحصار... وأضاف إلى الأمجاد أمجادًا.. فمن قبل حقق البطولة والغلبة في أم المعارك.. ووضع اللبنات الأولى في كيان الوحدة العربية الخالد يوم أن غزا الكويت بليل.. فشتت وشرد الأبرياء، وساق العزل أسرى في غياهب سجونه؛ ليكونوا سلعة للكسب، وعقد الصفقات من ورائها.
* النظام العراقي يواصل طحن الشعب وتهميشه ويستسلم في نفس الوقت للقوى الدولية خارج وداخل العراق
ومن شاهد أو سمع عن حلقات الرقص في شوارع بغداد ومدن العراق الجريح ابتهاجًا بانتصارات القائد المهيب يوم توقيعه للاتفاق مع الأمم المتحدة. في إطار قرار مجلس الأمن ٩٨٦ بما فيه من إذلال وامتهان، سيتذكر على الفور مهازل نظمنا الديكتاتورية يوم أن حلت بنا على يديها كارثة ١٩٦٧م دون ذنب أو جريرة جنتها الشعوب، فأوعزت إلى منافقيها وأذنابها من البلطجية والمرتزقة بالخروج إلى الشوارع هاتفين للزعامات والقيادات ومناشدين إياها الصمود في مواقع السلطة والرئاسات؛ لأن هذا يعني فشل العدو في تحطيم الإرادات.. ونجاح الزعامات في تحقيق الانتصارات. إنه منطق الديكتاتورية الموجود في العراق وغير العراق....
ثمة ملاحظة تستحق التسجيل.. وهي أنه رغم أن كافة الشرفاء في العراق وخارج العراق يرون في النظام الحاكم في بغداد وحزب البلطجية والمنافقين من خلفه ومن حوله كابوسًا يجثم على الصدور، رغم إرادة شعب بأسره، وعصابة تروع الأبرياء وتبدد الثروات.. قادت إلى الخراب والتخريب على ساحة العراق وعلى الساحة العربية ومهدت الطريق أمام واشنطن لتؤكد السيطرة والهيمنة. كما مهدت السبل إلى الفرقة والتراجع والانهيار على الساحة العربية. إلا أن نظام المهيب مازال يزعم أنه يحظى بالشرعية.. وأن القلوب تلتف من حوله.. وأنه قد أجرى أنزه الانتخابات لاختيار مجلس وطني يعبر عن شعب العراق.. وأن حزبه المسمى بالبعث العربي قد حظي بالأغلبية.. قد أكد مصداقيته ومصداقية المهيب.. والنظام على المستوى الشعبي. إنها مقولة كل نظام حكم مستبد توازيها مقولة كل مختال شرير أعطي السلاح أو السلطة أو استولى على السلاح والسلطة، وسيطر على أجهزة الأمن وأجهزة الإعلام، وجيش أهل النفاق وأهل النفوس الخربة ورفع الشعارات واللافتات والانتصارات والمكاسب والتنمية والرفاهية، ووضع فوق رؤوس الشرفاء لافتات الاتهامات والافتراءات.. ووصمهم بكافة النقائص.. وحاصرهم بشتى القيود والحواجز.. ونادى في الناس ما لله لله.. وما للإنسان فلا شأن لله به.. والزج أو الربط بين الاثنين هو التطرف.. وكل تطرف يؤدي إلى الإرهاب.. وكل إرهاب يستدعي استئصال الجذور. وأن المظلة الأمريكية ظلها ظليل. أما السلام على الطريقة الإسرائيلية.. ففيه حقن الدماء.. والحفاظ على الثروات. والضغط على أزرار الإعلام.. يجعله يسبح بالحمد والمجد.
والمهيب في بغداد مثل العقيد أو الفريق في غير بغداد.. فيه المشاهد ... وفيه المثال.. وكم من أمثلة وشواهد طواها الزمن.. ومع بقاء العبرة والعظة.. تبقى الشعوب.. أكبر من القهر.. وأقوى من الطغيان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل