العنوان أسس العلاقة بين الحاكم والأمة
الكاتب د. محيي الدين عبدالحليم
تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1632
نشر في الصفحة 44
السبت 25-ديسمبر-2004
يشهد التاريخ العربي والإسلامي الآثار الضخمة التي تركها الحكام في حياة هذه الأمة سلبًا وإيجابًا، وكيف كان يتم تعبئة الجماهير وفقًا لما بذره هؤلاء الحكام من بذور أثمرت رأيًا عامًا مسلمًا واعيًا أو جاهلًا، قائدًا أو منقادًا، قويًا أو ضعيفًا، كما يؤكد التاريخ أن كل دولة من الدول التي حكمت العالم الإسلامي كان لها طابعها الخاص وآثارها العميقة على حاضر الأمة ومستقبلها، فهذا حاكم يهتم بالعلوم والمعارف وهذا آخر يحفل بالمغامرات العسكرية والأمجاد الشخصية، وهؤلاء جميعًا يحرصون على تأييد الجماهير لهم سواء بالرضا والقبول أو العنف، واغتصاب العقول أو الحرب النفسية والإرهاب الفكري.
وقد انفرد كثير من أولي الأمر في العالمين العربي والإسلامي بمقدرة خاصة في الإمساك بأجهزة صناعة الفكر وقيادة الرأي وكذلك الأجهزة التعليمية والثقافية التي تمكنهم من التحكم في الأمة ومستقبلها، وتوجيه دفة الأمور بما يتوافق مع منهجهم وتوجيهاتهم سواء كان هذا المنهج سويًا أو معوجًا لصالح الجماهير أو لصالحهم الشخصي، متوافقًا مع ما جاء بكتاب الله أو منافيًا لجوهر الدين وطريق الحق والصواب، فهم أصحاب القوة والسلطات وهم أصحاب اليد الطولي في مختلف جوانب الحياة داخل دولهم، وهم الذين يملكون سلطة إصدار القرار ولهم من الصلاحيات ما ليس لغيرهم.
الإسلام لا يعتبر الطاعة للحاكم أو ولي الأمر مطلقة، ولكنها في حدود معلومة وقيود وشروط منها: أن يكون مطبقًا لشريعة الله، وأن يحكم بين الناس بالعدل، وألا يأمر بمعصية، أي أنه على الرعية أن تطيع حكامها وأمراءها إذا كانوا مطبقين شرع الله، وقائمين بالعدل بين الناس، غير عاصين لله ولا آمرين رعاياهم بمعصية.
وهنا فقط يصبح على الأمة أن تنصر الحاكم المطبق لأوامر الله وتقف بجانبه إذا تعرض للأذى أو تمرد عليه وخرج عليه فرد أو فئة من الناس بغير سبب موجب للخروج، وما حد الحرابة إلا عقوبة للذين يخرجون على سلطة الإمام الشرعي، حيث أمر الله الأمة الإسلامية أن تهب مع الحاكم لقتالهم وتدفع العقاب الصارم عليهم، وفي ذلك يقول الله تعالي: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ( المائدة: 33)، وذلك عملًا بالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها التشريع الإسلامي وهي وجوب درء المفاسد وانتفاء الضرر والضرار.
وتأسيسًا على ما تقدم تبرز لنا مدى الصلاحيات الهائلة والمسؤوليات الضخمة التي تقع على عاتق الحاكم المسلم، انطلاقًا من دوره الأساسي في تغيير مسار الحياة في الأمة الإسلامية، كم من حكام قادوا الأمة إلى الخراب والدمار وأسهموا في هدم حاضرها، وضياع مستقبلها، وكم من حكام لعبوا دورًا إيجابيًا في حياة الأمة المسلمة وكانت لهم بصمات بارزة في مختلف جوانب حياتها.
وقد صاغ عثمان بن عفان رضي الله عنه هذه الحقيقة في عبارة موجزة نافذة بقولته الشهيرة: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ».
أي أن إمكانات الحكام في صياغة شكل الحياة في أوطانهم تفوق قدرة القرآن الكريم نفسه، كتاب الله المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ذلك أن هذا الحاكم بما يملكه من وسائل الثواب والعقاب، وبما يتمتع به من قدرة على استخدام هذه الوسائل يستطيع التأثير على سلوك الأمة التي يحكمها، الذي يملك سلطة تنفيذ أحكام الله أو تعطيلها، وهو الذي قد يشرع للناس ما يملي عليه شيطانه وتسول له أهواؤه، وفي ذلك يقول الحق جلَّ وعلا في سورة الزخرف: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 3٦-٣٧)
ولم نذهب بعيدًا وتاريخ الأمة الإسلامية يؤكد هذه الحقيقة؟ فشخصية حاكم كعمر بن الخطاب أحدثت آثارًا على سلوك الجماهير المسلمة وآرائهم، فقد ترك هذا الرجل الذي عرفت عنه الصرامة والبساطة والزهد والتقشف والاعتدال، نموذجًا إسلاميًا خيرًا للمسلمين في عهده، ومثلاً جديراً بالتقليد
والمحاكاة من بعده.
وفي العصر الأموي كان الناس يلتقون زمن الوليد بن عبد الملك فيسأل بعضهم عن البناء والمصانع لأن الوليد وجه جل اهتمامه آنذاك إلى البناء والمعمار، فلما ولي سليمان وكان صاحب زواج، جعل الناس يتساءلون عن الجواري والطعام، فلما ولي عمر بن عبد العزيز، وهو الخليفة الزاهد العابد كان الناس يلتقون فيسأل الرجل الرجل: ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ وما تصوم في الشهر، امتلأت فترة حكم عمر بن عبد العزيز على قصرها بالرجال، وتحصنت بالأعمال، ومات الرجل وأفكاره وأعماله تعم حياة الجماهير المسلمة.