العنوان أسس منطقية للحوار حول الحداثة
الكاتب أحمد البراء الاميرى
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989
مشاهدات 56
نشر في العدد 902
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 31-يناير-1989
*الحداثة نبتة غربية عن بيئتنا، وهي مولود غير شرعي، نتج عن
تلاحق أفكار أبناء جلدتنا بأفكار أجنبية.
*المضمون الفكري الحداثي يتسم بالخروج عن الدين إجمالًا،
والتجرؤ على الذات الإلهية العلية، والدعوة إلى الإباحية الجنسية.
مرض أحد الفضلاء فذهب إلى صديق له طبيب معروف
بالحذق وسعة الاطلاع، فوصف له دواء ناجحًا، استعمله الرجل، فوجد فيه البرء بإذن
الله، ونصحه الطبيب بأن يواظب على استعماله كل صباح، ترى لو أتى شخص إلى هذا الرجل
وطلب إليه أن يترك الدواء، لا لأنه تم اكتشاف جديد بديل، بل لمجرد أنه دواء قديم،
ولأنه شائع الاستعمال بين الناس، أي لأنه «سائد ونمطي»، فكيف ينبغي الحكم على عقل
هذا الناصح الكريم؟!.
إن العاقل الذي يحترم عقله له معايير في القبول
والرفض تختلف عن هذه المعايير هو أن يبحث عن الصواب ويجتنب الخطأ، يقبل الجيد ويرد
الرديء، يأخذ النافع ويهمل الضار، بصرف النظر عن كون الشيء محل البحث قديمًا أو
حديثًا، فالقدم والحداثة لا ينبغي أن يكونا معيارًا للقبول أو الرد عند من عنده
أدنى مسكة من عقل. هذه نقطة، والأخرى نسبية هذه النظرة وعدم ثبوتها: فحديث الأمس
قديم اليوم، وحديث اليوم قديم الغد، وهكذا.
إذا اقتنعنا بهذا المبدأ وأخذنا به اختلفت نظرتنا
إلى الأشياء، واختلف حكمنا عليها، فما كل شيء في التراث يقبل؛ لأن الماضي خلع عليه
حلة التقديس، «فكم في التراث مما يندى له الجبين»، وما كل ما أفرزته الحداثة يرفض؛
لأنه مستورد أو هجين «فكم في الجديد من نافع مفيد».
لكن هذا الكلام عام يحتاج إلى تخصيص، ومجمل يحتاج
إلى تفصيل ذلك؛ لأن بعض المفردات لیست من لبوس الاصطلاح معاني غير التي كانت تدل
عليها، ومن هذه المفردات: كلمتا الحداثة والتراث في عالمنا العربي عمومًا، وخلال
العقدين الماضيين على وجه الخصوص.
فالتراث يراد به «غالبًا» العطاء الفكري والأدبي
والثقافي الإسلامي، ولا يراد به شعر الخمر والمجون، الذي كتب قبل ألف عام، ولا
الفلسفة المنحرفة عن تعاليم الإسلام، والدليل على هذا أن بعض أعمدة الحداثة
المعاصرين يقفون خاشعين في محراب ذلك النوع من التراث، ويستلهمونه فيما يكتبون
«كما فعلوا مع الحلاج مثلًا»، بل ويتجاوزون التراث العربي إلى تراث اليونان
والرومان، فتحتشد في كتاباتهم أسماء الإلهة المزعومة، وأبطال الأساطير الموهوبة،
بل يبالغون جدا فيتسمى بعضهم بأسماء أصنام فينيقية، أو آشورية، أو كلدانية، وأين
الحداثة في أسماء أحجار طوتها يد القرون؟.
والحداثة في الاصطلاح «الحديث»، لا
يراد بها كل فكر جديد أو مذهب جديد فحسب، بل لا بد أن تتسم بالرفض، وتتصف بالخروج
والثورة على «السائد، والنمطي» دون تمييز، ودون تقويم صحيح لهذا «السائد»، الذي
ربما يكون صوابًا أو خطأ، وربما يكون صالحًا أو طالحًا.
ودليل هذا قول بعض دعاتها في تعريفه للفن بأنه:
«مروق على عرف الجماعة، وخروج عن معياريتها السائدة في الرؤية أولًا، وفي التعبير
أخيرًا»، وتعصب داعية آخر حين يقول: «أما أن يكون المثقف حداثيًّا أو لا يكون
مثقفا»!!.
فالفن - عند الأول - مروق على العرف دون نظر
لصوابه أو خطئه، وخروج على الموازين دون اعتبار لصحتها أو عدم صحتها، وهو مخالفة
لا في التفكير فحسب بل في التعبير أيضًا، فهو نسف للشكل والمضمون معا، نسف بقصد
النسف والتدمير.
والمثقف عند الآخر لا بد أن يكون
حداثيًّا!، وهو بهذا التعصب يسمح لأعدائه أن يستخدموا السلاح نفسه ضده ليقولوا: إن
لم تكن تراثيًّا قد وعيت جهود الأجيال السابقة، واطلعت على ثمرات العقول عبر
القرون فلست مثقفًا، وهذا أقرب إلى الصواب، والأحمق هو الذي يرفض أن يسكن في فندق
بحجة أنه لم يقم ببنائه، ويصر على هدم دار جيدة صالحة فقط؛ لأنها ليست من صنع يديه.
وهنا قد يعترض معترض قائلًا: ما دمت
تخالف «مذهب الحداثة»، وتسفه أحلام معتنقيه، وترميهم بالبعد عن الحكمة والتعقل،
فلماذا – إذن- یكثر الحديث عنهم، وتضخم أهميتهم، ويبدد في الرد عليهم الوقت والجهد
والمال؟؟.
والجواب: إن الاهتمام بشيء لا ينبع دائمًا من
جدارته الناتجة عن فضل أو نفع بل قد يكون العكس هذا، فهذه الأمراض والجراثيم، كم
من الملايين قد اتفق عليها؟، وهذه الطواعين والأوبئة کم استهلكت من الأوقات
والجهود، وهؤلاء هم المجرمون في كل عصر ومصر، كم حفلت بهم أجهزة الأمن ورجال
الشرطة؟ وكم أنفقت المجتمعات من أموالها لاتقاء شرهم والخلاص منهم؟.
إن الحداثة يجب أن تنال القدر اللازم من الاهتمام
دون تهوين أو تهويل، وإن حجة إشهارها والترويج لها، لا ينبغي أن تكون ذريعة تصدنا
عن ذلك، فشتان بين مشهور تلعنه الألسنة، وآخر تخفق له بالحب القلوب، وهذا هو
القرآن الكريم ذكر عقائد فاسدة وبيّن فسادها، ولعن أشخاصًا وأقوامًا استحقوا
اللعن، ولم يرد عليه أنه بذلك يحيي ذكرهم في صحف مكرمة، تكفل ربها بحفظها أبد
الآبدين.
إن أول ما يعاب على الحداثة - في جملتها - أنها
نبتة غريبة عن بيئتنا، إنها شتلة مستوردة من صقع له ظروفه المناخية الخاصة به،
وتربته المغايرة لتربتنا، وأجواؤه المختلفة عن أجوائنا، إنها مولود غير شرعي نتج
عن تلاقح أفكار أبناء جلدتنا بأفکار أجنبية، إنها تفتقد عنصرًا مهمًّا من عناصر
الإبداع، ألا وهو الأصالة، فالتأثر بالغرب واضح في التفكير والتعبير، والشعور
بعقدة النقص أمام من الغزو الفكري جلي بيّن، والاستعارة والتقليد ظاهران في أعمال
الحداثيين، وهم في موقفهم هذا كالأعمى المتلقي الذي لا يفرق بين الغث والسمين، ولو
كانوا ناشدي حكمة، وصيارفة بصيرين الحمد لهم ما يفعلون.
ومن هنا نخلص إلى الحديث عن نقطة
مهمة صرح بها الحداثيون دون مواربة أو خوف، وإن فعلوا ذلك من وراء ستار في بعض
الظروف.
هذه النقطة هي المضمون الفكري، الذي
يملأ أطرهم الفنية، لقد صرحوا أن الحداثة «فكر، وثقافة وفلسفة حياة، وتصورات محددة
عن الكون والإنسان»، فهي - بهذا الاصطلاح - دين خاص، لا بالمفهوم الإسلامي الرحب
لكلمة دين فقط، بل حتى بالمفهوم الغربي الضيق لهذه الكلمة، وأرباب الوحي في هذا
الدين هم الأدباء والفلاسفة الغربيون من شيوعيين أو عدميين، أو منحرفين، وأضرب
مثلًا واحدا بالشاعر والناقد الفرنسي بودلير (۱۸۲۱ - ١٨٦٧) بماذا
وصف أبناء جلدتنا من العرب بودلير؟، قالوا عنه: إنه «نبي الحداثة»!، فما صفات هذا
النبي؟، قال عنه من ترجموا له: كان يجب تعذيب الآخرين، ويتلذذ به، وكان مصابًا
بمرض الفصام، لقد كانت مراحل حياته نموذجا للضياع والشذوذ، وبعد نيل الثانوية قضى
فترة في الحي اللاتيني؛ حيث عاش حياة فسوق وانحلال، وأصيب بداء الزهري، وكانت له
علاقات شاذة مع مومسات باريس، وانغمس في آخر حياته بالمخدرات والشراب حتى لقد قال
عنه بعض النقاد الأوروبيين: إنه شيطان من طراز خاص، إنك لا تشم في شعره الأدب
والفن، إنما تشم رائحة الأفيون؟!.
فماذا ينتظر من وحي هؤلاء أنبياؤه؟
ونظرة عجلى إلى المضمون الفكري
الحداثي تجلى للناظر أن هذا المضمون في غالبه يتسم - هو وأصحابه - بسمات كبرى من أهمها:
الخروج على الدين إجمالًا، والتجرؤ على الذات الإلهية العلية، والدعوة إلى
الإباحية الجنسية، والفوضى الخلقية، بل وأحيانًا إلى العبثية والفوضى العقلية
الناتجة عن الدعوة الحمقاء إلى الغموض، وهذا واضح في مثل قول أحدهم: «الشعر الذي
يفهم ليس بشعر، والقصيدة لا تنتهي عند انتهاء الشاعر من كتابتها، وإنما تظل تنمو
في نفس كل قارئ من قرائها حتى يوشك أن يصبح لها من المعاني بعدد ما لها من
القراء!!. إن استخدام الشاعر للكلمة يبدأ بتحطيم الدلالة اللغوية لها...!!».
هذا هو في الحقيقة العبث بعينه أو
الهذيان، والذي يصدر عنه هذا القول إما مريض في عقله، أو عابث وجد في الفارغين من
يستمع إليه أو يفسح له مجال القول.
إن الكلام عن الحداثة متعدد الوجوه
والجوانب، ولم أقصد في هذه العجالة إلى الاستقصاء، بل أردت أن أنظر إلى الموضوع
نظرة عقلانية منطقية؛ لذلك ابتعدت عن ذكر الأسماء، وعن الاقتباس والاستشهاد بأقوال
الحداثيين، أو أقوال من رد عليهم إلا في أماكن قليلة، وقد كفاني هذه المؤونة بعض
الكتاب الفضلاء الغيورين، الذين جمعوا واستقصوا، فكشفوا الزيوف، وعروا أهل الباطل،
وإن كنت أخالف بعضهم أحيانًا في طريقة العرض، وأسلوب المناقشة، وقد لا يضيرهم هذا،
فلكل كاتب منحاه وطريقته في التفكير والتعبير، وأرجو أن يكون في هذه السطور شيء من
غناء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل