العنوان أسعار النفط العالمية أسباب وآثار ارتفاعها القياسي
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008
مشاهدات 59
نشر في العدد 1809
نشر في الصفحة 14
السبت 05-يوليو-2008
«أوبك»: سعر البرميل سيصل إلى ١٧٠ دولارًا قريبًا
- وكالة الطاقة الدولية: لم يبق على الأرض نفط كاف بعد استنزاف حقل نفط حول العالم!
- ارتفاع السعر حدث بعد انخفاض سعر الدولار ونشر بيانات عن ازدياد نسبة البطالة الأمريكية إلى ٥٫٥%
- زيادة أسعار النفط فرصة لتنمية بلادنا وإنهاء الفقر العربي والإسلامي قبل فوات الأوان. فهل نستثمر الفرصة؟!
الارتفاع القياسي الأخير والمتواصل لأسعار النفط، وصفه وزير الطاقة الأمريكي صامويل بودمان، بأنه «صدمة»، ووصفه عبدالله البدري الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» بأنه ضرب من الجنون.. فقد قفز سعر البرميل إلى ١٠٠ ثم إلى ۱۲۰ وبلغ ١٣٦، ثم ١٤١ دولارًا في نهاية يونيو ٢٠٠٨م، ونشرت مؤسسة مورجان ستانلي، تقريرًا توقعت فيه أن يؤدي ارتفاع الطلب على النفط في الدول الآسيوية مثل الصين والهند، إلى أن يبلغ سعر برميل النفط ١٥٠ دولارًا بحلول يوم عيد الاستقلال الأمريكي في الرابع من يوليو الجاري، والذي يرتفع الطلب فيه عادة على النفط نظرًا لكثرة السفر والانتقال خلال هذه العطلة.
وبينما يرى بعض المحللين أن سعر برميل النفط ربما يصل إلى ۲۰۰ دولار خلال العام القادم، قال شكيب خليل رئيس منظمة «أوبك» في لقاء مع قناة «فرانس ٢٤» في ٢٦ يونيو الماضي: إنه يتوقع ارتفاع سعر النفط إلى ما بين ۱۵۰ و۱۷۰ دولارًا للبرميل خلال فصل الصيف، ولكنه استبعد وصوله إلى ۲۰۰ دولار للبرميل.
ما الأسباب وراء هذا الارتفاع الخرافي؟ وما تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي؟ وما مستقبل إنتاج البترول؟ وهل يُعَدُّ هذا جرس إنذار، وتحذيرًا لبلادنا من استنزاف أموال البترول بفعل زيادة الإنتاج «الشراء السلاح الغربي مثلًا»؟ وماذا سيكون موقف العرب إذا نفد الذهب الأسود؟
الدولار.. والبطالة الأمريكية
«دانييل يارجين» رئيس قسم أبحاث الطاقة في جامعة «كامبريدج» قال أمام لجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب الأمريكي: «إن أسواق النفط الحالية مشحونة بتهديدات الإرهاب وعدم الاستقرار في بعض الدول المصدرة، وخطوات التأميم المفاجئة ومخاوف من تراجع الإمدادات والتنافس الجيوسياسي، وحاجة الدول القصوى للطاقة لتغذية اقتصادها المتنامي. (1)
ويقول مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» في الولايات المتحدة: إن الأرقام المزعجة لمعدلات البطالة الأمريكية أوضحت للأمريكيين بجلاء أنهم يواجهون مشکلات اقتصادية كبيرة وأنهم ربما يواجهون حالة كساد في وقت قريب.
ولوحظ أن الارتفاع في سعر النفط جاء بعد أن انخفض سعر الدولار الأمريكي، إثر نشر بيانات عن مستوى البطالة الأمريكية أوضحت أنها بلغت 5,5% وهي أعلى نسبة بطالة تشهدها الولايات المتحدة منذ ٢٠ عامًا.
وقد أعلن وزير الطاقة الأمريكي رفضه لما طالب به بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي من بيع جزء من المخزون الإستراتيجي للولايات المتحدة من النفط بهدف تخفيض أسعاره (۲).
إسرائيل.. وإيران
أيضًا أوضح محللون أن التهديدات الإسرائيلية بضرب إيران بسبب برنامجها النووي ساهمت في رفع سعر النفط، فوزير المواصلات الإسرائيلي شاؤول موفاز، قال في حوار مع صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية: «إن ضرب إيران لوقف برنامجها النووي سيكون أمرًا لا مفر منه.. ولأن إيران هي ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة «أوبك»، يخشى المتعاملون في أسواق النفط من أن يؤدي أي عمل عسكري ضدها لتراجع عمليات نقل النفط عبر الخليج عمومًا.
المضاربة
وهناك سبب آخر لارتفاع أسعار النفط هو المضاربة بين السماسرة على المبيعات والأسعار، بدليل تأكيد وزيري النفط القطري والإيراني عدم وجود نقص في النفط المعروض، أو الحاجة لزيادة الإنتاج، حيث عزا الأمين العام لمنظمة «أوبك» ارتفاع سعر النفط إلى انخفاض قيمة الدولار، بالإضافة إلى المضاربات في سوق النفط.
ويعتقد كثيرون أن المضاربات في البورصة وغياب الشفافية بشأن الاحتياطيات المتاحة وطبيعتها (۳) تُعَدُّ سببًا لارتفاع الأسعار، مما دعا الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا للضغط على منظمة «أوبك» لزيادة إنتاجها بهدف تخفيض أسعار النفط.
مستهلكون عمالقة
ويطرح خبراء أسبابًا عملية أخرى وراء ارتفاع الأسعار، بل ويعتبرونها من الأسباب الرئيسة وراء هذا الارتفاع، وأبرزها دخول مستهلكين عمالقة جدد إلى ساحة الاستهلاك مثل الصين والهند، إذ إن ثلاثة مليارات شخص في آسيا لم يكونوا يشكلون ثقلًا كبيرًا في السبعينيات من القرن الماضي ولكنهم دخلوا الآن ساحة التنافس على الطاقة.
وتتصدر الصين الدول التي تطلب النفط بشكل متزايد بسبب نموها المتصاعد تليها الهند لنفس السبب وتنافس الدولتان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان على نصيب الأسد من الإنتاج العالمي للنفط.
وبالمقابل، تأتي زيادة الطلب على النفط في وقت يواجه فيه الإنتاج مشكلات في العديد من الدول المنتجة حيث انخفض الإنتاج في نيجيريا إثر هجمات على أنابيب النفط، بينما تضرر التصدير العراقي عبر شمال البلاد بسبب الهجمات التركية على المواقع الكردية عبر الحدود، وشهدت الأسواق مخاوف من تراجع المعروض النفطي، بسبب عمليات الصيانة التي تمر بها مجموعة من مصافي النفط.
التضخم والنمو
وبسبب ارتفاع أسعار النفط تزايدت الضغوط على القطاعات الاقتصادية عبر العالم، وانعكست على ارتفاع أسعار السلع الغذائية، خصوصًا مع التوجه الغربي للتحول لإنتاج الوقود من المحاصيل الزراعية مما أدى إلى اندلاع مظاهرات في بعض البلدان ولجوء أرباب الأعمال إلى الضغط على حكوماتهم.. ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط سيؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي، ويؤدي إلى زيادة التضخم.
أيضًا هذا الارتفاع في الأسعار بدأ يؤثر على معظم الخدمات والمبلغ الأخرى التي أصبح النفط مكونًا أساسًا فيها، بالإضافة إلى ارتفاع سعر الطاقة في العالم.
ففي بريطانيا، ارتفعت أسعار وقود السيارات والكهرباء والغاز، وتقول «جانيت هنري الخبيرة الدولية في بنك HSBC البريطاني إذا حافظ سعر النفط على مستوياته هذه، فسيصبح أكبر عائق للنمو. وخصوصًا أن هذا يزيد الضغط على هوامش ربح الشركات ويقلص دخلها في الوقت الذي لم يعد فيه الناس قادرين على الحصول على اعتمادات سهلة (٤).
ولم تخف وكالة الطاقة الدولية قلقها من أنه لم يتبق على الأرض نفط كاف يروي عطش العالم لهذه المادة، إذ تعد الوكالة دراسة تتعلق باستنزاف نحو ٤٠٠ حقل نفط حول العالم.. وكان آخر توقع للإمدادات التي أصدرتها وكالة الطاقة الدولية قد أوضح أن العالم سيحتاج عام ٢٠٣٠م نحو ۱۲۰ مليون برميل يوميا مقارنة بـ ۸۷ مليون برميل الأن (٥).
تحذير للدول المنتجة
تقول دارسة أعدها مدير تحرير مجلة «فورتشن» الأمريكية «شون تيليا» إن استمرار ارتفاع أسعار النفط سيقود تدريجيًّا إلى العثور على موارد جديدة للطاقة من جهة، وسيدفع إلى تبديل أساليب الاستهلاك من جهة أخرى، الأمر الذي يعيد التوازن إلى الأسواق والأسعار.. وضرب أمثلة ب سوابق تاريخية قفزت خلالها أسعار بعض الخامات إلى درجات قياسية قبل أن تعود للتراجع مثل: التكنولوجيا ثم البيوت والعقارات في الولايات المتحدة والغرب، والتي انتهت بانهيار أسعار أسهم شركات التكنولوجيا والمنازل إلى مستويات متدنية (٦).
وتشير الدراسة إلى أن هذا الارتفاع الكبير سيزيد من رغبة الدول المنتجة للنفط في زيادة الإنتاج، بهدف الحصول على المزيد من المكاسب جرّاء المستويات القياسية الحالية للأسعار.. وتقارن بين ما حدث أواسط العقد الثامن من القرن الماضي عندما قفزت أسعار النفط إلى ٤٠ دولارًا فدفع ذلك العالم إلى الإحجام عن استخدام تكلفتها، فتراجعت إلى مستوى بسبب ١٥ دولارًا للبرميل طوال عقدين متتاليين.
والآن بدأ الحديث جديًّا في أمريكا خلال زيارات المسؤولين الغربيين للدول المنتجة للنفط. عن بدائل لطاقة النفط مثل الطاقة الشمسية والهوائية والمائية والنووية، والغاز والفحم بل ورمال النفط ومحاصيل الذرة، وهو ما دعا صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية للقول في افتتاحيتها: «إن عصر النفط يقترب من نهايته!!»
إن ارتفاع سعر النفط قد يكون فرصة لتنمية بلادنا، وإنهاء الفقر العربي والإسلامي قبل فوات الأوان.. فهل نستثمر الفرصة؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل