العنوان أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحُكم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978
مشاهدات 68
نشر في العدد 399
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 13-يونيو-1978
حديث: بين مندوب إذاعة باكستان والأستاذ أبو الأعلى المودودي
إن السلطات الحاكمة في باكستان أعلنت اعتزامها تطبيق النظام الإسلامي في باكستان وقد شكلت لتدوين القوانين الإسلامية مجلسًا يُسمى مجلس العقيدة الإسلامية يضم نخبة ممتازة من رجال العلم والقانون والفقه والدعوة، من كافة الفرق الإسلامية، واتصلت إذاعة باكستان برائد الحركة الإسلامية في باكستان: الأستاذ أبو الأعلى المودودي حفظه الله، وأجرت معه مقابلة إذاعية استغرقت وقتًا طويلًا. وكان موضوع المقابلة: ما هو الأسلوب الذي اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم للحكم. وكيف يمكن لنا اتباع هذا الأسلوب في العصر الحاضر.
وإليكم فيما يلي الحلقة الأولى من المقابلة وهي: أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم للحكم، وتليه في العدد القادم الحلقة الثانية من المقابلة بإذن الله.
خليل أحمد الحامدي مندوب إذاعة باكستان: سماحة الأستاذ الكبير مولانا سيد أبو الأعلى المودودي قائد الحركة الإسلامية. من اللحظات السعيدة لإذاعة باكستان أن يحضركم مندوبها. ويوجه إليكم بعض الأسئلة. ولا يخفى على سماحتكم أن دولة باكستان تريد الاعتصام بحبل الله بعد أن عاشت ثلاثين سنة في ظروف الانحراف. ومن فضل الله علينا أنه لا يختلف اثنان اليوم في جعل باكستان دولة إسلامية سماحة الأستاذ: هناك أكثر من واحد من الرواد والقادة ولكننا لا نزال نعاني الاضطراب والتشويش من عدم الاهتداء إلى ما هو الحق وصرنا في وضع يتمثل جيدًا في قول الشاعر الأردي ما معناه بالعربية: امشي مع كل من يسير في الدرب خطوات قليلة ولا أزال أجهل من هو الرائد.
نحن اليوم في حاجة مُلحة إلى التوجيهات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى نسير في الطريق المستقيم ويصلح بذلك دنيانا وديننا.
صاحب السماحة: أول ما نرجوه منكم هو أن تبينوا لنا الأسلوب الذي اختاره الرسول عليه الصلاة والسلام للحكم. وثانيًا: كيف يمكن لنا اتباع هذا الأسلوب في العصر الحاضر.
ولمعرفة محاسن دولة راقية أو عيوبها في العصر الحاضر تؤخذ الأمور الأربعة بالاستعراض:
1- من هو مصدر السلطة العليا في الدولة.
2- ما هو مدى حرية القضاء ونزاهته فيها.
3- ما هي نوعية السلطة التشريعية وحدودها ونطاقها.
4- ما هي حدود السلطة التنفيذية واختصاصاتها وخصائصها.
ومن هذا المنطلق نتوجه إليكم برجاء حار أن تلقوا الأضواء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث نحن وراء البحث عن كنوز تجعلنا نعيش وفق أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه: نعيش وفقها اليوم وغدًا، بل أبدًا دائمًا.
- يسرني كثيرًا أنكم أتحتم لي هذه الفرصة لأُبين للمسلمين في بلدي بصفة عامة، ولحكامه بصفة خاصة على أن نظام الحكم الذي أقامه النبي صلى الله عليه وسلم ماذا كان شكله.
إن الأمر الأساسي الذي عرضه الرسول عليه الصلاة والسلام والتسليم هو: أن السلطة العليا المطلقة ليست إلا لله سبحانه وتعالى، فالأرض أرض الله، وكل ما نعيش عليه من ماء وهواء وضوء وما إلى ذلك هو ملك لله سبحانه وتعالى، هذا الجسم الذي نعيش به، والقوى الكامنة فيه، وأعضاؤه وجوارحه هو الذي وهبنا إياها، ولا يحق لنا ابتداء أن ندعي وأساسه لأنفسنا السلطة المطلقة، أو نعترف بها لأحد يدعيها من دون الله، سواء أكان ذلك المدعي شخصًا أو حزبًا أو فئة أو مؤسسة.
فأول شيء عمقه النبي صلى الله عليه وسلم في أذهان البشر ودعا الناس إلى الإيمان به هو: أن الملك لله تعالى، والحُكم له أيضًا، ولا يجوز لأحد أن يشرع للناس قانونهم.
والأمر الثاني الذي له أهمية أساسية في الدين أيضًا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح للناس أن الله سبحانه وتعالى لا يؤتي قانونه للناس مباشرةـ، وإنما يؤتيه لهم بواسطة أنبيائه ورسله والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حاكمًا ولا منتخبًا ولم يصطنع حكمه من تلقاء نفسه؛ بل الله سبحانه وتعالى أعطاه هذا المنصب، وأمره بأن يعلم الناس ويزكيهم، ويصلح أذهانهم وأفكارهم، ويقوم أخلاقهم، ويبلغهم رسالات الله وأحكامه، ويطبقها بالذين يؤمنون بها ويطيعونها ابتغاء مرضات الله.
والأمر الثالث: دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به هو الآخرة، فالإنسان إذا لم يؤمن بكونه مسؤولًا أمام الله، وبأنه يُبعث بعد موته، ويقوم أمام الله، ويحاسب على كل عمل من أعماله لا يمكنه أن يسير في طريق الإسلام، كما لا يمكنه أن يصبح إنسانًا حقيقيًا.
إن هذه الأمور الأساسية الثلاثة ظل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إليها، ويعرضها على الناس في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة متتالية فالذين آمنوا به ورضوا بتلك العقائد جعل منهم أمة واحدة ونظمهم في جماعة واحدة.
وفي السنوات الثلاث الأخيرة من عهده صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة آمن به جماعة قليلة من أهل يثرب وهم دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إليهم ويهاجر معه أصحابه. وصدقت السيدة عائشة رضي الله عنها حينما قالت:إن المدينة فتحت بالقرآن، إذ لم يكن هناك سيف أو قوة قاهرة أرغمت أهل المدينة على الإسلام، بل لما بلغهم لقرآن وعلموا بما أنزل في مكة من سور القرآن آمنوا بها إيمانًا صادقًا، ولم يكتفوا بذلك، بل دعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الهجرة إلى قريتهم -يثرب- الصغيرة، ولم تكن لهم هذه الدعوة دعوة اللجوء إلى هذه القرية بل كانت لأجل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا، ومربيًا، وحاكمًا وأن يكون المهاجرون والأنصار أمة إسلامية واحدة، وأن يقام في تلك القرية ذلك النظام للحياة الذي آمنت به الأمة دينًا وشريعةً وعلى ذلك فقد قامت الحكومة الإسلامية في المدينة المنورة في ذلك اليوم الذي نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة.
وأول ما قامت به الحكومة الإسلامية هو العناية بنشر العلم والوعي بين الناس، لأن الإسلام هو العلم لا الجهل، واستنفد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه جهودهم في أن يعرف الناس دينهم، ويؤمنوا به على وعي وبصيرة، وبقدر ما انتشر الوعي، وأصبح الناس يعتنقون الإسلام ازدادت قوة الإسلام وتوطدت دعائمه.
والأمر الثاني الذي حققه الرسول عليه الصلاة والسلام هو أنه زكى نفوس الناس، وأقام اعوجاجهم، وأنشأ مجتمعًا يقوم كل شيء فيه على أساس الأخلاق المستقيمة، إذ أن أي نظام للحكم مهما كان يبلغ من السمو قمته، ومهما كانت قوانينه تبلغ من الصلاح أوجهًا إذا كان بناؤه لا يقوم على قاعدة من الخلق النزيه وإذا كان القائمون به لم يكونوا من أصحاب السيرة الحسنة وقائده لم يكن يؤمن بالله ويخافه لن يدوم ذلك النظام للحكم أبدًا.
ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم مع تكريمه الجهود في الدعوة إلى الإيمان بالله ونشر العلم.. ركز عنايته على تزكية النفوس وتحسين الأخلاق، وكان من مقتضى طبيعة نظام الحكم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون أخلاق الناس تساير طبيعته وتنسجم معه، ولذلك لم يفتقر النبي صلى الله عليه وسلم إلى استخدام القوة لتنفيذ الأحكام والقوانين في أغلب الأحيان، ولم يحتج إلى إرغام الناس على الطاعة قسرًا، وإنما كان يكفيه أن يقول للناس: أن الله أمركم بالأمر الفلاني ونهاكم عن الأمر الفلاني. وإذا بالناس يأتمرون بما أمروا وينتهون عما نهوا عنه عن طواعية أنفسهم. ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم من شرطة أو سجن أو شبكة للمخابرات. وما كان يدور بخلد أحد أن يبلغ الناس شيء من الرسول للعمل به فيخالفوه.
خذوا مثالًا على ذلك حكم تحريم الخمر: عندما أعلن في المدينة حكم التحريم أصبح الناس يريقون الخمور ويكسرون أوانيها ويمتنعون من تناولها، وأصبح من كان يشربها وبلغه النهي يصرفها عن فمه ولا يجنون ولا مثالًا واحدًا في جميع تاريخ البشرية لهاذ النوع من الالتزام والاتباع وما يوم أمريكا ببعيد. إنها صرفت آلاف الملايين من الأموال لإقناع الناس على أضرار الخمر ومساوئه. وقد جندت كافة الوسائل الإعلامية لشرح النتائج السيئة للإدمان، وأدخل على الدستور الأمريكي بعد تأييد الرأي العام تعديل منع بموجبه الخمر في أمريكا، ولكن اليوم التالي لصدور قانون منع الخمر بدأت ظواهر المخالفة القانونية في طول البلد وعرضه. صار الناس يشربون الأنواع الرديئة من الخمور، وقد بلغ الأمر إلى حد أن الشارع الأمريكي اضطر لإلغاء قانون منع الخمر. ولكم الآن أن تقارنوا بين المثالين: مثال يبرهن على أن ما أن صدر حكم تحريم الخمر إلا وأقبل الناس على تطبيقه إيمانًا واحتسابًا. ومثال يوضح أنه يقرر قانون منع الخمر معززًا بالتأييد الشعبي، بعد تمهيد الجو وبذل الدعاية على أوسع النطاق. ولكن صدور القانون يقترن بمخالفته بدون ما تأخير، وهذا دليل واضح على أن نظام الحكم الصالح أساسه الإيمان والتقوى، وبانعدام هذين الأمرين مهما وضعنا أحسن الدساتير وأفضل القوانين لا يعدو حبرًا على الورق ولا ينال طريقه إلى التنفيذ في الأرض.
مندوب إذاعة باكستان: الخصائص الأربعة للنظام الديمقراطي الغربي اليوم الذي أشرت إليه في البداية هل كان الحكم الإسلامي أيام النبي صلى الله عليه وسلم يتسم بتلك الخصائص؟ وإذا كان فبأي شكل؟
فيما يتعلق بالسلطة العليا سبق أن قلت إن تلك السلطة ليست إلا لله سبحانه وتعالى كما علمنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأمّا تصنيف الحكومة إلى ثلاث سلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية فهذا التنصيف لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم كان شارعًا وكان قاضيًا وكان حاكمًا فكل تلك السلطات كانت مجتمعة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم؛ بحيث كونه نبيًا مأمورًا من الله.
ولكن كان من دأب الرسول عليه الصلاة والسلام عز وجل كان يطالب الناس باتباعه كليًا، لم يكن هناك متسع في مناقشته أما الذي لم ينزل فيه أمر من السماء أن الأمر الذي كان يأتيه من الله كان يستشير فيه أصحابه، وكان يعطي لهم الحق في الاختلاف معه. وحدث أكثر من مرة أنه صلى الله عليه وسلم تخلى عن رأيه إلى رأي أصحابه والمثال على ذلك ما حدث في غزوة بدر حيث إنه صلى الله عليه وسلم اختار مكانًا للنزول فقام أحد أصحابه الحباب بن المنذر يسأله: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلك الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه.
يمكنكم أن تفهموا من خلال ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يروض الناس على أمرين: أحدهما: كل أمر ينزل من الله يطيعوه إطاعة مطلقة بدون تلكؤ، وثنيهما: الأمر الذي لم ينزل فيه حكم من الله يستشار فيه أصحاب الرأي والبصيرة ويُتاح لهم حق مناقشته، واستبانة ما فيه جوانب الحسن أو القبح، ويُتاح لهم حتى الاختلاف معه في بعض أرائه، وعرض رأي آخر عليه ثم الأخذ بالرأي الذي يقرر بعد المشاورة.
ولكم مثال آخر من هذا القبيل: عندما اكفهرت الظروف واشتد البلاء في غزوة الأحزاب أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعقد الصلح مع بعض القبائل من اليهود: أعداء الإسلام على ثلث ثمار المدينة، لأجل فصلها من تكتل المشركين. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيهن فقالا له: يا رسول الله: أمرًا نحبه ونصنعه؟ أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، كالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى -ضيافة- أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أمالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذلك فتنازل سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا.
ويمكنكم أن تعرفوا مما ذكرت آنفًا أسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم للحكم حيث إن الأمور التي كان الله ينزل فيها حكمه لم يكن فيها ما نصطلح عليه اليوم بالديمقراطية، والأمور التي لم يكن فيها حكم الله كانت تتم بروح التشاور –روح الديمقراطية بدون تشبيه.
البقية في العدد القادم.