الثلاثاء 05-مايو-1987
عرف أدبنا العربي القديم والحديث- ولا سيما المنظوم منه- الشوق إلى الأمكنة، ومن فيها، وما فيها.
كما عرف اللهفة إلى الزمن قريبه وبعيده، فقد غلبت النزعة الغنائية عليه، وارتبط بالوجدان والمشاعر، فكان بحق أدبًا إنسانيًا رفيعًا، فحب الديار والوقوف على الآثار غرض قديم ارتبط به الشوق إلى الظاعنين الذين أضحت ديارهم خلاء، ولم يبق منها إلا دمن وأطلال تذكر بالحبيب:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل***بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وكما قال الشاعر:
أمر على الديار ديار ليلى***أقبل ذات الجدارا وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي***ولكن حب من سكن الديارا
وأما البكاء على الزمن المنصرم، وسالفات الليالي والأيام فقد كان ملاذًا للشعراء في مختلف العصور، يجدون في تذكره سلوى لنفوسهم، وراحة لقلوبهم.
فمنهم من شكا حاله، وما فعلت به الأيام، كقول قائلهم وهو يشكو ما فعل به المشيب:
ألا ليت الشباب يعود يومًا***فأخبره بما فعل المشيب
ومنهم من نظر إلى واقعه البائس، فذكر أيامه الخوالي:
وليست عشيات الحمى برواجع***إليك، ولكن خل عينيك تدمعا
واذكر أيام الحمى، ثم انثني***على كبدي من خشية أن تصدعا
ومن خلال هذا الحنين إلى الديار، وإلى الأيام الخوالي يستوقفنا الشاعر «محمد ضياء الدين الصابوني» لنتلمس هذه الظاهرة في ديوانه الجديد: «في رحاب رمضان: أشواق وذكريات».
تذكر طيبة فشكا وأنا***وهيجه الحنين لها فحنا
وهام فؤاده شوقًا إليها***كما بحبيبه هام المعنى
وحرك لاعج الأشواق برق***تلألأ في ظلام الليل وهنا
رعى الله المنازل والمغاني***فكم ذقنا بها رغدًا وأمنًا
أحن لعينها الزرقاء شوقًا ***وهل أخلى من الزرقاء عينًا
سقى وادي العقيق وساكنيه***فكم رف الفؤاد به وغنى
ألا يا حبذا نفحات وصل***تعيد لقلبك العيش المهنى
المكان: هو أرض طيبة مهوى أفئدة العابدين، ومنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومهاجره.
الزمان: هو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والذي فيه ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر.
وبين الشوق للزمان والمكان تتجلى ليالي القيام في الشهر العظيم:
يا ليالي القيام عودي إلينا ***وانفحينا بأطيب النفحات
جمعتنا في (الروض) منها سويعات***مع الراغبين في القربات
إنهم فتية إلى الله تدعو***في مضاء وهمة وثبات
هجروا لذة الرقاد، وراحوا***سرعًا كالرياح في الخيرات
تتجافى جنوبهم، يتعالى***نحيبهم لاهب الزفرات
فهم بين خائف مستجير***يتلوى وطامع في النجاة
يتجلى الإله فضلًا عليهم***بفيوض الإحسان والبركات
إنه رمضان في طيبة الطيبة، فهل هناك أروح للقلب، وأهنأ للنفس من تلك السويعات في الروضة الشريفة بمسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟!
فأي عالم علوي تسبح فيه الروح؟ وأية أحاسيس تلك التي تفيض بها نفس الشاعر، وهو في تلك الأجواء الرفيفة التي تجنت فيها القلوب، وتطمئن النفوس؟
كأننا بالشاعر وهو يصف حال الركع السجد، وقد تجافت جنوبهم عن المضاجع، بعد أن هجروا لذة الرقاد، راغبين فيما عند الله- تعالى- كأننا مع ابن الرومي وقد غمرته تلك النفحات التي غمرت شاعرنا «ضياء الدين»:
تتجافى جنوبهم***عن وطئ المضاجع
كلهم بين خائف***مستجير وطامع
تركوا لذة الكرى***للعيون الهواجع
واستهلت عيونهم***فائضات المدامع
ودعوا يا مليكنا***يا جميل الصنائع
أنت- إن لم يكن لنا***شافع- خير شافع
وفي ساعات الأنس والسرور يتقارب الزمان حتى لم يعد في السنة ما تبتهج به النفوس إلا أيام رمضان، وقد حق لمن تنسم عبق تلك الليالي، وأخبت قلبه فيها لله تعالى، وحلقت روحه في أجواء المغفرة والرحمة والعتق من النار، فشفت نفسه، وقد تخلت عن زيوف الحياة وما اعتادته، حق له أن يحس بقصر تلك الأيام فكما أن الساعات قد تطول وهي قصيرة، في أقوات الكرب والحزن، فكذلك قد تقصر في ساعات الأنس والسرور.
أظلنا العشر ما أحلاه فابتهجي***يا نفس، واستبشري لاحت بشائره
فاغنم سويعاته بالخير تعمره***وإنما أسعد الإخوان عامره
تصفو النفوس به من غير ما كدر***وليس للقلب إلا الحب غامره
ساعات أنس تجلى الله فابتهجت***به النفوس، وقد قرت نواظره
ساعاته كلها عفو ومغفرة***إن جل ذنبك فالرحمن غافره
وليلة هي خير لا ارتياب به***من ألف شهر تغشاها أوامره
وماذا يحمل معه رمضان إلى جانب شفافية الروح، وإخبات النفس؟ أليس هو شهر بدر، وقد أعز الله بها الفئة المؤمنة فنصرها على الكثرة الكافرة؟ إنه يحمل ذكرى من أعز الذكريات، ففي بدر انتصر الحق على الباطل، والتوحيد على الشرك، فبدر مفخرة الدهر، ومعجزة النصر، وملهمة الشعر:
ما لبدر، وهل سمعت كبدر***يوم دكت معاقل الظلماء
يوم خرت قريش صرعى أمام***الحق حيرى، قتيلة الكبرياء
ليت شعري ماذا دهاها فسارت***في ركاب الضلالة العمياء
إنها «بدركم» أذلت نفوسًا***غارقات في لجة هوجاء
غمرتهم بنفحة من عذاب***وشقاء يلذ طعم الفناء
ولكن هل الانكفاء على الماضي المجيد هروب من الواقع المؤلم؟ إن شاعرنا المسلم يبغي من وراء العودة إلى الذكريات، والتغني بأمجاد الأمة، بعث الهمم، وتجديد الأمل، لا مجرد البكاء على أطلال الماضي، والحنين إليه، والعيش في ظلاله، إرضاء لنفسه، وإشباعًا لرغبتها في الانتشاء بالأمجاد.
إيه يا بدر أنت مفخرة***الدهر، ووحي الكتاب والشعراء
أنت بدر الزمان يسطع بالنور***ويقضي على دجى الظلماء
أنت ألهمتني القريض وكم***فتقت قبلي قرائح الشعراء
وأسلت القريض مني غناء***عبقري الإيقاع، عذب الأداء
كلما عادني تذكر بدر***طاولت عزمتي ذرا الجوزاء
وحين يأتي الزمان حاملًا معه بهجة للقلوب، وهناءة للنفوس ليلتقي بالنشوة التي توحيها إلى النفس طهارة المكان وقدسيته، عند ذاك يحق للروح أن تسبح وتحلق، فقد اجتمع شرف المكان والزمان، فالزمان رمضان، والمكان مدينة النبي- عليه الصلاة والسلام-:
رمضان، ما أحلى لقا رمضان***في «طيبة» في مأرز الإيمان
تسمو النفوس بطهرها ونقائها***شوقًا لوعد الله في الغفران
ما أسعد الإنسان في أيامه***فكأنه في جنة الرضوان
رمضان شهر الذكريات حميدة***دنيا من الأشواق والعرفان
ولكن رمضان ليس إلا شهرًا يفد كريمًا، ويودع كريمًا، ولا يحس بلذع الفراق إلا من صامه وقامه محتسبًا.
بالله هل شهر الصيام مودع***أما لقلبك مستهام موجع؟
أتراه يرحل مثل حلم في الكرى***أو نظرة فيها الحبيب يودع
يا فرحتي بلقائه، يا حسرتي***لفراقه، فالعين حرى تدمع
رمضان، ما أحلى ليالي «طيبة»***والذكريات تهيجنا، والمرتع
رمضان، ما أحلى سويعات اللقى***وأحر ما نلقاه يوم نودع
ولعل مما يخفف هذا الحزن يوم الفراق، ويطفئ شيئًا من لذعاته، أن يأتي يوم العيد، يوم الجائزة، والشاعر في طيبة الطيبة:
أي عيد عند الحبيب المفدى***هو أحلى من الورود وأندى
أي عيد يحمل الأنس للروح***فتسمو إلى المعارج صعدا
هذه «طيبة» وأنت محب***وأرى الشوق في الضلوع استبدا
لست أنسى، وقد حللنا ضيوفًا***عند خير الورى، وأكرم رفدا
هيجتني ورقاء طيبة، لكن***لم تهجني ألحان ليلى وسعدى
أنت في روضة الحبيب حبيب***ومحب الرسول يبلغ قصدا
فعسى نفحة تنير قلوبًا***مظلمات، وبالمحبة تعدى
كلما عادني تذكر «سلع»***هزني الشوق، والحنين استجدا
ألا يحق للشاعر أن يكون عاشق طيبة، لا شاعر طيبة كما سماه بعض الأدباء؟
لأن كل عاشق شاعر- وإن لم يقل شعرًا- وليس كل شاعر عاشقًا، فقد عودنا الشعراء أن يكتبوا عن طيبة قصائد معدودات، ولكن شاعرنا «ضياء الدين» أتحفنا بديوان شعر كامل حوى أكثر من عشرين قصيدة، مع ديوانين سابقين، هما: «نفحات طيبة»، و«رباعيات من طيبة»، وهذا ما يفعله العشاق، لا الشعراء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل