العنوان أضواء جديدة.. على أحداث الحركة الانفصالية في.. باكستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1971
مشاهدات 69
نشر في العدد 79
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 28-سبتمبر-1971
أضواء جديدة.. على أحداث الحركة الانفصالية في.. باكستان
بين يدي تجدد الصراع بين باكستان والقوى المناوئة
«قام الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة الإسلامية بالنيابة في باكستان بالجولة في باكستان الشرقية بدءًا من ٣٠ يونيو إلى ١٩ يوليو ۱۹۷۱ م، وزار فيها العديد من مدنها، واجتمع مع الشخصيات البارزة والمسؤولة فيها، وفي الختام تقدم إلى الشعب الشرقي بهذه الرسالة:
رسالة الإخاء والنصح والوئام، وإليكم الترجمة العربية لرسالته»
أتقدم إليكم، قبل كل شيء بأعطر التحيات وأطيب التمنيات نيابة عن الأستاذ أبو الأعلى المودودي أمـير الجماعة الإسلامية في باكستان، وعن سبعين مليونًا من إخوانكم في الإسلام في باكستان الغربية. وهم جميعًا متألمون غاية الألم مما حدث في باكستان الشرقية من اضطرابات ومذابح وقلاقل، ويشعرون بمرارة الخطب الذي دهاكم شعور الأخ بمصاب أخيه، وأن الأستاذ المودودي لو لم يكن به عذر من المرض المزمن الذي قعد به عن النشاط وجعله طريح الفراش؛ لكان من أول المسارعين إليكم، وشاهد أوضاعكم بأم عينيه، ولأجل انحراف صحته واعتلاله الطويل؛ ألقى على كاهلي مسؤولية قيادة الجماعة.
وأنه انتدبني إلى باكستان الشرقية؛ لأدرس الأوضاع فيها عن كثب، ثم أطلع الجماهير المسلمة في باكستان الغربية، والحكومة المركزية، وإخوانكم رجال الجماعة الإسلامية؛ ليقوموا بواجب تحسينها والعودة بالمياه إلى مجاريها.
المبدأ الذي انطلقت منه باكستان
إن الأحداث التي قصفت باكستان الشرقية في الآونة الأخيرة لا تصيب مثلها الأمة التي تكون على شيء من الوعي والحيوية إلا وتفيقها من الغفوة، بدلًا من أن تدخل في قلوبها التضجر واليأس والفتور، وبناءً على ذلك نحن مدعوون إلى أن نراجع تاريخنا الغابر، ونتبين: ما هو المبدأ الذي انطلقنا منه، وما هي الغاية التي كنا نستهدف بلوغها، ثم ما هو الواقع الذي وصلنا إليه في النهاية.
إن الذي حدث في باكستان الشرقية ليس وليد الصدفة أو حصيلة الاعتباط؛ بل هو نتيجة حتمية لتهاوننا الأثيم، الذي كرسناه بصفة جماعية، في غايتنا الحقيقية ورسالتنا السامية طيلة أربع وعشرين سنة مضت على تاريخ باكستان، أليس من الحقيقة الثابتة أن باكستان أنشئت على أساس الفكرة التي لا يجهلها أحد منا. لم يكن تصور باكستان حلمًا من أحلام المعتوه أو هذيان المجنون، بل إنها كانت تمثل الأمل القديم الذي كان مسلمو شبه القارة الهندية ينطوون عليه، مدفوعين بواجبهم الديني في هذا الباب وضرورة القيام به، وهـذا الأمل كان يعني أنهم يريدون في شبه القارة الهندية قطعة من الأرض؛ يؤسسون فيها نظم حياتهم على الأيدلوجية التي يؤمنون بها.
وكان القائد الأعظم: محمد علي جناح قد صرح في بداية الأمر قائلًا: إننا لا نريد باكستان لأجل الحصول على قطعة من الأرض، بل إننا نريدها لنجعلها معملًا للإسلام: إذن فحصولنا على أرض تسمى باكستان ليس هو عين غايتنا، بل هو وسيلة لتحقيق غايتنا. وهذا هو المحتوى الذي كان زعماء حركة باكستان قد صاغوه في قالب القرار المعروف بقرار المبدأ الذي كان اتخذه البرلمان الباكستاني في السنوات الأولى من تاريخ باكستان، وجعلوا بذلك باكستان برج النور في دياجير الحياة، ودليل الهداية للبشرية. ولكن يا للأسف لقد تم في باكستان في تاريخها الماضي كل شيء ماعدا ما ضحى المسلمون لأجله بكل نفس ونفيس.
إبعاد الإسلام عن الحياة
ورأينا بأم أعيننا كيف أن جميع وسائل الحكومة وإمكانياتها استخدمت لأن تتمتع باكستان بكل ما تريده.
ماعدا شيء واحد وهو الإسلام وخذ مثلًا برامج الإذاعة المسموعة والمرئية، ونظـم التعليم ومناهجه، وأساليب الحياة الاجتماعية، ونماذج سلوك الزعماء، وظواهر الأعياد الشعبية وما إلى ذلك، واسرح فيها نظرك؛ يتجل لك بدون ما غموض أن وجهتنا كأمة ليست شطر الإسلام، بل شطر ما يعارض الإسلام، وماذا عسى أن ينتج سلوكنا الذي اتبعناه في الماضي سوى أن تتغلغل في أفكارنا روح اللادينية بدل الإسلام، وأن تحل العصبيات الإقليمية واللسانية الموبقة الضيقة الأفق محل التفكير الجماعي السليم، وفعلًا حصل ما كان ينتظر؛ وبدأنا الآن نذوق ثمراته المرة، والذي زرعناه بالأمس بدأنا نحصده اليوم.
جنون العصبية الإقليمية
وما حدث في باكستان الشرقية ليس مبعثه إلا نفس الجنون الجاهلي الأعمى للعصبية الإقليمية والعنصرية واللسانية، وبدافع من نفس الجنون ذبح المسلم أخاه المسلم، لأن أخاه المسلم ابن منطقة تبعد عن منطقته أميالًا، ويتكلم لغة تختلف عن لغته، وبلغت هذه الحالة الجنونية مبلغها؛ لما خرج المصابون بها يبيدون إخوانهم المسلمين متكاتفين مع الكفار والمشركين وكأداة طيعة لهم. الأمر الذي لم يشاهده التاريخ قبل ذلك، وأضاف هذا الواقع الأليم صفحة سوداء إلى تاريخ الأمة الإسلامية.
الخطر الذي نبه عليه الأستاذ المودودي
وقبل الانتخابات العامة التي انعقدت في أواخر السنة الماضية بفترة يسيرة، قال الأستاذ المودودي في إحدى خطبه، وكان صادقًا فيما قال: إذا نجحت في باكستان أحزاب تحمل أفكارًا إقليمية، ولا يتعدى نفوذ أحدها إقليمًا واحدًا من أقاليم باكستان؛ فسوف يتعذر على الجيش الباكستاني أيضًا استبقاء باكستان بلدًا واحدًا.
والخطر الذي نبهت عليه بصيرة الأستاذ المودودي النافذة في أوانه ولم يلتفت إليه أحد من المسؤولين في هذا البلد، تجسد في نهاية المطاف واقعًا ملموسًا بعد الانتخابات بأربعة أشهر فقط؛ حينما نجح في باكستان الشرقية حزب كان يرمي إلى تفكيك عري البلد وفصمه إربًا إربًا، وكانت نظرات زعمائه وأفكارهم تخلو من مزايا التطلع خارج حدود إقليمهم، وتحولت مقاليد قيادة هذه البلاد وتوجيهها إلى هذا الحزب. ولكنه بدلًا من أن يشعر بمسؤولياته القومية التي ألقت النتائج الانتخابية عبئها على كواهله اتبع سبيل الإبادة القومية والتدمير الشامل، والذي حصل في باكستان الشرقية في الفترة ما بين أول مارس «آذار» لغاية ٢٥ مارس ۱۹۷۱ م كان يحمل عناصر الدمار والخراب بكل وضوح ومن كل ناحية، وسيطر تمرد حزب عوامي وأعوانه من الأفراد والجماعات على كل شعبة من شعب الحكومة في باكستان الشرقية، بل أقيمت فيها حكومة موازية، ثم ما حدث بعد يوم ٢٥ من آذار لا تجد له مثالًا في العالم إلا فيما أوجده اليهود من فلسفات هدامة، وما اتبعوه من أساليب للفتك بالإنسانية، وأعجز عن فهم: لماذا يعتبر اختلاف لغة الأقلية عن لغة الأكثرية جريمة تستوجب القتل والفتك للأقلية؟ ولماذا يعتبر الرجل خاطئًا آثمًا لمجرد تكلمه لغة تعلمها في حضن أمه أو لغة المنطقة التي ولد فيها؟ وكيف يعتبر الرجل مخطئًا في أمر ليست له فيه الخيرة؟ إلا أن حزب عوامي أقام سدودًا وحواجز بين مختلف الفئات الإسلامية على أساس ولادة الرجل في أرض بنغال أو في غيرها.
فلسفة حزب عوامي الضيقة
وإن الجماهير الباكستانية عندما صوتت في جانب هذا الحزب، وكللته بالنجاح وسدت إليه مسؤولية الدفاع عن باكستان وتثبيت وحدة ترابها وتمتين مقوماتها، إلا أن هذا الحزب الخائن جاء يبني حواجز من العصبية الإقليمية واللسانية؛ ففرق كلمة الأمة وشتت شملها، إنه استفرغ كل إمكانياته ليرسخ في أذهان الشعب البنغالي: إن مصالح المسلمين البنغاليين ورخاءهم وسعادتهم لا تتحقق في معاشرتهم مع المسلمين غير البنغاليين كأفراد الشعب المسلم؛ بل تتحقق في انصهارهم في بوتقة القومية البنغالية التي تضم المسلمين والهندوس، وكان من النتيجة الطبيعية لهذا التفكير أن انتشرت في المسلمين البنغاليين ظواهر من الكراهية ضد غير البنغاليين؛ حتى تحولت في النهاية إلى العداوة والبغضاء أتت على كل القيم الإنسانية والمقاييس الخلقية.
وأقول، والألم يحز في نفسي: إن هذه الفلسفة العنصرية عمت في بلد لم يؤسس على الدعوات الإقليمية أو اللسانية؛ بل أنشئ على القومية الإسلامية.
وتعلم الدنيا إننا لم نطلب إنشاء باكستان لأجل أن البنغالي أو البهاري أو البنجابي أو السندي أو الباتاني يفتقر إلى قطعة من الأرض يعيش فيها برغد ودعة، لو كان الأمر لما قام السنديون يقدمون التضحيات لأجل الحصول على شرقي بنغال، ولم يكن البنغاليون ليثوروا لأجل تحرير الحدود الشمالية «منطقة الباتان»، وما أنشئت تحقيقًا لمصلحة فئة ضمن الفئات المتنوعة، أو قومية ضمن القوميات العديدة في المنطقة، لو كانت المصالح الإقليمية أو الدعوات العنصرية أو النوازع الضيقة الأفق تشكل غاية إنشاء باكستان لما كان لها أن تبرز إلى حيز الوجود أبدًا، فمن الواقع الذي لا يختلف فيه اثنان أن مسوغ إنشاء باكستان لم يكن إلا القومية المسلمة مائة في المائة، لا القومية البنغالية، أو القومية السندية أو القومية البلوشية أو البنجابية أو الباتانية.
بقية أضواء جديدة
مزاعم ملفقة
تكتلت جميع الأحزاب التي تهدف إلى إحلال اللا دينية والاشتراكية في باكستان محل الإسلام مع حزب عوامي الممنوع في إثارة العصبية الإقليمية وإلهاب نعرة اللسانية؛ فنشأت حركة عنصرية عارمة قادها حزب عوامي الممنوع في أرجاء الإقليم، وهذه الحركة كانت تستخدم أساليب التضليل والكذب والافتراء، ودعايتها كانت تتضمن أمرين رئيسيين: أولهما أن باكستان الغربية جعلت باكستان الشرقية مستعمرة لها طيلة السنوات الماضية وتريد استبقاء وضعها بصفة مستمرة.
وثانيهما: أن الذي تكسبه باكستان الشرقية من أموال تنهبها باكستان الغربية، كما أن جميع إمكانيات البلاد جندت لتطوير باكستان الغربية وازدهارها، بينما تعمد إهمال باكستان الشرقية واستبقائها متخلفة بعيدة عن التطور والنمو والتقدم في كافة المجالات.
إن هذه المزاعم قد رسخت في أذهان الشعب البنغالي وأعيدت مرة بعد أخرى، حيث أصبحت كأنها حقيقة ثابتة؛ وبالتالي قامت في قلوبهم حواجز متينة مبنية من الكراهية والعداء ضد غيره، وأصبح السم الزعاف لهذه الدعاية الملفقة يجري في عروقهم مجرى الدم. مع إنه كان واضحًا جليًا على كل من كان فيه مسكة من العقل السليم أن الحيف الذي حل بباكستان الشرقية لا ضلع فيه أبدًا لأهالي باكستان الغربية أو لغير البنغاليين في باكستان الشرقية، بل مرده إلى الفئة التي حكمت هذه البلاد، والتي كانت تضم الممثلين عن باكستان الشرقية أيضًا في كل دور من أدوار الحكومات التي تعاقبت البلاد. وفيما يتعلق باتهام نهب باكستان الغربية لباكستان الشرقية وكون الأخيرة مستعمرة للأولى، فأتولى بكل صراحة: إنه بعد أن طبق في باكستان مبدأ «كل فرد له صوت» لم تنل باكستان الشرقية في البرلمان المركزي الأغلبية الدائمة والتفوق السياسي المستمر فحسب، بل تولت زمام الحكم أيضًا بموجب هذا المبدأ. وإذا كان لإقليم أن يشكو من كونه مستعمرة للإقليم الآخر؛ فلباكستان الغربية التي نالت نصيبها من المقاعد في البرلمان المركزي أقل بكثير مما نالت باكستان الشرقية فيه. «عدد مقاعد باكستان الشرقية في البرلمان المركزي ١٦٩ مقعدًا، بينما عددها لباكستان الغربية ١٤٤ مقعدًا»، ويحق للباكستانيين الغربيين أن يشكوا من أن الاتفاق الذي كان تم على مبدأ التمثيل المتساوي بين زعماء باكستان الغربية وزعماء باكستان الشرقية الذين هم أكبر حجمًا وأعظم شأنًا من مجيب الرحمن وأمثاله، مزق الآن على كونه اتفاقًا معقولًا وسليمًا، ولكن لا تجد ولا مثالًا واحدًا على أن قام أحد من الزعماء السياسيين أو الاحزاب السياسية في باكستان الغربية يعارض مبدأ «كل فرد له صوت» الذي أقره الرئيس الحالي لباكستان، والذي جعل باكستان الغربية أقلية دائمة تجاه الأغلبية الدائمة لباكستان الشرقية. بل أن أهل باكستان الغربية رحبوا بهذا القرار كل الترحيب، وقبلوه بكل ارتياح ورحابة صدر؛ لأنهم لا يعتبرون أهالي باكستان الشرقية شعبًا أجنبيًا، بل يعتبرونهم إخوانًا لهم في الإسلام أعضاء جسد واحد «إذا تداعى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».
ولا يدور في خاطرهم أبدًا فكرة جعل هذا مستعمرة لذلك. ولو كان أهل باكستان الغربية يتبعون طريق استغلال باكستان الشرقية كما يزعمه حزب عوامي والذي يدور في فلكه من الأحزاب «وهي حزب الشعب القومي بكتلتيه: كتلة روسية الولاء يتزعمها عبد الحميد بهاشاني، وكتلة صينية الانتماء يتزعمها البروفسور مظفر أحمد، والرابطة القومية التي يتزعمها عطاء الرحمن» فلم يكن لهم أبدًا ليسلموا بمبدأ يخضعهم دائمًا لأغلبية باكستان الشرقية، ويضعهم بصفة مستمرة في الدرجة الثانية. ولكن لا تستطيع أن تأتي ولا بمثال واحد على أن باكستان الغربية استنكرت هذا القرار، أو عبرت عن رأي بلهجة يُشم منها رائحة الشكوى، وهذا الموقف الوحيد يعطي برهانًا ساطعًا على أن الدعاية التي تنشرها باكستان الشرقية ضد باكستان الغربية لحمتها الكذب وسداها الافتراء.
الحلقة الثانية في العدد القادم