; أضواء جديدة على عملية ميونيخ | مجلة المجتمع

العنوان أضواء جديدة على عملية ميونيخ

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

مشاهدات 79

نشر في العدد 117

نشر في الصفحة 3

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ( سورة المائدة : 32 )

 في فورة الانفعالات، والصخب استطاع اليهود في العالم أن يصوروا الصراع، ويحصرونه في عملية ميونخ بكل ما صنع حولها من دراما، وما أفرغ عليها من لمعان إعلامي.
وهذا موقف ينطوي على الذكاء والمكر من جانب اليهود، وعلى السطحية من جانب الإعلام العربي . 
إن حصر الصراع في هذه الجزئية الصغيرة، يمكن اليهود من استغلال أسوأ الظروف التي تبدو ضدهم، وفي نفس الوقت يجعلنا غير قادرين على الإفادة من الظروف التي تبدو في صالحنا . 
إن عملية ميونخ كانت فرصة مناسبة لبعث « القضية الفلسطينية » من جديد، وعلى أوسع نطاق . 
فالعالم - وأيًّا كان موقفه - الذي كان يتابع الألعاب الرياضية في دورة ميونخ باهتمام وتركيز، قد استدار  في لحظات - لكي يتابع وقائع ما حدث بين الفدائيين والرهائن والسلطات الألمانية.
وفترة توقد الانتباه هـــــي أحسن الفرص وأكثرها ملاءمة للتعريف بقضية ما، أو لتوكيد معاني معينة. 
إن التمهيد لبعث قضية من القضايا يقتضي - دومًا - إحداث شيء ما يشد انتباه الناس ويهيئ مشاعرهم وعقولهم لقبول حقائق جديدة . 
وكثيرا ما يفتعل المخططون « مناسبات » مشحونة بالأحداث تحضيرًا لغرس ما يريدون في أذهان الجماهير . 
ولا نظن أن حدثًا من الأحداث - في الشهور الأخيرة - قد شد العالم كله إلى متابعة وقائع معينة، مثل ما فعلت عملية ميونيخ . 
كانت فرصة مفعمة بالاحتمالات المجدية . 
وكان العالم كله - أيًّا كان موقفه - مستعدًا لسماع أي شيء !! 
كان مستعدا ليقرأ كثيرًا ويعرف كثيرًا عن خلفيات الأحداث . 
كان العالم يسأل - بواقع حاله –
من هم هؤلاء الفدائيون ؟ 
ما هي مشكلتهم مع اليهود ؟ 
ولماذا حدث الصراع في ميونخ ؟ 
ما هو الحل الذي يضمن عدم تكرار ما جرى ؟ 
وحين يكون السؤال مطروحًا ومعه هذا القدر من الاهتمام والرغبة في معرفة المزيد، يكون للإجابة أقوى الأثر، لكن الأمور جرت دون أن نستفيد الفائدة الممكنة من هذه الفرصة المتاحة !! 
وهذا أسوأ ما في الموقف كله ! 
أسوأ ما في الموقف أن ننسى « قضيتنا الرئيسية » أو لا نبذل جهدًا كبيرًا في بعثها من جديد، ثم ينجرف الإعلام العربي إلى تحقيق ما يريده اليهود، وهو حصر الصراع في حادث ميونخ . 
ينبغي أن يعرف العالم - مجددًا، أن الموضوع أكبر من ذلك وأخطر ، وإن حصره في هذه الجزئية تضليل رهيب يزيد المشكلة تعقيدًا.
ينبغي أن يعرف أن الموضوع هو : أن غزاة أجانب جاؤوا من فجاج الأرض، واستعمروا أرض شعب كامل، بعد أن شردوه، ونهبوا بيوته ومزارعه .
 وينبغي أن نسأل الرجل الألماني والأمريكي والروسي والفرنسي والإنجليزي، الخ ..
ماذا يكون موقفك - أيها الرجل - لو أن قومًا غزاة احتلوا أمريكا ونهبوا معاملها ومراكز بحثها ومزارعها وحقول نفطها بعد أن شردوا أهلها وطردوهم .
ماذا يكون موقفك أيها الألماني أو الروسي أو الفرنسي أو الإنجليزي لو حدث لك نفس الموقف؟ 
أن تضييع الفرص فشل فكري وإعلامي اكيد . 
كانت الظروف تبدو في صالحنا، ومع ذلك لم نقطف ثمارها ! 
وكانت تبدو ضد عدونا، ومع ذلك جنى ثمارها ! 
 وليس صحيحًا أن العالم كله ضدنا 
نعني أن « الناس » في العالم ليسوا ضدنا على الاطلاق . 
إن الذي يقف ضدنا هم : الرجال الذين وقعوا فريسة التلقين الصهيوني والخداع اليهودي، أو فعلوا ذلك عن وعي لارتباط مصالحهم باليهود  
والذي يقف ضدنا كذلك هو : الإعلام الخاضع لتوجيه اليهودية العالمية، وحين تنتقد العالم إنما ننتقد هذين العنصرين .
ومن هنا تتضح بصورة قاطعة الأهمية القصوى « لحكمة الإسلام » في العالم، ولعل العرب يدركون ذلك، حتى تكون له خطة إعلامية ذكية وطويلة الأمد، تتجنب في وعي رشيد بناء نفسها على افتراض غبي وهو: أن العالـم ضدنا، وإنما تبني نفسها على أن هناك تنافسًا حادًا بيننا وبين اليهود، في مجال كسب العالم .
لقد ضلل الإعلام العالمي آراء الناس وخدعهم .
والناس ليسوا حجارة، أنهم يتأثرون بالإعلام اليهودي، كما أنهم يمكن أن يتأثروا بنا لقد حدثت مغالطات واضحة الهزال والوهن. 
فالفلسطينيين المعتدى عليهم صُوروا وكأنهم قتلة متوحشون . 
وبما أن الرجل الأوروبي أو الأمريكي - على ما به من عوج - يستمع إلى الكلام المنطقي سواء كان ذلك عن طريق اعتزازه بمنطق أجداده اليونان، أو عن طريق تفاخره بحضارة « المنطق » التي يعيشها .
وهذا مدخل معقول . 
وللمرة الألف نحذر من الافتراض الغبي الذي يريد أن يسد المنافذ والطرق أمام محاولات الكسب والتأثير . 
إن اليهود - بعد حادث ميونخ - شنوا عدوانًا وحشيًا على سوريا ولبنان .. فدمروا البيوت الآمنة على أهلها، وقتلوا النساء والأطفال « طالع صورة الغلاف » وكان عدد القتلى في هذا العدوان أربعة أضعاف الرهائن اليهود . 
فلماذا لم تقم ضجة أكبر تتناسب مع عدد القتلى ! - في العالم ضد هذا العدوان اليهودي ؟ 
سيقولون : إن عدوان اليهود على سوريا ولبنان كان رد فعل انتقامي ضد عملية ميونيخ . 
حسن هذا ؟!!
ولتنفق على أن هذا المنطق معقول ويبرر التصرفات، أي تصرفات . 
وبنفس المنطق نسأل: عملية ميونخ أليست هي الأخرى رد فعل ضد عدوان شامل على شعب فلسطين كله! 
عدوان لم يقع على ثمانية أو أحد عشر شخصًا فقط، وإنما وقع ضد مئات الآلاف من الأسر الفلسطينية قتلًا واضطهادًا وتشريدًا وإذلالًا في النفس ، واحتلالًا ونهبًا للأرض والممتلكات . 
هذا « فعل » ضخم، كان أحد ردوده في ميونخ، أليس كذلك؟ 
وبهذا المنطق يصبح الذي قام بالعدوان ابتداء - احتلال فلسطين - هو المسؤول أولًا .. وأخيرًا.
◘ ثم من قال أن الفدائيين كان هدفهم قتل الرهائن ؟ 
إن تصرفات الألمان وخضوعهم المعيب لليهود، هو الذي قاد إلى هذه النتيجة أن الفدائيين أخذوا اليهود کرهائن من أجل إطلاق سراح زملاء لهم في سجون العدو . 
كان ذلك هدف العملية أساسًا، لأن إطلاق سراح أكثر من مئتي فدائي هدف لا يُستهان به . 
بيد أن زعماء اليهود لا يريدون الاستجابة لهذه المطالب العادلة خوفًا من حدوث تغيير في ميزان القوى النفسي .
وهنا تعقدت الأمور 
واتفق الألمان واليهود على إقامة المجزرة .  
ورويدًا رويدًا تتكشف الحقائق المذهلة . 
في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده وزير داخلية ألمانيا ومدير شرطتها، قال الرجلان : « إنهم اضطروا إلى اللجوء الى خطوات يائسة، لأن إسرائيل رفضت تقديم أي تنازلات للفدائيين » . 


المطلب الرئيسي
وجاء في البيان المشترك « أن سلامة الرهائن كانت متوقفة على قبول الحكومة الإسرائيلية بالمطلب الرئيسي الذي تقدم به الفدائيون وهو الإفراج عن 200 أسير فلسطيني معتقلين في السجون الإسرائيلية » . 
وقال البيان : « أن الحكومة الاسرائيلية ظلت تؤخر قرارها السياسي، إن الإفراج عن الأسرى كان مستحيلًا بالنسبة إليهم » .. أي بالنسبة لزعماء   العدو . 
وجاء في البيان أن أفري بروندیج رئيس اللجنة الأولمبية الدولية عارض شخصيًا إبعاد الرهائن عن ميونخ !! 
اعترف مدير الشرطة الألمانية أنه « يعتقد أن الشرطة كانت البادئة بإطلاق النار »
يتضح من كل ذلك 
أن هدف الفدائيين المحدد هو : 
فك أسر الفدائيين المسجونين مقابل إطلاق سراح الرهائن . 
أن اليهود رفضوا تقديم أي تنازلات للفدائيين بمعنى أنهم أرغموا الفدائيين على استعمال العنف . 
أن الألمان شرعوا في إطلاق النار ، وفي هذه الحال يكون الإنسان في حالة دفاع عن النفس . 
ولو أن اليهود كانوا حريصين على أرواح الرهائن لأطلقوا سراح المسجونين، ولو أن الألمان كانوا أكثر حكمة وأقوى خلقًا، لسارت الأحداث في مجرى آخر .

الرابط المختصر :