; أضواء على تجربة التعريب في سوريا | مجلة المجتمع

العنوان أضواء على تجربة التعريب في سوريا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994

مشاهدات 94

نشر في العدد 1108

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 19-يوليو-1994

  • أول مدرسة أنشئت لتدريس الطب بالعربية كانت في مصر سنة ١٨٢٧م
  • بدأ تعريب العلوم ودراسة الطب في سوريا منذ عهد المماليك

     تعتبر تجربة التعريب في سوريا من التجارب الرائدة في هذا المجال وكانت هذه التجربة قد بدأت في أواخر القرن التاسع عشر تحديدًا وذلك في إطار سعي سوريا إلى تحقيق استقلالها السياسي والوطني، وقد مرت في عدة مراحل لكنها في السياق العام قد تجمعت في بوتقة العمل الريادي التعليمي بعد أن أكدت التطورات العامة بأن هناك مصلحة كبرى في السير على هذه الطريق والإصرار بالتالي على تحقيق الأهداف المرجوة من عملية التعريب والمتمثلة بصورة أساسية في استخدام اللغة العربية كوعاء حضاري لمواكبة العلم الحديث والإنجازات التي حققها التطور الحضاري العالمي في شتى المجالات والعلوم التطبيقية.

جامعة دمشق

    والحديث عن التعريب في سوريا يقود بالضرورة إلى تسليط الضوء على تجربة الجامعة السورية جامعة دمشق، تحديدًا لأن هذه التجربة ذات صلة وثيقة بما تم إنجازه داخل الجامعة السورية في المقام الأول، وهذا ما يسلط عليه الضوء الدكتور عدنان تكريتي  -الأستاذ في كلية الطب بجامعة دمشق- من خلال لقاء مطول معه حول تجربة تعريب المناهج التدريسية في الجامعات السورية يقول الدكتور تكريتي ليست جامعة دمشق أول من علم الطب بالعربية في العصر الحديث، فقد بدأت التجربة الأولى في القرن التاسع عشر حينما أنشأ محمد علي مدرسة الطب في القاهرة سنة ١٨٢٧م إلى جانب مستشفى الجيش في أبي زعبل، وقد ظلت هذه المدرسة تدرس باللغة العربية حتى عام ١٨٨٧م حينما رأت الحكومة المصرية آنذاك أن تجعل اللغة الإنجليزية لغة التعليم فيها بضغط سياسي من بريطانيا نفسها، ويضيف الدكتور تكريتي أنه كانت في دمشق ثلاث مدارس للطب في عصر المماليك هي الداخورية وتقع جنوب الجامع الأموي، والدنسيرية وتقع غرب

البيمارستان النوري، واللبودية وتقع بين مدينة دمشق وضاحية المزة المجاورة لها، وكان أطباء هذه المدارس الطبية وتلاميذهم يشرفون على مرضى المستشفيات المجاورة، وظل المستشفى النوري كما يقول المؤرخ الدمشقي المعروف محمد كرد علي: «عامرًا لا يقل أطباؤه وصيادلته عن عشرين رجلاً حتى سنة ١٣١٧هـ، أي إلى أن تم بناء المستشفى الحميدي في عهد الوالي التركي حسين ناظم باشا، ثم سعى الوالي نفسه إلى إنشاء أول مدرسة للطب في دمشق لتدريس العلوم وفق الطرق الحديثة، واستمر الوضع حتى قيام الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت فكرة إيجاد جامعة تدرس باللغة العربية لأن المدرسة التي أقامها الأتراك كانت تستخدم اللغة التركية كلغة «أم» في جميع مراحل التدريس المختلفة وقد استطاع أحد زملاء الأمير فيصل وهو الدكتور أحمد حمدي حمودة من إقناع الحكم العربي في دمشق من الموافقة على الفكرة حيث تقرر إنشاء مدرسة للطب على أنقاض المكتب الطبي العثماني، وقد تم افتتاح المدرسة الطبية العربية رسميًا يوم الاثنين الواقع في ٢٣ يناير عام ١٩١٩م، وتحولت المناسبة إلى تظاهرة وطنية وقومية لأن التدريس بالعربية في القاهرة وبيروت كان متوقفًا بصورة تامة، وقد تخرجت الدفعة الأولى من طلاب المدرسة العربية في العام ۱۹۱۹م من الذين ابتدأت دراستهم العلمية باللغة التركية وأنهوا السنة الأخيرة منها باللغة العربية وبلغ عددهم نحو ٤٨ طبيبًا كان من بينهم ثلاثة لبنانيين والباقي من السوريين.

التعريب الواقعي

كانت فئة قليلة من الأساتذة الأوائل تملك ناصية اللغة العربية لتلقيها دراسة خاصة أتاحت لها ذلك، أما الفئة الكبيرة منهم فكانت من الشباب الذين تعلموا باللغة التركية منذ نعومة أظافرهم، وقد وجه الأستاذ محمد کرد علي في خطط الشام، نقدًا لاذعًا إلى بدايات التعليم باللغة العربية وذلك من قبيل الحرص على التعريب نفسه وضرورة القيام بخطوات جريئة على هذا الصعيد، ولم يمض وقت طويل حتى تحقق ما سعى إليه المؤرخ الدمشقي حيث توسدت التدريس مجموعة من الأساتذة الذين أتقنوا اللغة العربية، وصاروا في المستوى العلمي الذي مكنهم من تقديم المعارف والعلوم الحقيقية إلى الطلاب في مدرسة الطب، يقول محمد علي کرد« و بعد عشرين سنة مضت على التدوين ارتقى مستوى التعليم في الجامعة السورية وارتقت اللغة العربية فيها باعتزال من ربوا تربية تركية ووسد إليهم أمر التعليم وجاء أساتذة أتقنوا العربية وآدابها حيث أخذوا يلقون دروسهم بلغة عربية فصحى، كما وضعوا التأليف في الطب والحقوق بلغة عربية مقبولة». 

   ولمواكبة التطور العلمي الحديث فقد سافر من هؤلاء الأساتذة إلى الدول الغربية ولا سيما إلى فرنسا حيث أمضوا سنوات طويلة عادوا بعدها إلى وطنهم ليقدموا كل جديد إلى طلابهم الذين كانوا يتوقون إلى الاطلاع على أحدث ما توصل إليه الغرب في هذا المضمار وقد أسفرت هذه الجهود المكثفة عن إصدار مجموعة من المؤلفات الطبية باللغة العربية الفصحى لتتحول إلى محط أنظار المتطلعين إلى أحدث ما توصل إليه العالم الغربي في ميدان الطب وعلومه المختلفة، وقد قوبلت هذه الخطوة بالترحاب في أرجاء العالم العربي فقد كتب الأستاذ أمين المعلوف في مجلة المقتطف القاهرية عددًا من المقالات التي قرظ فيها تجربة المعهد الطبي العربي في دمشق الخاصة بتعليم المصطلحات الطبية باللغةالعربية الفصحى.

التعريب والانتداب الفرنسي

    بيد أن حركة التعريب في سوريا قد تعرضت لانتكاسة خطيرة بعد أن خضعت الديار السورية للانتداب الفرنسي في مطلع هذا القرن فقد دأبت سلطات الانتداب على تغيير منهجية التعليم في المدارس والجامعات السورية وذلك في إطار من سياسة الفرنسة الثقافية التي عنت بالنسبة للشعب السوري فقدان الهوية الوطنية والقومية والاغتراب بالتالي عن اللغة الأم، وعلى الرغم من المحاولات التي بذلت من قبل الرواد والمفكرين الإسلاميين لمواجهة هذا التحدي الحضاري الجديد إلا أن سلطات الانتداب الفرنسية قد نجحت مرحليًا في إدخال اللغة الفرنسية إلى كل مؤسسات التعليم في سوريا بما في ذلك الجامعات والمعاهد، ولم تكتف بذلك، ولكنها أرسلت الكثير من البعثات التبشيرية – التعليمية التي استهدفت الترويج لفكرة التعليم باللغة الفرنسية والحط من قدر العربية في أوساط الشباب والجيل الجديد، وفي إطار أوسع فقد قامت سلطات الانتداب بتأسيس عدد من المعاهد في دمشق وبقية المدن السورية لتدريس اللغة الفرنسية وإيفاد الخريجين في بعثات خاصة إلى باريس لتلقي العلوم الحديثة في شتى المجالات، وعاد هؤلاء بعد سنوات إلى الوطن ليقوموا بنشر الثقافة الفرنسية في الكثير من مجالات التعليم بمراحله المختلفة فيما كان أنصار التعريب يخوضون معارك مستمرة لتثبيت وجهة نظرهم الداعية إلى استخدام لغة الضاد كبديل للغة الانتداب، وقد أثمرت جهودهم في التخفيف من حركة انتشار اللغة الفرنسية بين أوساط المتعلمين والطلبة حيث توجه الكثير من هؤلاء إلى المعاهد والمدارس التي تستخدم اللغة العربية في مناهجها التعليمية، واستطاعت الجامعة السورية في غمرة هذه التطورات أن تحافظ على نهج التعريب الذي كانت قد بدأته في العقود الماضية وأن تستفيد من التجربة الفرنسية، في مجال المواكبة العامة للتطور العلمي الحديث ولا سيما في مجال الطب بفروعه المتعددة، وبعبارة أدق فإن معارك حامية قد نشبت بين تيارين الأول: أنصار التعريب، والثاني: «الفرنسة»، الذين دعم موقفهم سياسيًا من خلال سلطات الانتداب التي كانت تملك وسائل القوة والسلطة وانتهت هذه المعارك إلى انتصار الفريق الأول بزوال الاحتلال الفرنسي وعودة البلاد إلى الحكم الوطني الذي أطلق العنان لحركة التعريب وقدم الوسائل القادرة على إعادة الجامعات والمدارس السورية إلى استخدام اللغة العربية من جديد في مؤسسات التعليم المختلفة.

التعريب الشامل

   لقد استطاعت سوريا بعد هذه السنوات الطويلة من الكفاح الفكري والثقافي في أن تحقق التعريب الشامل، وذلك كخطوة رائدة وتجربة مميزة على مستوى العالم العربي فالجامعات والمعاهد السورية المنتشرة في كل المدن والمحافظات تقوم بتدريس الطب وكافة العلوم التطبيقية الحديثة الأخرى بلغة عربية سهلة ومبسطة ومواكبة بالتالي لكل التقدم العلمي والحضاري الذي يتحقق يوميًا في العالم الغربي، فقد أرسى الرعيل الأول من الأساتذة والمفكرين دعائم رسالة التعريب على أسس علمية حديثة فاستمرت الحركة في زخم وتواصل شاملين، وما يزال العمل متواصلاً على أيدي الأجيال المتعاقبة من أجل تثبيت التعريب الشامل وتطويره في جميع المستويات العلمية والتطبيقية الحديثة.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور زياد شويكي - رئيس جامعة دمشق - أن التعريب في سوريا قد تجاوز في مضمونه وأبعاده الجانب المرحلي وأضحى مجموعة من القيم الحضارية والعلمية التي تعكس حقيقة راسخة وهي قدرة اللغة العربية على التكيف السريع والمنطقي مع حضارة العصر وإنجازاته الكبيرة والنوعية، إذ لا يكفي اتخاذ قرار بتدريس المواد العلمية باللغة العربية، بل المطلوب القيام بتنفيذ خطوات وإجراءات تضع الفكرة برمتها في بوتقة التجانس الحضاري الشامل حتى يقدم التعريب الفوائد المرجوة منه.

    ومن هنا تبرز القدرة الكبيرة والنوعية للغة العربية على أن تكون لغة العصر والصالحة لكل زمان ومكان، فهي لغة القرآن الكريم الأمر الذي أعطاها هذا البعد الشمولي في القدرة على التكيف مع كل العصور والأحقاب، وفي هذا رد عملي على الذين يحاولون تصوير الحقيقة بشكل مغاير، فقد توهم هؤلاء في فترة من الفترات بأن اللغة العربية لا تصلح لأن تكون لغة العلم والحاسوب والتقنية الحديثة لكن التجربة السورية وغيرها من التجارب العربية الأخرى تقدم البرهان والدليل بأن لغة الضاد تستطيع بالفعل أن تتوغل في أعماق الحضارة الإنسانية وأن تتكيف مع كل المصطلحات والمفردات العلمية التطبيقية التي تزخر بها الدول الغربية كل عام بل كل يوم.

دمشق - محمد ظروف

الرابط المختصر :