; أضواء على مواقف اليسار العربي والعالمي من القضية الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان أضواء على مواقف اليسار العربي والعالمي من القضية الفلسطينية

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1982

مشاهدات 61

نشر في العدد 586

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 07-سبتمبر-1982

نشأ مفهوم اليمين واليسار أول ما نشأ في فرنسا في العهد الملكي حين كان يجلس ممثلو الشعب في مجلس الأمة في الجانب الأيسر حين وممثلو الملك ورجال الكنيسية في الجانب الأيمن. وكان ممثلو الشعب «اليساريون» يتبنون مطالب الشعب ويعملون على رفع نير التسلط الملكي اللاهوتي عنه، بينما كان أتباع الملك ومعهم رجال الدين «اليمينيون» يقفون مع الملك ويتصدون لمطالب الشعب.
وانتشر هذا التقليد في برلمانات العالم فأصبح رجال المعارضة يجلسون على اليسار وأنصار الحكومة يجلسون على اليمن، وبما أن الأحزاب الشيوعية كانت تمثل المعارضة فإنها كانت تعتبر قمة اليسار، ولكن عندما استولى الحزب الشيوعي في روسيا عام 1917 على السلطة كان من المفترض أنه انتقل من اليسار إلى اليمين ولكنه يحتفظ بصفة اليسار واعتبر معارضيه يمينيين عملاء ومنحرفين.
وتطور مفهوم اليمين واليسار فيما بعد فأصبح اليمينيون يمثلون الخط الليبرالي الرأسمال الغربي واليساريون يمثلون الخط الاشتراكي الماركسي الشرقي وبالتالي فاليمينيون محافظون أو رجعيون واليساريون ثوريون تقدميون.
وبين اليمين واليسار نشأ خط الوسط وخطوط أخرى تقترب من اليمين أو اليسار مثل يمين الوسط أو وسط اليمين ويسار الوسط أو وسط اليسار إلى آخر ما هنالك من تسميات.
ومن الغريب أن الأحزاب الشيوعية ومن لف لفها ممن اقترب منها يسارًا رفعت شعار الديموقراطية، هذا الشعار الذي طالما تغنت به الأحزاب الليبرالية ومن لف لفها ممن اقترب منها يمينًا ، فاختلطت الأوراق، إلا أن اليمينيين واليساريين في ديار العرب والإسلام اتفقوا على استبعاد الدين أي الإسلام عن مجال الحكم بطريقة أو بأخرى فاليساريون يعادون الدين أو يجيدونه واليمينيون يستغلون الدين أو يشوهونه.
بعد هذه المقدمة نعود إلى ما نحن بصدده وهو استعراض مواقف اليسار العربي والعالمي من القضية الفلسطينية، لتزول الغشاوة عن عيون بعض شبابنا العرب الذين مازالوا يعتقدون أن الاتحاد السوفيتي الصديق حليف إستراتيجي، والذين لا يزالون يرددون بلا وعي «بدنا نحكي عالمكشوف.. رجعين ما بدنا نشوف» لا يعلمون أن الإسلام أعدى أعداء الرجعية بمفهوم التخلف والاستسلام والتمسك بالقديم، وإنه دين العزة والعدالة والحرية والإنسانية بل هو ثورة على الظلم والجمود والتبعية.
لقد كان لليهود اليد الطولى في إنشاء أول حزب شيوعي في روسيا بقيادة «كارل ماركس» حفيد الحاخام مردخاس ماركس الذي قال عنه المفكر الصهيوني لويز برونس في كتابه «أغرب من الخيال»: «كان روحه واجتهاده وعمله ونشاطه وكل ما قام به وأعد له من فكر وأسلوب أشد إخلاصًا لإسرائيل من الكثيرين الذين يتشدقون اليوم بأدوارهم في مولد الدولة اليهودية».
وكان خليفة «ماركس» فلاديمير أوليانوف لينين من والدة يهودية وكانت جدة والده يهودية كما أنه تزوج من يهودية تدعي «نادجا».
أما «كارل زوبلزن» الملقب براديك فهو واحد من اليهود الذين برزوا في الثورة الشيوعية الحمراء في روسيا واحدًا من قادتها الأربعة وقبل انتصار الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 اجتمع قائدها لينين مع «حاييم وايزمن»- أول رئيس لدولة إسرائيل فيما بعد- وكان الاجتماع في زيوريخ في سويسرا عام 1926 ومما قاله لينين لوايزمن: 
«على نجاح الثورة الاشتراكية في روسيا بتوقف تحرير اليهود من كابوس ملوك أوروبا وحكامها» ومما قاله وايزمن للينين: «إن فتح أبواب الشرق لاستقرار اليهود في فلسطين يتوقف بالدرجة الأولى على تدمير الامبراطورية العثمانية» انتهى كلام وايزمن فلا تعجب أخي القارئ حين تسمع من يردد على مسامعك عبارة «الاستعمار التركي للبلاد العربية» فهي عبارة يرددها اليسار العربي الذي هو إفراز من إفرازات اليهود أصلًا.
وأما «تروتسكي» وهو القائد الثالث للثورة البلشفية الشيوعية في روسيا فهو يهودي الأب والأم واسمه الحقيقي «ليفن برونشتاين» وأما «كاجانوفيتش» وهو القائد الرابع فهو يهودي الأب من أم مجهولة.
فهل هناك غرابة في أن تنشر مجلة «فرنسا القديمة» عام 1920 قرارين للحكومة السوفياتية صدرا في الأسبوع الأول من حكم لينين؛ يؤكد الأول منهما على «اعتبار العداء لليهود جريمة يعاقب عليها القانون» ويؤكد الثاني منهما على «التأييد الكامل لحق اليهود في وطن قومي لهم في فلسطين»؟
وحتى نعرف الارتباط بين الأعداء للإسلام وبين تأييد اليهود نورد هذه الفقرة من تفسيرهم الماركسي لظهور الإسلام بالقول: «إن «أبا جهل» كان قائدًا اشتراكيًّا ثوريًّا طليعيًّا يحس بآلام الجماهير الكادحة في الجزيرة العربية فانطلق يحارب «الإقطاعية الدينية الجديدة»!!
يقول «دافيد هاكوهين» زعيم الهستدروت وأحد زعماء حزب ماباي الذي كان يحكم قبل قدوم «بيغن» «حينما يأتي الوقت المناسب، فسيلعب الاتحاد السوفيتي أكبر دور في تصفية المسألة الفلسطينية التي تتاجر بها الرجعية العربية، ونحن وموسكو على يقين بأنه لن يكون هناك أي خلاف أو صدام بيننا وبين السوفييت في المشاريع المرسومة والمفهومة سلفًا عن السلام والتعايش السلمي في الشرق الأوسط».
ويقول الكاتب اليهودي المعاصر «إسحق دويتر» في حديث نشرته مجلتا «الأزمنة الحديثة» و«نيولفت ريفبو» بعد هزيمة حزيران عام 1967 مباشرة: «يجب ألا يغرب عن البال أن ستالين- وهو رئيس الاتحاد السوفيتي بعد لينين- كان أول من أيد إسرائيل وأن الإسرائيليين حاربوا خلال عامي 1947، 1948 بفضل الأعتدة السوفيتية التي زودوا بها بناء على أوامر ستالين بالذات، وكان المندوب السوفياتي في الأمم المتحدة أو من اعترف بإسرائيل». وهذا ما أكده مرارًا «بن غوريون»، بل إن موسكو أوفدت عددًا من كبار ضباطها وخبرائها العسكريين إلى فلسطين وبعض بلدان أوروبا الشرقية لتدريب أفراد المنظمات الإرهابية اليهودية ووحدات الجيش اليهودي قبيل حرب 1948، وكانت الطائرات السوفياتية تقوم بنقل الواحدت اليهودية المدربة من أوروبا الشرقية إلى الجزء الذي احتله اليهود من فلسطين في ذلك الحين.
وفي جلسة التصويت على قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 9/4/1947 وقف «غروميكو» وزير خارجية الاتحاد السوفياتي مؤيدًا لقرار التقسيم ومعارضًا استقلال فلسطين، ومما قال: «هناك شعب يهودي في فلسطين يحب مراعاة شعوره وإسماع صوته في منظمة الأمم المتحدة التي لا يستطيع أحد ن يرغمها على اتخاذ قرار يؤيد مطلب العرب المتمثل في إعلان استقلال الشعب الفلسطيني».. ونفس هذا الموقف وقفه مندوبو كل من تشيكوسلوفاكيا وبولندا ويوغوسلافيا.
وفي جلسة مجلس الأمن يوم 23/4/1948 طالب «غروميكو» بإنزال العقوبات بمن أسماهم بالغزاة العرب «يقصد الجيوش العربية التي دخلت فلسطين».
وفي الكلمة التي ألقاها «ألكسي كوسيجين» رئيس الوزراء السوفياتي في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في «لاتفيا» في الاتحاد السوفياتي أكد بأن سياسة بلاده نحو اليهود السوفيات ونحو إسرائيل ونحو يهود العالم أجمعين هي سياسة ود وحضانة وصداقة ودفاع عن مصالحهم وحقوقهم وأشار إلى أن التاريخ السوفياتي يؤكد «أننا كما منذ البدء نرعى الجماهير اليهودية في العالم ونحرص على مصالحها ونؤيدها بكل الوسائل».
هذا قليل من كثير مما يمكن أن يقال عن موقف اليسار العالمي من قضية فلسطين. فلو انتقلنا بعد ذلك إلى اليسار العربي لوجدنا أن الأحزاب الشيوعية جميعًا في الوطن العربي أسسها يهود وأنها ترتبط مركزيًّا بالحزب الشيوعي الإسرائيلي وأنها هتفت بسقوط «الحرب الاستعمارية العربية ضد كفاح إخواننا اليهود في فلسطين» وأنها وقفت ضد حركة التحرير الوطني الفلسطيني وضد جهاد شعب فلسطين منذ البداية وأنها تسللت أخيرًا إلى حركة المقاومة الفلسطينية لا لتحرر فلسطين وإنما لتوحيد النضال مع «الشرفاء في إسرائيل» ولإقامة «الدولة العلمانية الديموقراطية» أي باختصار: لتخريب الثورة الفلسطينية وإجهاضها وتشوييها بعد أن عجزت عن إيقاف زحفها. وأما الأحزاب القومية العربية والتي تحولت إلى اشتراكية وماركسية فقد أسسها نصارى عمدتهم الكنسية أو الجامعات الأمريكية. وملة الكفر واحدة سواء كانت صليبية حاقدة أو يهودية ماكرة تلتقي جميعًا ضد الإسلام وهم جميعًا يعلمون أن تحرير فلسطين يعطي دفعة قوية للإسلام وأما الدكتاتوريات العسكرية التي أتت بها أمريكا والتي كانت تتأرجح بين الشرق والغرب، وكلاهما بالنسبة لفلسطين والإسلام سواء، فيكفي أن نقول أن أول انقلاب عسكري في الوطن العربي كان في سوريا بقيادة الزعيم حسني الزعيم بتاريخ 30/3/1949 وأنه بتاريخ 26/5/1949 أي بعد أقل من شهرين من نجاح انقلابه وفي أول جلسة لمجلس الوزاء السوري قال: «لقد وردتني معلومات تقول أن اليهود راغبون في التفاهم مع العرب بشروط مرضية تحت ضغط الرئيس ترومان والسيد شومان وزير الخارجية الفرنسية، وقد عملت أن وزير خارجيتهم شارين «شرتوك» موافق على القدوم إلى الأراضي السورية أي إلى القنيطرة للاجتماع إلى وزير الخارجية السورية، فما قولكم في هذا الأمر؟».
ثم كان الانقلاب العسكري الثاني في مصر عام 1952، هذا الانقلاب الذي كان مصري الطابع في البداية ثم قوميًّا ثم اشراكيًّا والذي قاده جمال عبد الناصر، هذا الانقلاب الذي تحالف مع الإسلاميين في مصر وقضى على الأحزاب المحلية ثم تحالف مع الشيوعيين وضرب الإسلاميين ثم تحالف مع القوميين وضرب الشيوعيين ثم ضرب القوميين وعاد لأمريكا في قبوله بمشروع «روجرز» عبد الناصر الذي تعلق به وبأفكاره السذج البسطاء أو الملاحدة الخبثاء، يعرف أكثر من يعرف، حقيقة موقفه من قضية فلسطين أبناء فلسطين أنفسهم الذين عاشوا تحت سلطانه في قطاع غزة.
يقول الكاتب السياسي الأمريكي «هاري أليس» في كتابه «التحدي في الشرق الأوسط»: «فتشبثت أنظار رجال الدولة الأمريكيين بالبكباشي الشاب جمال عبد الناصر الذي بدأت اتصالات الأمريكيين به قبل الثورة بطرق بعيدة عن الأساليب القانونية المألوفة وكان إحدى النتائج المهمة لتلك الاتصالات المبكرة أن نمت صداقات شخصية بين الضابط المذكور وبين عدد من الشخصيات الأمريكية التي أوكل إليها رسميًّا الاهتمام بالشؤون المصرية، كان أحد هذه الشخصيات السيد «وليام ليكلاند» السكرتير الثاني في السفارة الأمريكية بالقاهرة الذي كن يجتمع بجمال عبد الناصر دون كلفة ولا استئذان، أما الشخصية الثانية فهو «كيرميت روزفلت» الذي كان رئيسًا لقسم المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد أتاحت هذه العلاقات بين الأمريكيين أولئك وبين عبد الناصر فرصة لتبادل الآراء على نحو قلما أتيح مثله بين الغربيين وبين أي زعيم لأي بلد شرقي».
وأخيرًا نورد هنا مقطعًا للكاتب العسكري السوري البعثي الاشتراكي الثوري اليساري «إبراهيم خلاص» في مجلة «جيش الشعب» السورية في إبريل 1967 أي قبيل احتلال الجولان بحوالي شهرين: «.. والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي هو خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن أن الله والأديان والإقطاع والرأسمال المتخمين، وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ..».
فهل يقرأ العربي وهي يعي؟ وهل ينهض المسلم للمسؤولية من جديد؟ فلسطين تنتظر..

الرابط المختصر :