; أطفال إندونيسيا.. مأساة تمتد إلى المستقبل..! | مجلة المجتمع

العنوان أطفال إندونيسيا.. مأساة تمتد إلى المستقبل..!

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002

مشاهدات 51

نشر في العدد 1518

نشر في الصفحة 18

السبت 14-سبتمبر-2002

عشرات الملايين.. تصنع جيل الأزمة: عمالة تشرد.. سوء تغذية.. جهل وتنصير واستعباد

  • رئيس جمعية أطباء الأطفال: لو استمرت الأوضاع السياسية والاقتصادية على ما هي عليه الآن فإن الأمل ضعيف في إنهاء الأزمة

  • اللجنة الوطنية لحماية الطفل: أشكال الاعتداء على الطفل الإندونيسي تنوعت وتزايدت في السنوات الأخيرة دون وجود تشريع صارم لحمايتهم

  • كونجرس الأطفال: الأطفال في آتشيه يشاركون في القتال.. وفي جزر الملوك يسقطون ضحايا محاولات النصارى الانفصالية

  • كثير من السياسيين ينظرون إلى أطفال الشوارع ولسان حالهم يقول: إن هؤلاء جزء من ديكور الشارع

  • 10 ملايين معاق يشكون ضعف الخدمات الصحية.. و6 ملايين رضيع يعانون ضعف التغذية.. و8 ملايين بين سن الـ 10 والـ 14 في سوق العمل

  • الأطفال المشردون مع عائلاتهم بسبب الصراعات أو الكوارث فئة منسية

  • 200 ألف مشرد.. و21 ألفًا يعاملون كعبيد في سوق البغاء.. أطفال عاشوا التجربة يتحدثون

  • محاولات جادة من منظمات غير حكومية للتخفيف من الأزمة.. الحركة الأبوية ومؤسسة الوالدين نموذجًا

لندع الكبار وتناحرهم على المصالح.. ولنتذكر الصغار كبار الغد وأمل المستقبل، فهم أغلى ثروات أي بلد.. ومع أن الحديث عن نهب الثروات المادية والطبيعية يبدو جاذبًا لوسائل الإعلام، فإن الحديث عن اختطاف مستقبل الأطفال لا يزال بعيدًا عن الأذهان.

فلنسأل عن أحوالهم ولنفتح ملف أخبارهم، فالقصص والإحصائيات عنهم مخيفة.. فليس الحديث عن الصراعات السياسية هو كل ما يدور في إندونيسيا.. ولنأخذ إحدى الصور المحزنة الأخرى بعيدًا عن تصريحات الساسة المرفهين، وهي صورة معاناة نسبة كبيرة من ٨٥,٣ مليون طفل وفتى وفتاة «تحت سن ١٨ سنة» ممن يمكن أن نسميهم «جيل الأزمة».. والذين قالت عنهم وزيرة شؤون المرأة الإندونيسية سري ريدجكي سوماريوتو يوم الخامس من يونيو الماضي: إن غالبيتهم تعرضوا لشكل أو أكثر من صور الاعتداء أو الاستغلال، أو سوء الرعاية والمعاملة، وضنك العيش، والأذى الجسدي والنفسي.

قد تنهض الأسواق المالية إذا جاءت حكومة جديدة، وقد تنجح تدريجيًا خطط النهوض الصناعي والزراعي لتعوض القليل أو الكثير من خسائر السنوات الأربع الماضية، لكن ضياع جيل بعد خسارة، ليس من السهل تعويضها.. خاصة إذا كانت تخص عشرات الملايين من الأطفال والفتيان.

المسألة ليست مقتصرة على ظاهرة أطفال الشوارع، فآثار الأزمة المتعددة الأوجه امتدت إلى الملايين من المنازل، مما حتم على الأطفال أن يذوقوا طعم مرارتها حتى لو لم يكونوا مشردين في الشوارع.. وقصص الطفولة الحزينة تمتد إلى أماكن أخرى في ذلك البلد ولا تقتصر على الشوارع.. يضاف إلى ذلك معاناة الأطفال اللاجئين بسبب الصراعات الإثنية والدينية والكوارث الطبيعية التي أتت على ما يقرب من مليون وربع المليون منزل.

جيل الأزمة وانتقال الأزمات

قد يكون مستحيلًا حل مشكلات ملايين الأطفال في غضون العامين أو الأعوام الثلاثة القادمة إن لم تتحسن الظروف والأحوال العامة، فهم قبل كل شيء جزء من مجتمع يعاني من مصائب عدة، إذ إن ما يقارب نصف سكان إندونيسيا البالغ عددهم ٢٠٤ ملايين نسمة «على أقل التقديرات» يعانون من الفقر بدرجات متفاوتة، لكن المخيف هو ما قاله رئيس جمعية أطباء الأطفال الإندونيسيين من أنه «لو استمرت الأوضاع السياسية والاقتصادية على ما هي عليه، وظل التناحر بين الأحزاب في ظل ديمقراطية ناشئة، فإن الأمل ضعيف في إنهاء معاناة الأطفال في المستقبل القريب، وإذا كان من المتفق عليه أن مستقبل البلاد مرهون بأطفالها بعد جيل شبابها الحالي، فإنه من مصلحة كل مسؤول مخلص حاليًا أن يتحرك ويقوم بواجبه لإنقاذ مستقبل بلاده، بدلًا من أن تمتد الأزمات والمآسي الحالية بتبعاتها إلى المستقبل بما يحمله من انعكاسات سلبية إلى الفترة التي سيكونون فيها من «الكبار» فتمتد الأزمات لجيل آخر..

الحديث عن أطفال إندونيسيا هو في الواقع حديث عن مستقبل ذلك البلد الهائل للسكان والمساحة.. ويؤكد هذا ما يقوله سيتو مولايدي  -رئيس اللجنة الوطنية لحماية الطفل الإندونيسي- الذي حذر الحكومة ومؤسسات وأفراد المجتمع مرات عديدة من ظهور جيل أو جيلين ضائعين من الناحية التعليمية والدينية والاقتصادية بسبب الفقر وتدهور الخدمات وضعف الرعاية والإهمال وغير ذلك من الجرائم بحق الإنسانية.

والآن نتناول معاناة «جيل الأزمة» في إندونيسيا من خلال عدة محاور:

أولًا- عام على انعقاد كونجرس الأطفال الإندونيسيين

يمثل ما يعانيه الأطفال الإندونيسيون جزءًا منسيًا من نتائج الصراع السياسي، فقد نسي كثير من السياسيين هموم جيل المستقبل، بل إن بعضهم ينظر للأطفال المشردين وكأن مشاعره تقول إن هؤلاء «جزء من ديكور الشارع والمدينة».. كثير من أطفال إندونيسيا لم يعتادوا على اللهو بالألعاب كأطفال الأغنياء الذين تعد نسبتهم قليلة... وهذا ما جعل شخصيات مهتمة بمشكلاتهم تعقد اجتماعًا فريدًا من نوعه سمي بكونجرس الأطفال الوطني بدأ انعقاده في يوم ٢٦/ 6/ ٢٠٠١م، واختتم أعماله في الثاني من أغسطس ۲۰۰۱م، وقد حضر الكونجرس ٢٤٠ طفلًا من ٢٥ إقليمًا. مقدمين مطالبهم وشكاواهم للحكومة والبرلمانيين والتي تتلخص في المطالبة بمزيد من الاهتمام والرعاية.. يقول الأطفال في مقدمة مطالبهم: «إن على الآباء والكبار في هذا البلد أن يستمعوا أكثر من ذي قبل لما يقوله الأطفال ويعانون منه لأننا بشر، لكن أصواتنا تظل دائمًا مهملة، وطالب الأطفال في بيانهم الختامي الحكومة بتأسيس وزارة خاصة لرعاية الطفولة حتى يتسنى لهم الحصول على حقوقهم التي قالوا إنها لم تلق اهتمامًا كافيًا في تاريخ إندونيسيا المعاصر، ولخصوها في ٤ نقاط هي الحق في حياة كريمة، والحق في النمو، والحق في تلقي الحماية القانونية، وأخيرًا الحق في المشاركة في القرار الذي يخص حاضرهم ومستقبلهم.

هل تكفي القوانين؟

تقول اللجنة الوطنية لحماية الطفل الإندونيسي «كبا» في تقرير لها صدر يوم 22/ 12/2001م إن أشكال الاعتداء على الطفل الإندونيسي تنوعت وارتفعت في السنوات الماضية دون وجود تشريع صارم أو نظام قانوني اجتماعي شامل لحماية الطفل، وتتهم اللجنة ضعف المبادرات السياسية وعدم اهتمام النواب بتشريعات فعالة تخص الطفل، من أجل دفع مؤسسات الدولة المعنية لتنفيذ خطوات حاسمة، وتشير اللجنة في بعض أرقامها إلى تسجيل ۳۸۱ اعتداء على أطفال بجاكرتا وحدها خلال عام ۲۰۰۱م، وبفارق زيادة نسبته ٦٠% عما سجل في عام ۲۰۰۰م، ومن هؤلاء ٢٠% من الأطفال المشردين.

وبعد قرابة عام على عقد كونجرس الأطفال بدأ البرلمان الإندونيسي مناقشة قانون حماية الأطفال، لكن محتواه كان مختلفًا عما تقدم به عدد من الجمعيات غير الحكومية المختصة بالأطفال قبل أكثر من 3 أعوام، والتي تقدمت بمجموعها بمشروع قرار أكثر شمولية وتفصيلًا وواقعية، وقد جاء ذلك بعد ستة أشهر من وعد الحكومة في 25/12/2001م بأن برنامجًا شاملًا سينطلق خلال العام الجاري لرعاية وحماية الطفل، بما في ذلك وقف تهريبهم واختطافهم عبر ١٢ إقليمًا إندونيسيًا، فقد طرح أمام النواب مطلع يونيو الماضي قانون خاص بحماية الطفل من أشكال الاعتداء والاستغلال، والحرمان بعد شهور من المماطلة من قبل أطراف تسعى لتأخير ما يمس مصالحها السياسية والاقتصادية الضيقة.

ويهدف القانون إلى «حماية الطفل من كل أشكال الحرمان والاستغلال والاعتداء التي تسلب طفولته، حتى يعيش فترة نموه في جو إنساني حتى يصبحوا بالغين مستقلين» ويحمل مشروع القانون، الحكومة، ومؤسسات المجتمع، وأولياء الأمور والمدارس وغيرها، مسؤولية حماية الأطفال، خصوصًا في أوضاع الأزمات، والتشرد، والحروب، والكوارث الطبيعية.

ويضع القانون عقوبات مشددة ضد من ينتهك حرمة الطفولة بأي شكل إجرامي، فمن يعتدي على الطفل خلال فترة حرب أو وضع مصادمات مسلحة، أو أية مواجهات عنيفة، يتعرض لسجن يصل إلى ١٥ عامًا، وغرامة قدرها مليار روبية، أو إحداهما «الدولار= ۸۷۰۰ - ۸۹۰۰ روبية إندونيسية»، ومن يختطف طفلًا ويتعامل معه كسيارة قديمة، فيقطع جسمه الرقيق، ويبيع أعضاءه، يغرم 300 مليون روبية، بالإضافة إلى سجن يصل إلى ١٥ عامًا أيضًا، ويطالب القانون الحكومة بتقوية وتعزيز تعاونها مع مؤسسات المجتمع لحماية الأطفال ورعايتهم، ويقرر حقوق الأطفال بأنها:

  • العيش في ظل حياة كريمة طبيعية.

  • أن يلاقوا حماية ضد كل أشكال العنف، والتمييز، والاستغلال، والحرمان القانوني، والاضطهاد.

  • أن يحصلوا على ما يلزمهم لترسيخ هويتهم، ويحصلوا على الجنسية وحقوقهم المدنية كمواطنين.

  • أن يحصلوا على الحرية الدينية، كل حسب معتقده، وأن يكون لهم الحق في حرية التعبير في ظل توجيهات والديهم.

  • أن يعرفوا هوية والديهم الحقيقية، إن كانوا ممن يعيشون مع من يتبناهم.

  • أن يستفيدوا من الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، حسب حاجاتهم الجسمية والاجتماعية والدينية.

  • أن يتلقوا التعليم والتدريب اللازمين، ليطوروا شخصياتهم وقدراتهم الفكرية، حسب رغباتهم وإمكاناتهم.

  • أن يتلقى الأطفال المعاقون تعليمًا خاصًا ملائمًا، وتأمينًا اجتماعيًا ورعاية مجتمعية.

  • أن يكون لهم الحق في الراحة والمتعة ليستفيدوا من أوقات فراغهم، وأن يختلطوا بأقرانهم بعدم عزلهم عن مجتمعهم، وأن يستمتعوا بما يسعدهم، حسب رغباتهم بهدف تنمية شخصياتهم وبنائها.

ومع كل ما جاء في القانون المطروح للمناقشة، فإن أرسيت سيريات - الأمين العام للجنة الوطنية لحماية الطفل الإندونيسي- «كبا» يقول إن الحكومة تفتقد الإرادة السياسية اللازمة لفرض تغييرات في واقع الطفل الإندونيسي، وليس هناك محاولات جادة لفرض إجراءات قانونية حازمة...

أخشى أن يكون القانون المقدم يهدف إلى مصالح سياسية معينة بدلًا من تأسيس وتفعيل لجنة وطنية عليا لحقوق الطفل ومراقبة أحواله، وذات صلاحيات واسعة كما طالبناهم بذلك.. إنني مقتنع بأن القانون ليس إلا كنمر ورقي، لأن ما فيه غير ممكن تحقيقه وقال سيريات: إن القانون عام في كثير من عباراته، ولا يحدد عقوبات لكثير مما يعتبر جرائم ترتكب في حق الأطفال، سواء على يد أولياء أمورهم، أو الحكومة التي لم تقدم لهم خدمة معينة، أو المؤسسة، أو المصنع الذي يرتبطون به.

ثانيًا- ضحايا الصراعات الإثنية والانفصالية

وقد كشف كونجرس الأطفال الوطني أن معاناة هذا الجيل قد تشكلت وتنوعت حسب أمكنة عيشهم ومستوياتها، وأن البعد السياسي كان واضحًا في معاناة البعض، مقارنة بالأغلبية المتأثرة بالبعد الاقتصادي والاجتماعي للأزمة الإندونيسية، فالفتيان في إقليم أتشيه يحملون السلاح في بعض المناطق للمشاركة في القتال من أجل الانفصال، إضافة إلى معاناة الأطفال وأمهاتهم من تبعات حرب العصابات والتنقل والتشرد هروبًا من الموت. أما في جزر الملوك، فقد كان الأطفال ضحية محاولات النصارى، الانفصال بهذه الجزر عن إندونيسيا، ومع أن الصغار منهم كانوا ضحية القتل، أو الإصابة أو التشريد أو اليتم، فإن الذي كبر قليلًا منهم حمل السلاح ليدافع به عن القرى المبعثرة في الغابات وربما كان الكثير من هؤلاء لا يعي أبعاد القتال الذي اندلع في يناير ۱۹۹۹م، ومن هؤلاء على سبيل المثال فرحان بابيلايا (١٦) عامًا الذي قال إنه لم يعد أمام من هم في عمره خيار سوى حمل السلاح للدفاع عن الباقين، بل ولحماية أنفسهم في بعض الحالات، بعد أن قتل الكبار في الأسرة ويضيف فرحان في حديثه أمام الكونجرس: لا نريد أن نرمي بالرصاص أحدًا، لكننا مجبرون على ذلك، فاليوم حتى من هم أصغر مني أصبح ماهرًا في حمل السلاح، وفكه وتنظيفه، بل والمشاركة في صناعة أسلحة تقليدية في المنازل ويقول عمر ولي الله (١٤) عامًا: إن الفتيان الذين في عمره لا يستطيعون عصيان أوامر كبار القرية عندما تقع مواجهة مع قرية أخرى، حيث يقف الفتيان والأطفال مع الكبار في مقدمة المقاتلين مما يعرضهم - قبل غيرهم في بعض الأحيان - لرصاص الطرف الآخر، أو لرصاص الجيش الإندونيسي.

وقد أكد جميع أطفال جزر الملوك - الذين حضروا في الكونجرس- أنهم عاشوا لحظات ظلوا مصدومين فيها نفسيًا ومذهولين بسبب ما رأوا بأعينهم من حرق لمنازلهم. وتقطيع رؤوس وأجساد أقربائهم، وتحدث أحدهم بشكل مؤثر عن رؤيته أفراد أسرته وهم يقتلون أمام عينيه واحدًا تلو الآخر، ويعتقد بعضهم أن الصراع الدائر بين سكان جزرهم قد حرك من قبل أطراف خارجية حتى انتشر كالنار في الهشيم ولم يعد الناس يفكرون فيما يفعلونه، مؤكدين أنه لم يكن هناك سبب ودافع مقبولان عقليًا لأن يقاتل سكان إقليم واحد بعضهم البعض، وقد طالب الأطفال الملوكيون الحكومة بإبعاد المستوطنين والأجانب الذين قالوا إنهم يحركون الصراع في الخفاء وأن تتدخل الحكومة من أجل إيجاد حل للصراع.

ويقول أيستي (۱۳) عامًا وهو مسلم: «لا نريد أن نثأر كالكبار وما نريده هو رجوع الأيام السابقة إلى حياتنا، وأما ماريسا (١٥) عامًا، وهي مسيحية، فإنها تقول إن والديها منعوها من مقابلة أو مصاحبة صديقاتها المسلمات، حتى جاراتها بسبب الحساسية الشديدة جدًا للفروق الدينية في منطقتهم، والتي جعلتهم يدرسون في مدارس مختلفة تجمع أهل قريتهم دون سكان القرية الأخرى من المسلمين الذين يحرصون كذلك على إرسال أولادهم في بعض القرى إلى مدارس خاصة بالمسلمين، وتقول هاريسا: «لو أردت أن ألتقي صديقاتي المسلمات، فإن علينا أن نحدد موعدًا للقاء في قرية «وايامي» المحايدة التي لا تشهد خلافات أو كرهًا دينيًا بين السكان.

ويعد الأطفال المشردون مع عائلاتهم بسبب الصراعات أو بسبب الكوارث خلال السنوات الأربع الماضية فئة منسية أخرى راحت ضحية مؤامرات مؤججي الصراعات، وعجز الحكومة أو إهمالها أحيانًا، ويقول إمام سوباردي نائب حاكم إقليم جاوة الشرقية إن إقليمه يحتضن ١٦٠ ألف طفل لاجئ من أقاليم أتشيه، وجزر الملوك وكالمينتان الوسطى والغربية، والذين هربوا جميعًا من صراعات حدثت فيها في الأعوام القليلة الماضية، مؤكدًا إحصائيات أخرى بأن هناك ٦٠٠ ألف طفل مشرد حاليًا مع اللاجئين من إقليم إلى آخر، وجميعهم بلا منزل، ولا مصدر دخل مستقر مقارنة بـ ٤٠٠ ألف سجلوا خلال عام ٢٠٠٠م على امتداد ٢٤ إقليمًا إندونيسيًا، ومن بين هؤلاء سجلت المفوضية العليا للاجئين ١٣٣٦ طفلًا أكرهوا على العيش بعيدًا عن أسرهم بسبب الصراعات.

وحتى من لم يتشرد خارج إقليمه الذي يشهد صراعًا، فإنه قد يكون فاقدًا للفرص التعليمية، والخدمات الصحية اللازمة، ففي أتشيه على سبيل المثال، تعرضت المئات من المدارس للحرق في السنوات الماضية، ومن ذلك احتراق ٥٠ مدرسة إسلامية ووطنية في العيد الوطني لإندونيسيا في أغسطس من العام الماضي، وتتبادل كل من حركة تحرير آتشيه والحكومة الاتهام بتدبير الحرائق التي تسببت في ظهور «جيل ضائع» تعليميًا في الإقليم حسب قول أحد زعماء أتشيه الانفصاليين.

ثالثًا- عمالة الأطفال الإندونيسيين الأسوأ بعد الصين والهند.

لو تصفحنا تقرير منظمة العمل الدولية بشأن الأطفال.. الصادر في 15/ 7/ 2001م نلحظ اعتبار المنظمة أن أوضاع الأطفال في إندونيسيا هو الأسوأ بين دول جنوب شرق آسيا، والثالثة في تدهورها وسوئها بين عموم دول آسيا بعد الهند ثم الصين، وبذلك فإن أكبر ٣ دول في آسيا سكانًا هي الأكثر احتضانًا لمآسي الطفولة، فالطفل العامل بشكل عام هو الأكثر تعرضًا للظلم والاعتداء والاستغلال والأطفال لا يملكون أي قدرة على التفاوض، أو الدفاع عن النفس، أو حتى المطالبة بالحقوق المهضومة منهم.

ويشير تقرير المنظمة إلى انتشار شبكات الإجرام التي تعمل في الاستغلال الجنسي للأطفال، وعمالتهم التي تتنوع بصور مختلفة في المصانع والمتاجر والمزارع، ولا ينسى التقرير التأكيد على إجبارهم على المشاركة في الصراعات، ويؤكد التقرير أن العامل الرئيس الذي ضاعف من تعميق وتوسيع مشكلات الطفولة هو فقدان البلاد لاهتمام حكومي، والذي هو جزء من صورة الإهمال الشامل لكثير من أبعاد الحياة والمسؤوليات الملقاة عليها كحكومة، على الرغم من تصديقها على الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بحقوق الأطفال أو تذكرهم في جزئياتها.

من 2.3 مليون إلى ٦,٥ مليون طفل عامل

ويعد عدد الأطفال العاملين في إندونيسيا من أكثر أعداد الأطفال العاملين في دول العالم، حيث كانت تشير إحصائيات الإدارة المركزية للإحصاء لعام ۲۰۰١م إلى وجود ۲.۳ مليون طفل عامل، تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة، لكن هذا الرقم ليس شاملًا ويتفق الناشطون في مجال رعاية الطفولة على أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك، ومن هؤلاء.. اللجنة التعليمية التابعة لمؤسسة العمل الإبداعي للأطفال «كومباك» التي تشير إحصائياتها إلى أن الأطفال العاملين قبيل أزمة ۱۹۹۷م كانوا يبلغون ۲٫۸ مليون طفل. 

ولذلك؛ فإن الكثير من الجهات تعتقد أن الأطفال العمال يبلغون ما بين ٦,٥ -٨ ملايين عملوا خلال عام ٢٠٠١م، ومن يعتمد هذا الرقم يقارنه بـ ٢,٧ مليون طفل عامل يقدر أنهم عملوا خلال عام ۲۰۰۰م، والفارق الكبير بين العامين واضح، إذ ارتفع عدد الأطفال العاملين خلال العام الماضي، كما أن العدد قد يصل إلى 8 ملايين مع أواخر عام ۲۰۰۲م الجاري، ولكن هذا العدد يشير إلى تنوع صور عمالتهم: من عمالة مع الأسرة، الوالدين أو الإخوة، وهذه الصورة تعد الأنسب بالنسبة لمنزل فقير، مقارنة بالعمل في مصنع أو غيره بأجرة.. والأسوأ من ذلك التعرض للاستعباد على يد عصابات متخصصة في ذلك.

وقد صدر حديثًا عن منظمة العمل الدولية تقرير آخر بعنوان مستقبل بلا طفولة عاملة، تحدث عن محتواه وزير القوى العاملة والهجرة الإندونيسي يعقوب نووية يوم 22/ 5/ 2002م، أكد فيه العلاقة بين الفقر، وعجز الدولة، وصعوبة تحسين أوضاع الأطفال العاملين أو حمل عبء العمل عنهم بكفالتهم دراسيًا ومعيشيًا.

ويذكر التقرير أن الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية تؤكد أن ٢.٣ مليون طفل من الفئة العمرية «١٠ -١٤ عامًا» و۳.۸ ملايين من الفئة العمرية «15 -18» يعملون ليساعدوا أنفسهم وعوائلهم «ويكون المجموع ٦,١ ملايين» غير أن ألان بولتون -مندوب المنظمة في جاكرتا- يقول إن: «الأرقام عن الأطفال عمومًا، وعن العاملين منهم على وجه الخصوص كذلك، قد لا تكون صحيحة لأنه من الصعب للغاية معرفة ذلك بدقة، فالكثيرون يعملون وليسوا مدرجين في الإحصائيات».

وتقول موكدا سونغكول - ممثلة منظمة العمل في جنوب شرق آسيا - إن الحكومة الإندونيسية لم تبادر بالإقدام على رسم أو تنفيذ خطة واضحة المعالم لرعاية الطفولة بشكل شامل، تماشيًا مع توقيعها على اتفاقيتين صاغتهما منظمة العمل بخصوص الأطفال، فقد صادقت جاكرتا على اتفاقية منظمة العمل رقم ١٣٨ عام ۱۹۹۹م، التي تحدد أعمار الأطفال العاملين من دون التقليل من أهمية حقوق التعليم والنمو الطبيعي، وتحظر تشغيلهم قبل سن الـ ١٥، ثم صادقت في عام ٢٠٠٠م على اتفاقية المنظمة رقم ۱۸۲، التي تحظر استعباد الأطفال والعمل، واستغلالهم جنسيًا أو العمل في ظروف خطيرة، وصعبة أو تعرضهم المواد كيمياوية، أو قابلة للتفجر والاحتراق أو إجبارهم على الأعمال القاسية التي تعرضهم لإصابات وعاهات مزمنة طوال حياتهم.

وتضيف ممثلة منظمة العمل بقولها: لا بأس في أن يعمل الأطفال مع أفراد أسرهم.. ولكن الجميع يوافق على أنه من غير المقبول إنسانيًا أن ندفع الأطفال لعمل في بيئات عمل خطيرة، أو لاستغلالهم أسوأ الاستغلال، فهذا مما لا يجب التهاون معه أبدًا.. وإننا بحاجة إلى أن نلفت انتباه جميع الأطراف المعنية بشكل رئيس وخصوصًا صناع القرار، لكي يضعوا قضية مكافحة الاستغلال السيئ للأطفال على رأس جدول أعمالهم واهتماماتهم.

ويؤكد باندجي بوترنانتو -الذي يدير أحد برامج مؤسسة «يكاي»- أن تقنين أوضاع الطفولة لا يكفي بمجرد التصديق على بعض القوانين الدولية، فالأمر أوسع من ذلك، ويحتاج إلى تعديل قوانين بأكملها، ووضع سياسات عامة تفتقد إليها الحكومة حاليًا. ويضيف باندجي: «إندونيسيا بحاجة إلى تقوية قوانينها الحالية، وإلى معاملة صارمة وحازمة مع مخترقي ومنتهكي أي قانون أو قرار يخص الأطفال.. ولكننا لا نستطيع أن نعتمد على الحكومة فقط، فلكل من أفراد ومؤسسات المجتمع دور يجب أن يقوم به لإيقاف استغلال وتدمير الطفولة «الإندونيسية»، كما تقول دراسة للجنة الوطنية لحماية الطفل بأن «إندونيسيا قد صادقت على العديد من المعاهدات الدولية، لكن ذلك كان لمجرد الدعاية السياسية الخارجية».

وتكشف مؤسسة «يكاي» أن أكثر من ۳۱۰ آلاف طفل من الجنسين أجبروا خلال عام ٢٠٠١م على العمل كخدم.

الشوكولاتة من عمل الأطفال

ومن الجدير ذكره أن عمل الأطفال مع عائلاتهم في الأرياف أو في أعمال العائلة في المدينة، يعد أفضل بلا شك وبفوارق شاسعة عن عمالة الأطفال في المدن أو استعبادهم، أو تشردهم في الشوارع، ومن ذلك عمل ۷۰۰ ألف طفل في مزارع الكاكاو التي تعد إندونيسيا المصدر الثاني له عالميًا، وهي المادة المهمة في صناعة الشوكولاتة ومشتقاتها، ويقول ذو الحيفي سيكو مبانغ -رئيس رابطة منتجي الكاكاو- «أسكيندو» إن: ۸۷% من مزارع الكاكاو «أي ٣٥٠ ألف هكتار» تمتلكها -بمساحات صغيرة- عائلات ريفية، ومن الطبيعي أن يعمل الأطفال مع والديهم، ولانخفاض دخل هذه العائلات، فإنه من غير المعقول إجبارها على توظيف عمال بالغين من خارج العائلة بدلًا من تشغيل أبنائهم، ويؤكد ذو الحيفي أنه لو لم يعمل الأطفال في مزارع الكاكاو العائلية وهم في مأمن تحت رعاية أسرهم، فإنهم سيتشردون في المدن ويكونون نهب الانحطاط الأخلاقي والدعارة والعادات السيئة.

ويشار هنا إلى أن مصانع الشركات الدولية الكبرى التي تتبجح ببرامج دعائية إنسانية، لا تتورع عن توظيف الأطفال بأدنى الأجور الممكنة فمحمد أجود «١٦ عامًا» يعمل منذ 3 سنوات في أحد مصانع جاوة الغربية لأحذية ريبوك الشهيرة مقابل ٨٠ ألف روبية فقط «١٠ دولارات» أسبوعيًا ولمدة 9 ساعات يوميًا، وكان شقيقه قد تعرض لإعاقة في عمله بإحدى مكائن المصنع نفسه وأحيانًا يجبر الأطفال على العمل لساعات أطول دون مقابل، ويهددون بالفصل إن لم يستجيبوا والذي يجعل قصص هؤلاء مخفية عن الأنظار.. أن المصانع والمحلات والمخازن تعيق عمل المسؤولين أو من يحاول التحقيق في أحوال عمالهم من الأطفال، حتى إن كان السؤال فقط عن عدد الأطفال العاملين في مصنعهم.

ومن يعمل في الغالب يفقد فرصة تعليمه، فمؤسسة كومباك التعليمية مثلًا انتبهت لخطر الجهل بين الأطفال العاملين الذي يعني عيشهم فقراء طوال حياتهم، فأسست مدارس مجانية في 4 مناطق صناعية في جاوة الغربية - الفئة العاملة من الأطفال بحاجة إلى مئات أو آلاف المدارس - تقدم لهم فيها، بالإضافة إلى الدروس المدرسية المعروفة، دورسًا في أخلاقيات العمل وحقوقهم العمالية، ومضامين المواثيق الدولية الخاصة بالأطفال والعمال وما يمكن أن يطالبوا به أو يشتكوا بشأنه على الرغم من أن تشغيلهم أساسًا عمل غير قانوني!!.

رابعًا- سوء التغذية يهدد 8 ملايين طفل

في ظل الأوضاع السيئة السائدة في إندونيسيا، فإن سوء التغذية يمثل خطرًا آخر يعيشه الملايين من الكبار والصغار.. وبسبب العمالة، أو الإهمال، أو التشرد أو سوء التغذية تذكر إحصائية اللجنة الوطنية لحماية الطفل أن هناك ١٠,٦ مليون طفل معاق يشكون ضعف الخدمات الصحة المقدمة له، وفي دراسة عن هذا الأمر، صدرت في منتصف شهر أبريل ۲۰۰۱م عن جمعية أطباء الأطفال الإندونيسيين قال رئيسها -جوس باتوبارا: إن ٦,٨ مليون رضيع يعانون من سوء التغذية، ومن بين هؤلاء يعيش ۱.۸ مليون طفل في أسوأ الأوضاع الصحية باعتبارهم الأقل تغذية على الإطلاق، فيما يعتبر الملايين الخمسة الباقون أفضل منهم لكنهم أيضًا يفتقرون لتلقي الغذاء الكامل، وأحد الصور التي تؤكد سوء التغذية أن ٦٠- ٨٠% من الأطفال حديثي الولادة يتمتعون بوزن طبيعي، فيما يعاني ٢٠- 40% من جميع الأطفال حديثي الولادة من انخفاض ملحوظ في الوزن.

وأما وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية، فإن آخر إحصاءاتها عن العام الماضي تشير إلى أن سوء التغذية أصاب 8 ملايين طفل، ومن بين هؤلاء يعيش مليون طفل في وضع غذائي سيئ للغاية، وإذا نظرنا إلى استهلاك الحليب السنوي كمعيار آخر بالنسبة لجميع الإندونيسيين الكبار منهم والصغار، وجدنا أنه منخفض جدًا، حيث تؤكد الإحصاءات أن معدل شرب الحليب للفرد يبلغ 5 لترات فقط سنويًا!! ومن الطبيعي أن تتأثر فئة الأطفال أكثر من غيرها بهذا الوضع الذي يعد الأسوأ بين دول العالم، فمعدل الاستهلاك الفردي للحليب في ماليزيا يبلغ ٢٦ لترًا سنويًا، وفي الفلبين ١٩ لترًا، وفي تايلاند ۲۲ لترًا، ومن المعتاد أن ترى أمًا إندونيسية فقيرة ترضع ابنها سائلًا أبيض هو في الحقيقة شراب الأرز عند طهيه بديلًا عن الحليب المفتقد، وإذا استمر هذا الوضع الصحي والمستوى الاقتصادي المتدني لملايين العائلات، فإن ذلك سيؤثر لا محالة على البنية الجسمية والعقلية لهذا الجيل الذي لم يتلق الغذاء المناسب، حتى لو قورن بأطفال عهود أجداده، ممن كانوا يعيشون حياة ريفية أو ساحلية.

خامسًا- تدخين ومخدرات تدمير مدبر

لن نشير هنا إلا إلى بعض الأرقام التي تؤكد انتشار العادات السيئة بين قسم من الأطفال والمراهقين الإندونيسيين بشكل يثير تساؤلًا حول وجود تدبير خفي وراء ذلك، فأما المخدرات، فإن شبكات توزيعها لا تجد أمامها ضحية أسهل من الأحداث، حيث إن أكثر من نصف المدمنين الجدد هم ممن لم يبلغوا العشرين، إضافة إلى عادة تعاطي المسكرات، وأما التدخين: ففيما يبلغ عدد المدخنين في إندونيسيا ٤٥ مليونًا، فإن ٢٠ مليونًا منهم ممن لم يبلغوا الثامنة عشرة من عمرهم، حيث تصل نسبة المدخنين من الفئة العمرية «١٥- ١٦ عامًا» إلى ٤٥% من مجموع المدخنين في البلاد، في الوقت الذي لا تجد القوانين الصحية والدعائية استجابة من قبل شركات التبغ التي تعتمد على غير البالغين في كثير من أرباحها، وتقدر نسبة الزيادة في حجم استهلاك السجائر في عقد التسعينيات بـ 44.3% ويبدو أن جهود الحكومة لكبح هذا التزايد الخطير لم تقلل من شيوع ظاهرة تدخين الفتيان الصغار.

ويرجع عدم نجاح الكثير من حملات التوعية الحكومية إلى أن غالبية المدخنين هم من الذين لم يتلقوا تعليمًا ووعيًا صحيًا كافيًا، وهؤلاء هم هدف الشركات الأول، التي جعلت من سجائرها جزءًا من أسلوب حياتهم اليومية، بل إن من المؤسف ألا تلتزم رابطة مصنعي السجائر، ورابطة منتجي التبغ الإندونيسيتين، بأي معايير أخلاقية محددة في إنتاج وتصميم وإخراج الدعايات التي يلاحظ أن غالبيتها موجهة للأحداث، ويقول مسؤولو وزارة الصحة: إن شركات التدخين لا تلتزم بالقوانين التي تمنع توجيه الدعايات لأطفال المدارس، ولا المعايير التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.

سادسًا- ۳۳ مليونًا من دون تعليم؟

لا يعرف بالضبط عدد الأطفال الإندونيسيين الذين تركوا المدارس كليًا أو جزئيًا منذ أزمة ۱۹۹۷م، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أن عددهم يصل إلى ٢٢ مليونًا على أقل تقدير، حيث ارتفعت نسبة الخروج من المدارس بفارق ٤٦% عما كانت عليه قبل الأزمة، وكان مصير جزء من هؤلاء هو الشوارع، فيما تشير دراسة أكثر شمولية صدرت عن وزارة التعليم الوطني يوم 6/12/2001م إلى أن ٣٣.٥ مليون طفل فقدوا فرصتهم الدراسية منذ أواخر عام ١٩٩٧م وحتى نوفمبر ۲۰۰۱م، وهذا العدد يشكل 27% ممن هم في عمر الدراسة الابتدائية والمتوسطة «٧- ١٥ عامًا»، بل إن هناك مخاوف من أن النسبة المتبقية «73% من الطلبة الدارسين حتى الآن» ستتراجع في العامين القادمين، ففي إقليم لامبونج -على سبيل المثال- عقدت الحركة الوطنية لكفالة الطفل في يونيو الماضي ندوة توقعت ترك ۲۳۰ ألف طفل من سكان الإقليم مدارسهم خلال الأشهر الـ 18 القادمة، والسبب يعود بشكل رئيس إلى أن ۲۸% أو ۱٫۷ مليون نسمة من سكان الإقليم يعيشون تحت خط الفقر اقتصاديًا واجتماعيًا، ولا يجد الإقليم كغيره أملًا في تحسن الوضع، ولا معونات أجنبية للنهوض بمؤسساته التعليمية، مع فشل الحكومة في تمويل مشاريع التطوير والتوسعة لمدارس التعليم الأساسي.

وتقارير المنظمات غير الحكومية، تؤكد ذلك، ومنها إحصائية للجنة الوطنية لحماية الطفل، التي تذكر أن ۱۲.۵ مليون طفل تركوا مقاعد الدراسة خلال عام ۲۰۰۱م وحده، وسبقهم ۱۱ مليون طفل عام ۲۰۰۰م، وكان تقرير صدر في فبراير ۲۰۰۱م عن الحركة الوطنية لمؤسسة الوالدين المتبنين «جي إن -أوتا فونديشين» ذكر أن 9 ملايين طفل إندونيسي مسجل فقدوا فرصتهم الدراسية، أو على وشك أن يفقدوها، كما أكدت آخر إحصائية صادرة عن وزارة التعليم أن ٧.٥ مليون طفل على الأقل لم يسجلوا هذا العام في المدارس أو لم يستمروا في دراستهم.

وتقول رئيسة الحركة الأبوية أنتين سويونو: «إن الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال فقدوا مدارسهم بسبب حدة واستمرار آثار الأزمة الاقتصادية والسياسية منذ عام ١٩٩٧م.. لقد انخفض عدد العائلات التي تتبنى تربية الأطفال الفقراء في السنوات الماضية، مع أننا بأمس الحاجة لهؤلاء الأغنياء».

وتقوم حركة مؤسسة الوالدين المتبنين منذ عام ١٩٩٦م، بجمع وتحديث المعلومات حول الأطفال وتعد من المنظمات البارزة في هذا المجال، حيث تقدم المعلومات المطلوبة عن الأطفال الفقراء المحتاجين لمعونة العائلات الغنية، أو دعم المحسنين، ليستمروا في دراستهم، بعد مسح لكل مراكز الأقاليم الإندونيسية و77% من الدوائر و٦٢% من القرى، الأمر الذي ساعد على رسم برنامج وطني لتعليم الأطفال جاهز للتنفيذ إن أرادت الحكومة ذلك.

ويضم بنك معلومات المؤسسة تفاصيل عن أوضاع الملايين من الأطفال، ومنهم ٣,٥ مليون طفل في قائمة الانتظار للدخول للمدارس لأول مرة هذا العام بكفالة المحسنين من داخل إندونيسيا وخارجها، ويتصف النظام المعلوماتي الذي شكل على أساسه بنك معلومات المؤسسة بدقة هيكله، وشفافيته واعتماده على الروابط الاجتماعية المحلية، بدءًا من مستوى القرية والدائرة، ثم المنطقة، ثم الإقليم، ثم المستوى الوطني.

وكان مجلس علماء إندونيسيا قد أفتى بجواز إعطاء الزكوات والصدقات لهذه المؤسسة أو للمؤسسات الخيرية والمعاهد الإسلامية الأخرى الموجودة في المدن، وقال المجلس في تصريح لأحد اعضاء مجلسه المركزي: إن المصادر المالية المتوافرة محليًا قليلة حاليًا، مما يجعل الأموال المخصصة للجانب التعليمي غير كافية لحاجة الأطفال.

انخفاض ميزانية التعليم

يشار إلى أن من بين أسباب تزايد عدد الفاقدين للفرص الدراسية عدم وجود ميزانيات لتوسيع المدارس أو بناء مدارس جديدة، مقابل عجز الكثير من أولياء الأمور عن سداد مصاريف الدراسة، وكانت الحكومة قد لاقت مدحًا من قبل المؤسسات الدولية عام ١٩٩٤م على جعلها أول تسع سنوات من التعليم الأساسي إجباريًا، غير أن التعليم حاليًا لا يحظى إلا بـ 5% من مجموع الموازنة العامة، وكانت الحكومة قد خصصت ١٦,١ تريليون روبية «١,٧ مليار دولار أمريكي» من ميزانية عام ۲۰۰۲م للتعليم، ٢٤,٧% فقط من هذا المبلغ يتم تخصيصه للتنمية التعليمية، ويقر النواب بأن هذا المبلغ أقل كثيرًا من الحاجة، وهو ما أدى إلى ضعف مؤسسات التعليم ما بعد الابتدائي على وجه الخصوص، كما ضيعت على الطلبة فرص التعليم بالمراسلة أو بالانتساب، فيما يلوم البعض الفساد المالي والإداري على تضييعهما ما هو متوفر بشكل محدود من مخصصات مالية.

وبسبب عجز الحكومة، يدعو الكثير من خبراء التعليم القطاعين الخاص والأهلي الخيري إلى تحمل قسم أكبر من النهوض بإندونيسيا تعليميًا نيابة عن مؤسسات الدولة الضعيفة غير الكافية ومن هؤلاء اتشي سورايدي المحلل التعليمي ومختار بخاري -الخبير التعليمي المعروف- الذي دعا من جانبه إلى حملة مكثفة ومنظمة، يقوم عليها المجتمع من مؤسسات وأفراد لتفادي تزايد «المأساة التعليمية» بظهور جيل من العاطلين غير المتعلمين خلال العقدين القادمين هم نتاج السنوات الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، وقال: لو استطعنا أن نشجع المزيد من داعمي التعليم الأهلي، فهذا سيعين الفقراء وينقذ الكثيرين».

أما التعليم ما قبل الابتدائي «الروضة والتمهيدي»، فإنه يعد من رفاهيات العيش بالنسبة للعامة، حيث تقول إحصائية صادرة عن وزارة التعليم في 28/4/2002م بأن ۲.۱۳ مليون طفل فقط من مجموع ۱۲.۲۳ مليون طفل من الفئة العمرية «٤- ٦ سنوات» يتمتعون بالتعليم قبل الابتدائي، وهنا تتفاوت تقديرات الخبراء لمن يتعلم قبل الابتدائي بأنهم يشكلون ما بين ۱۳% و۱۷% ممن هم من هذه الفئة العمرية، والسبب في ذلك لا يعود إلى العامل الاقتصادي فقط، ولكنه يعود أيضًا إلى قلة الوعي بأهمية تعليم الطفل قبل توجهه للمدرسة، ثم عدم وجود روضات أو صفوف تمهيدي في الكثير من المناطق.

ومع أن الحكومة دشنت برنامجًا في عام ۱۹۹۰م تحت شعار «روضات للجميع» إلا أن المشروع لم ينجح على الرغم من محاولة استغلال أي بنية تحتية متوافرة كالقاعات والمساجد والمرافق العامة، وفي هذه الجزئية هناك مثال واضح على أهمية القطاع الأهلي فأكثر من ٩٥% من الروضات التي تم تأسيسها في السنين الماضية كانت أهلية، وتقول إحصائية رسمية، بأن هناك ٤٢ ألف روضة بإندونيسيا كلها أهلية، عدا ۱۱۲ روضة حكومية، وهناك بعض الروضات النموذجية من كل النواحي كروضة التقوى الإسلامية في منطقة ديبوك، ولكن على ولي الأمر، أن يسجل ابنه بثلاثة ملايين روبية، ويدفع قسطًا شهريًا قيمته ٨٠ ألف روبية تبدو في مجموعها مرهقة بالنسبة للكثيرين مما يجعلهم يؤخرون ذلك في سلم أولويات مصاريف الأسرة المحدودة الدخل.

سابعًا- أطفال الشوارع الإندونيسيون.. مجرد مثال آخر

الحديث عن أطفال الشوارع.. صورة أخرى من مآسي أطفال إندونيسيا، لكن ارتباط فئة منهم بالشوارع يجعلهم أكثر عرضة من غيرهم بلا شك للكثير مما يمكن أن يضر بحياة طفل أو فتى أو فتاة دون أن يجدوا أدنى ضمانات صحية أو تعليمية أو قانونية، كما أن خروج الطفل إلى الشارع هو بحد ذاته ناتج عن أسباب أخرى اقتصادية، وتعليمية، وأسرية، واجتماعية، جاء ذكرها أنفًا، ويقدر البعض من المهتمين بهذه الفئة من الأطفال عددهم بـ٢٠٠ ألف طفل مشرد في شوارع المدن فيما كانت دراسة صادرة عن بنك التنمية الأسيوية مطلع عام ۲۰۰۱م، قد أشارت إلى أن عددهم يصل إلى ۱۷۰ ألف طفل، وتصل نسبة الإناث من مجموعهم إلى ٢٠- ٢٥% في الوقت الذي تشير فيه إحصائية إندونيسية للجنة الوطنية لحماية الطفل إلى أن عددهم في أكبر ۱۲ مدينة هو ٥٠ ألفًا حسب مسح لها حتى آخر ديسمبر ٢٠٠١م.

ويمكن ملاحظة هذه الفئة من الأطفال بسهولة عند التجول في شوارع المدن وعلى مفترق الطرق وبالقرب من الإشارات المرورية، وعلى أبواب المحلات التجارية، والمجمعات الكبيرة، وحتى في الأزقة والطرقات الصغيرة الداخلية، وعادة ما يقوم هؤلاء بالتسول أو العزف على الجيتار، أو على أية آلة موسيقية، أو بيع صحف ومجلات وسجائر أو حلويات وأشربة وغيرها من السلع أو تلميع الأحذية، وإصلاحها.. بل وحتى تنظيم المرور في بعض الالتفافات ومواقف السيارات وكذا العمل في الحافلات، وتمتد أعمالهم إلى ما هو غير مشروع، فقد ينجرون إلى الإجرام مثل سرقة المتجولين في الأسواق والمارة، وتوزيع المخدرات على المدمنين من الكبار والصغار.

كما أن أطفال الشوارع يبتكرون طرقًا لجمع المال، فإذا لاحظوا أن أحد المارة من العرب، فإنهم سيتحدثون له ببعض الكلمات العربية، وربما غنوا له بعض الألحان العربية القصيرة، وإذا كان أجنبيًا تحدثوا إليه ببضع كلمات إنجليزية، ومن ابتكاراتهم ما واجهته في بعض المساجد أيام الجمعة، حيث يشتد الزحام في بعضها، فيتقدم إليك طفل ومعه سجادة، إذا لاحظ أنك قد جئت من دون ما تصلي عليه، ولم تجد مكانًا في المسجد، ويطلب منك مبلغًا زهيدًا جدًا لتصلي عليها وترجعها له، وأذكر أنني تعودت على استئجار هذه السجادة حتى لو كان هناك مكان أصلي عليه وأدعو الطفل ليصلي بجانبي بدلًا من أن يقف في الخارج منتظرًا انتهاء الصلاة، بل إن الطريف أن هناك مجموعات تحضر للمسجد مبكرًا، فيحجز بعضهم أماكن في الصفوف الأمامية، وهناك آخرون في خارج المسجد ينتظرون المصلين المتأخرين الذين يريدون التقدم في الصفوف، فيدله الطفل على المكان المحجوز له مقابل مبلغ زهيد أيضًا!!.

وفي المقابل يتعرض الأطفال المتجولون للجرائم، فأحد مسؤولي توزيع الصحف على الأطفال البائعين لها قال يوم 7/6 الماضي بأنهم سجلوا ۱۹ حالة سرقة واعتداء خلال ٦ أشهر مضت على من يتعاملون معهم من هؤلاء الأطفال من قبل عصابات تؤذي الأطفال، وتصيبهم بجروح خطيرة عند الاعتداء عليهم، والاعتداء على الأطفال اعتداء مباشرًا، أو حرمانهم من حقوقهم، وعدم تلقيهم للرعاية اللازمة «سيظهر جيلًا فوضويًا أو عدائيًا» كما يقول سيتو مولايدي رئيس اللجنة الوطنية لحماية الطفل.

ومع أن الظاهرة ليست جديدة بمعنى عدم وجودها من قبل، فمدينة مثل سيمارانج، كان في شوارعها ۲۰۰ طفل فقط قبل أزمة ١٩٩٨م.. لكن الأزمة التي عانت منها البلاد، ولا تزال تعاني قد دفعت بأعداد كبيرة من الأطفال إلى العيش على الأرصفة، وأسفلت الشوارع، في ظاهرة واسعة الانتشار.

ولا يُنسى في هذا الصدد إهمال المجتمع لهم، وعدم الاعتراف الفعلي بمعاناتهم من قبل الجميع، بما في ذلك بعض المسؤولين الذين يقابلون مشكلة تشرد الأطفال بعقلية أنها «زبالة يجب إزالتها من الشارع، أو على الأقل تركها حتى تزول» كما أنهم دائمًا يكونون كبش الفداء في الكثير من القضايا الإجرامية وملاحقات الشرطة، حيث ينتقد الاجتماعيون الحكومة على أنها لا تتعامل مع الأطفال بسياسية رحيمة، ولكنها توجه رجال الشرطة للتعامل مع قضاياها من منظار الإجرام والعنف، وليس من منظار الرعاية الاجتماعية وغالبًا ما يتلقون معاملة سيئة بالضرب والتهديد بأنهم سيجبرون على العودة لسوق الدعارة أو عصابات استعباد العمالة، إن لم يكشفوا فاعل جريمة ما، وعندما يسجنون فإنهم لا ينجون من التعرض للتعذيب النفسي والجسدي والجنسي كجزء من عقابهم، وهناك حوادث إجرامية من الصعب تفسيرها تدور حول عمليات هجوم وسطو مجهولين على منازل الأطفال التي يستأجرونها معًا أو يستأجرها أحد الكبار -الذين حولهم- بشكل أو بأخر، حيث نقلت التقارير عدة حوادث هجوم لرجال ملثمين على مثل هذه المأوي في منتصف الليل، ليجر الأطفال قسرًا إلى خارجها ويهددوهم إن عادوا إلى ذلك المأوى.

وهناك فئة من الأطفال تعيش حياة أسوأ من حياة بائعي الجرائد أو العازفين في الشوارع وهم من رماهم مجتمعهم مع القمامة في المزابل الكبيرة للمدن... فهناك ٦ آلاف طفل «ما بين ٧ و١٦ عامًا» في ساحات قمامة منطقة بيكاسي على بعد ٥٠ كم جنوب شرق العاصمة جاكرتا، يحاولون جمع ما فيها ليبيعونه لمن يشتريه بثمن بخس، حتى يعاد تصنيعه ولا يحصل الواحد منهم إلا ما بين نصف دولار إلى دولار وربع «٥- ١٠» آلاف روبية يوميًا، في حالة عملهم من السادسة صباحًا إلى الثالثة عصرًا، ومعظم من فيها، من أطفال فقراء ريف جاوة، الذين دمرت مزارعهم، أو أعمالهم التجارية الصغيرة، أو أغلقت المصانع التي كان يعمل فيها معيلهم، ويقول سيفون «۱۳ عامًا» من أطفال مزبلة بيكاسي: «أحصل من بيعي ما أجده في القمامة على ١٥٠ ألف روبية «١٧ دولارًا فقط» لكن علي أن أدفع ٥٠ ألفًا منها لمدرستي المسائية.. دائمًا أتعرض أنا وزملائي لأمراض كثيرة.. بعض من كان يعمل معي مات عندما دهسته شاحنات وجرافات المزبلة، ولا أحد يسأل عنه، أو يحاسب من تسبب في قتله»..

مشاريع جزئية ومؤقتة لأطفال الشوارع

هناك العديد من المحاولات لحل مشكلات أطفال الشوارع الإندونيسيين التي توصف بأنها ذات حلول جزئية ومؤقتة، كما أنها محدودة في تأثيرها أمام عشرات الآلاف من الأطفال المشردين، ففي يوم 27/7/2001م الماضي -على سبيل المثال- تم افتتاح مدرسة في ضاحية بيدونجكلان الفقيرة في جاكرتا الشرقية، وهذه أحد أمثلة ما عرف بظاهرة المدارس غير الرسمية التي تفتتح مجانًا من دون دوام إلزامي رسمي لأطفال الشوارع والأطفال الفقراء، ففي هذه المدرسة البسيطة في مظهرها والتي سميت بمدرسة «أطفال الشوارع» «ساجا»، يحضر ما بين ٥٠- ١١٨ طفلًا يوميًا، لتلقي دروس الصفوف الابتدائية والتمهيدي، حيث إن الحضور غير إلزامي، ومتى أراد الطفل ترك الشارع يومًا، فإنه سيجد من يدرسه حرفًا حسبما يقول فريد فقيه من مؤسسة بارام الخيرية، ويحاول القائمون على مثل هذه المدارس تغطية جزء من ضروريات التعليم للأطفال الذين تعبوا من التسول في الشوارع.

ويشير تقرير بنك التنمية الآسيوي لعام ٢٠٠١م إلى أن التطور المخيف في هذه الظاهرة هو تزايد عدد الإناث بين أطفال الشوارع، حيث إن الغالبية العظمى كانت سابقًا من الذكور، فيما عدا الأمهات اللاتي يأتين مع أطفالهن للتسول، ويحذر جان فان هيسويجيك - مدير مكتب البنك في جاكرتا- من الموقف المتغير للعوائل الإندونيسية الفقيرة جدًا التي لم تعد تكتف بإرسال الذكور من أطفالها للتسول، ولكنها بدأت بإرسال الإناث أيضًا.

ولأن الدور التي تجمع المتسولين وبائعي الطرقات من الأطفال خاصة بالبنين، فإن البنات منهن سيجبرن على المبيت في الليل في الحدائق، والمواقف والمجمعات التجارية، ومحطات القطارات، وإذا ارتمت البنت منذ صغرها في الشوارع - كما يقول كيريك ايروانتو- «فقد ضيعنا مستقبلها، وحكم عليها المجتمع بأنها سيئة السيرة، ويقول كيريك - مستدلًا على ارتفاع عدد الإناث بين أطفال الشوارع- إنه في مدينة جوغجاكرتا، يبلغ عدد أطفال الشوارع ١٦٠٠ طفل وطفلة، وفتى وفتاة، منهم ٤٠٠ من الإناث تتفاوت أعمارهم وتصل إلى حد الثامنة عشرة، فالفتاة سوريا تينا التي تبلغ من العمر ١٨ عامًا، والمسجلة في تقرير البنك الآسيوي ضمن آلاف غيرها، لم تعرف الحياة في بيت مستقر، حيث عاشت معظم أوقاتها في الشوارع تبيع الجرائد، وتغني، وتبيع المشروبات، وككثير من الفتيات والفتيان، فقد سقطت في حبائل شرب الخمر، كما سقط غيرها في حبائل المخدرات، وقد تزوجت سوريا سائقًا من سائقي الحافلات وها هو رضيعها يفتح عينيه على أصوات السيارات، ويشم منذ صغره روائح دخانها الملوثة للجو.

وتقوم مؤسسة تدعى غفاري بإيواء كثير من الأطفال الذي يعتقدون أن من المستحيل في القريب المنظور أن يعودوا إلى قراهم ليعيشوا حياة طبيعية، كما يعيشها أبناء قراهم الآخرين، ويقول كيريك: إن مقابلات أجريت مع طفلات وفتيات الشوارع، أثبتت أن معظمهن قد تعرضن للاعتداء الجنسي من قبل فتيان الشوارع الآخرين، أو من قبل غيرهم من المارة، كما أن كثيرًا منهن يسقطن في حبائل بيع الهوى عندما يكبرن وينقطعن عن مجتمعاتهن الأصلية، ويتحول بعضهن إلى خادمات مطيعات لرجال أغنياء، وتقول آني -وهي بنت أخرى من مدينة جوغجاكرتا- إنها تشعر بالخوف دائمًا من العيش في مثل هذه الحياة السوداوية، لكنها لا تجد خيارًا آخر للبقاء على قيد الحياة سوى التسول في الشوارع.

ثامنًا- عبودية جنسية للأطفال المشردين

إذا كنا نعيب على العصور الجاهلية القديمة ما كان فيها من أسواق نخاسة، وشراء وبيع للعبيد والإماء، فإن المدنية المعاصرة، والتنمية الفقاعية كانت لها آثار ونتائج مماثلة أيضًا، بل وأسوا منها بكثير، وهي صورة ليست في إندونيسيا وحدها، ولكنها متكررة في كثير من الدول النامية والفقيرة.. ومن بين الأرقام التي جمعتها منظمات غير حكومية إندونيسية إشارة إلى إجبار ۲۱ ألف طفل على العبودية في سوق البغاء، التي لا يعرف أصحابها أي قيم إنسانية فعاملوهم على أنهم سلع ثمينة يتجر بها، مما عرضهم لأمراض مختلفة كنتيجة طبيعية للاستعباد الجنسي، وأغرقوا في إدمان المخدرات، ليكونوا رهن من يعطيهم المادة المخدرة التي صاروا مرتبطين بها، غير أن الرقم الحقيقي مرة أخرى، وفي هذه الجزئية، ليس دقيقًا، ولا يعبر عن الصورة الحقيقية، فاللجنة الوطنية لحماية الطفل تؤكد أن 30% ممن يتاجر بهم في سوق الرقيق الأبيض من فقراء إندونيسيا هم من الأطفال، وتقدر عددهم بـ ٣٩٠ ألفًا، وهو رقم يصدقه البعض ويكذبه أخرون.

وفي كونجرس الأطفال الوطني في أغسطس ۲۰۰۱م الماضي، دعي بعض الأطفال - الذين عاشوا فترة من حياتهم في سوق البغاء القهري- ومن هؤلاء فتى استعبد في مدينة سورابايا، وكان يجبر حينما بلغ من العمر ١٣ عامًا على لبس ملابس بناتية، وغير اسمه ليدعي سارة، وظل على هذا النحو لمدة 3 سنوات، حتى جاءت «مؤسسة أليت» غير الحكومية لتخرجه وزملاءه من هذا الظلام، لكنه رفض الحديث بالتفصيل في الكونجرس عن تجربته لمرارتها، ويقول أندري ويجايا من المؤسسة نفسها إن فك شبكات وعصابات بغاء الأطفال مهمة صعبة بالنسبة للجهود غير الحكومية لارتباطها ببعض أفراد الشرطة الذين تشترى ذممهم، ليغطوا على أعمالهم، ولكي لا يلاحقوهم، حسب تحقيقات مؤسسته في مدينة سورابايا إحدى كبريات مدن إندونيسيا ذات الملايين الأربعة من السكان، ويؤكد أندري بأنه من الخطأ الاعتقاد بأن الأطفال المجبرين على التورط في هذه المهنة مدفوعون لأسباب اقتصادية ومعيشية تخص عائلاتهم مشيرًا إلى أن بعض هؤلاء مختطفون ويخدمون من يخطفهم بالإكراه تحت جو من الرعب والتخويف والنتيجة أنهم لا يستطيعون حماية أنفسهم من الأمراض القاتلة.

وأبرز مصدر لسوق بغاء الأطفال القهري هم المشردون منهم في الشوارع، حيث يسهل استدراجهم إلى هذا العمل المهين، ففي دراسة قامت بها جامعة أتما جايا الإندونيسية مؤخرًا أثبتت أنه من الصعب على أي ولد أو بنت في شوارع المدن أن يتفادى التعرض إلى اعتداء أو تحرش جنسي خلال أول ٣ شهور من خروجه للشارع على أكثر تقدير، وتقول الدراسة إنه حتى لو لم يجر الطفل إلى الاستعباد الجنسي في سوق البغاء، فإنه سيتعرض للاعتداء على يد من حوله من البالغين، وأما الفتيات الصغيرات، فإنهن الأكثر تعرضًا للاعتداء، ويسود الاعتقاد بينهن بأنه لو عرضت الواحدة منهن نفسها لأحد من الفتيان الأكبر منها، فإنها ستحصل منه على حماية من الاعتداء من قبل الآخرين ولكن حماية من ماذا؟! فالمسكينة لا تدري أنها قد وقعت بيد ذئب آخر يكون في الغالب وسيلة لنقل أمراض تنتقل عن طريق العلاقة الجنسية إليها، مما يحتم عليها النهاية السريعة لحياتها، حيث تشير التقارير الطبية إلى انتشار مثل هذه الأمراض وعلى رأسها فيروس فقدان المناعة الإيدز، بين هذه الفئة من الأطفال لينهي حياتهم بأسرع وقت.

وتشير تقارير المراقبين لهذه الظاهرة إلى أن عدد الفتيات اللاتي يتم خطفهن بطريقة أو بأخرى ثم بيعهن لشبكات الرق وبيع الأجساد القهري يتزايد بشكل خطير في الأعوام الثلاثة الماضية التي وجد فيها ضباع سوق الرقيق الأبيض فرصتهم لاستغلال الفقر الذي هدم بيوت الكثيرين، بل إن هناك من باع أحد أبنائه بشكل أو بآخر ليستمر في إطعام الآخرين، فعدد ليس بالقليل من الأسر لم تعد تستطيع رعاية وحماية أطفالها بحق مما عرضهم للاستعباد والأمراض، مع افتقادهم لأية رعاية صحية، وإذا كانت الفترة الأخيرة قد جلبت حرية سياسية وتعبيرية، فإن ضباع البغاء قد وجدوا حريتهم أيضًا في ضعف سلطة القانون عليهم.

إن واقع الطفولة في أي بلد لهو إحدى النوافذ المطلة على مستقبله.. فماذا لو كان الأطفال بملايينهم آخر من يهتم بهم من قبل الكبار والساسة وكانوا محاصرين من كل جانب.. سوء تغذية، وجهل، وفقر، ومرض، واستعباد، وعمالة مجحفة، واختطاف، وتشرد، واعتداءات؟ أي مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال حتى لو تغيرت الحكومات، وسقط رئيس، وصعد آخر، إن كانوا جميعًا ممن لا يهتم بشؤون أطفال بلادهم؟؟..

وهل يتقدم من الكبار مهتم بهمومهم ليقود ثورة من أجل الأطفال..؟.. حلم بعيدًا... لكن ربما نسمع عن مظاهرة لأطفال إندونيسيا يومًا من الأيام... وهل ستنفع المظاهرة؟..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل