العنوان أعداؤنا يُصنعون على أعيننا
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 1015
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
أعداؤنا يُصنعون على
أعيننا
أعداؤنا يُصنعون على
أعيننا: قصة التوأمين الجزائريين وخطورة فقدان الهوية
أخوان توأمان، مجهولا الوالدين، تُركا في أحد ملاجئ الجزائر. فتبنت
أحدهما أسرة يهودية فحولته إلى باتريك فيفي، يهودي فرنسي. وتبنت الآخر أسرة
جزائرية فصنعت منه سيد علي بالقاسم، مسلم جزائري.
كل منهما نشأ عند الأسرة التي تبنته وهو يعتقد يقينًا أنه الابن الحقيقي
لهذه الأسرة. وبعد مرور عشرات السنين، وبقدرة الأقدار، يلتقيان ويتعرف كل منهما
على الآخر. إلى هنا لا موضع لأي استغراب، ولكن الملفت للنظر في هذه الحادثة
الواقعية التي نشرها كتاب: غائب عن النظر، والذي كان السبب في التقاء
الأخوين، هو أن اليهودي لم يخف نفوره من كون أخيه عربيًا مسلمًا. لذلك راح يُقنع
أخاه بالتخلي عن بلده كخطوة أولى، استطاع بعدها تحقيق مكاسب عديدة ساعدته في
تحقيقها السلطات الفرنسية التي وافقت فورًا على منحه الجنسية الفرنسية، وقدمت له
جميع التسهيلات اللازمة للانسلاخ عن عقيدته ووطنيته.
ويذكر الأخ اليهودي أن أخاه المسلم قال له مرة: لم لا أعلمك العربية؟ فنهره
قائلًا: لو كان لي أن أتعلم لغة أخرى فلن تكون سوى العبرية. وتجاوز هذا ليمنعه من
التحدث بالعربية كما طلب منه أن يفرض الفرنسية على أسرته. ويواصل اليهودي قائلًا:
إن أخي اليوم يتحرج من ممارسة بعض السلوكيات الإباحية، ولكنني واثق أنه سيستجيب
تدريجيًا!!!
الخلل في صناعة الجيل
المسلم
ألا يوضح موقف كهذا مدى قوة العقائد في نفوس أبناء الأمم؟ ألا يقدم باختصار
نتائج مجمل المجهودات التي بذلتها الأسرتان لإنشاء فردين من ديانتين مختلفتين؟ ألا
ينم ذلك عن خلل واضح في صناعتنا للجيل المسلم؟
ولا داعي للتردد كثيرًا، بما أن مثل هذه الحادثة تتكرر في الواقع بأنماط
تجمع كلها صفة الاستعداد العام (مستثنين بذلك من رحم ربك) للتخلي عن أي مفهوم
عقائدي أو التنازل عن أية قيمة أخلاقية أمام غزو ما تروجه العقائد الأخرى وتصب
كلها في مصب الضعف والهوان. تزامن اطلاعي على هذه القصة مع أحداث اقتسام اليهود
والنصارى لأطفال المسلمين في البوسنة والهرسك، فوجدتني أتطلع ببصري نحو
المستقبل القريب لأرى رجالًا ونساء محملين بأسلحة منوعة تفرضها عليهم مقتضيات
عصرهم، يحاربون بها أمة كانوا ينتسبون إليها وإخوة كانوا يُعدون من بينهم.
رأيتهم يثأرون منا لارتضائنا أن يصنع الآخرون من أبنائنا أعداء لنا. نعم، بكل ذل
وخنوع ارتضينا ذلك، شأننا شأن الأمم المتخاذلة، يُصاغ أعداؤها من بينها وعلى مرأى
منها وهي تتفرج مبتسمة.
العجز عن النصرة
ووجدتني أرد على آخر صرخات انتقال هؤلاء الأطفال من عقيدة إلى أخرى، ومن أمة
إلى أخرى: «لا ذنب لكم سوى أنكم ابتليتم بقوم ﴿لاَيَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ الأعراف:197». وعُدت
إلى السيناريو الأول والتمست الأعذار لأمتي وحمَّلت الرجل المسؤولية
كاملة.. ولكنني لم أستطع فعل ذلك في السيناريو الثاني لأن التهمة ثابتة من جميع
جوانبها، وبكل حيثياتها ثابتة!!
(ابتهال قدور)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل