; أول أميرة | مجلة المجتمع

العنوان أول أميرة

الكاتب مبارك المطوع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1977

مشاهدات 93

نشر في العدد 365

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 30-أغسطس-1977

قصة العدد

كعادته.. تأخر زوجها.. وكعادتها ما زالت تنتظره.. ولكنها هذه المرة تركت كتابها وانصرفت لمشاهدة التلفاز تتابع فقراته باهتمام ولأول مرة.. ولكنها كانت تغيب بفكرها طويلًا طويلًا حتى تغيب عن المكان كله.. ما تلبث أن تعود.. لا شك أنها تفكر بأمر هام.

ولما عاد زوجها قدمت له طعامه وهيأت له سريره.. وبينما كان الرجل يبادلها الحديث وقد أوى لفراشه لاحظ بعدها عنه وعمق تفكيرها فتساءل عما بها.

فأجابته ودون مقدمات وبلا تردد..

لقد قررت أن أحكم البلاد..

قفز الرجل من مخدعه ونهض معتمدًا على ركبته بقوة كادت تكسر سريره.. وقد تغير لون وجهه إلى عدة ألوان في دقيقة كلها صمت وسكون لم يتحرك بها إلا قسمات وجهه التي كانت كل علامة تدل على الاستغراب والعجب فقد عجب كل العجب من قولها.. لا بل فزع وما إن هدأ روعه حتى بادرها قائلًا: هل تشكين من شيء؟.. ومد يده يجس حرارتها..

فأمسكت يده وهزتها بقوة لتؤكد قوتها وعزمها وقالت:- إني لا أشكو من شيء وإني أعني ما أقول وكررت: سأحكم البلاد إن شاء الله.

سأكون أول امرأة تحكم البلاد.. وتتحكم في شئونها وتديرها..

فأجابها محتدًا: تهذين يا امرأة.

قالت: لا بل إني عازمة مصممة واتخذت قراري عن إيمان وإرادة.

فلم يتمالك نفسه وأطلق ضحكات عالية وقهقه كثيرًا.. كثيرًا. ولم تكترث هي لذلك ولم تعتبره استهزاء بها وإنما شاركته الضحك وابتسمت معه.. حتى انتهى وقال: لعلك ستقودين انقلابًا.. ولعلك ستسيطرين على الجيش.. أم أنك ستستعينين بدول خارجية أو الدول الكبرى علينا.. لا.. لا ما أحسبك مقربة محبوبة أكثر من حكام هذا العدد من الدول الكبرى.

 وعاد يضحك بقوة أكثر ويضحك.. ولكنها لم تشاركه هذه المرة.. وإنما انتظرته حتى انتهى وقالت: نعم سأقود انقلابًا... وسوف أسيطر على جيش خاص بي ولكن سأصنعه لنفسي.. ولن أستعين بالدول الكبرى لا بالشرق.. ولا بالغرب.. وسأستعين بالله وحده.. وحده الناصر العزيز.. سأترك الدول الكبرى فحكومتنا حتى يأتي الوقت الذي يعرفون فيه أنها لن تنفعهم بل تضرهم لأنها عدوة وليست صديقة..

سأستعين بالله وحده.. ثم بك..

بعد هذا الكلام انكمش فم الزوج الذي كان منفغرًا إثر ضحكاته العالية.. لحظات حتى عادت ملامح الجد والانتباه إلى وجهه.. إنه يكاد يجاريها فيما قالت.. قد كان يعرفها مؤمنة صابرة محتسبة.. طيبة الخلق حلوة المعشر.. إنه يعرفها كما يعرف نفسه فقد اختارها لدينها حتى رآها  تفوقه إيمانًا وتقوى.. فلا يملك كلما تذكر هذا إلا أن يهوي ساجدًا للأرض شكرًا لله ودعاء أن يزيده من فضله.. والآن وقد سمعها تذكر الله فقد عرف أنها جادة فيما تقول فهي لا تذكر الله إلا في حق وعن عقيدة ويقين فيما تقول.. فسألها مستوضحًا:- هل تقصدين بحكم البلاد أن تصبحي كأي حاكم يحل ويعقد ويدير شئون الدولة؟ 

وكان يوجه السؤال وهو متردد وغير واثق من نفسه.. وكان في نفس الوقت يخشى أن تصعقه إجاباتها.

وبالفعل أجابت بكلمة واحدة قالت: نعم..

سكت قليلًا وهي تعرف أنه لن ينام قبل أن يهدأ وتفرغ أسئلته.. فقال: وكيف سيحدث ذلك فإني أحذرك مقدمًا بل سأحاول منعك.. فلسنا أهل حرب وإن كان لنا رأي في السياسة ونعارض الحاكم في بعض تصرفاته وحكمه فلا يعني ذلك أن نتعرض للحكم أو نحتله وإنما بالإقناع والحجة والدعوة يتغير الشعب والحاكم معًا وهو جزء من الشعب.. كما أن من يريد مرادك لا بد له من قوة يواجه بها أعوان الحاكم.. وليس لكِ شيء من ذلك..

وكانت تستمع لكل كلامه ويكبر في عينيها ويزداد حبها له لأنه حريص عليها وعلى وطنه وهو الداعية إلى الله السابق لها في الميدان وكان عليها أن تجاوبه. فقالت..

ما زلت عند كل كلمة قلتها ومسئولة عنها.. وأنا مقتنعة بما قلت توًا. ولكن إن سألت كيف فاستسمحك وأنت زوجي وأعرف ما لك من سلطة عليّ أستسمحك أن تعفيني من تفصيل كيف سأحكم اتركه واعتمد على ما بيننا من ثقة.. فهل تتحمل ثقتك بي عدم الجواب عن سؤالك؟؟

وكأن كلماتها الأخيرة بكل غموضها وسترها كانت كافية لأن ترد إليه هدوءه.

فقال بارتياح: سأترك الإجابة إلى ما بيني وبينك من ثقة.

وسأعتمدك على الثقة في معرفة الإجابة.. فلا شك إني سأعرفها خلال الأيام القادمة فقاطعته متداركة.. هذا لا يمنع أني مصممة على ما أقول وإنما سأفعله بطريقتي الخاصة ولعلك ستسأل متى ستحكمين.. فقال بخبث ومعاكسة: نعم متى أصبح زوج الحاكمة؟؟

قالت: علمه عند ربي ولكني سأبدأ من الآن ولا أدري كم يأخذ العمل من الوقت.

الآن... وكان تعجبه كيف ستحكم وتبدأ من الآن..

نعم الآن.. فقامت وأخذت سجادة الصلاة لتصلي ركعات وتوتر قبل النوم وتسأل الله العون فاستوقفها قال لها: بربك من أوحى لك بهذه الأفكار:

فجلست بقربه: كنت في غيابك أشاهد التلفاز أتسلى به في انتظارك.. فظهر في الأخبار بعض النساء يطالبن بالحقوق السياسية والمشاركة في الحكم ويطلبن تقليد بعض الدول الأخرى في ذلك.. كما ظهر خبر لامرأة تحكم في الهند.. وعلمت عن غيرها يحكمن في مصر والأرجنتين..

أكثرت من التفكير في أمرهن ومنحتهن كل التأييد فلا بد من مشاركة المرأة والأخذ برأيها حتى في الحكم وتحمست للفكرة.. ولكنني أعرف نفسي فأنا مسلمة وفي بلد مسلم ومن أمة مسلمة لهذا لم ترق لي طريقة مشاركتهن في الحكم.

فقاطعها وقال: لعلك لا تريدين المشاركة وإنما تريدين الحكم كله.. أن تتحكمي وتكوني أميرة.. وأن تسألي ولا تُسألي.

قالت: بالضبط أردت حكمًا أفضل من حكمهن بطريقة أفضل.. تحفظ لي كرامتي.. وتكفل لي عدم الإيذاء والامتهان.. فأنا أريد الحكم فقط ولا أريد الخوض في أعماله وما تسبب من تعب ونصب ومسؤولية ومحاسبة كما رأيت في الأخبار وكما أعرف عن حكم الرجال.

وتحمس الرجل إلى أفكارها وما زال ينصت حتى خرج عن صمته وعاود السؤال الأول بكل حماس وشوق: بالله عليكِ كيف تريدين وكيف ستحكمين؟؟؟

فابتسمت ابتسامة ماكرة استجمعت بها كل مكر حواء. ولكنه مكر لطيف حبيب للنفس كانت تتمنع عن الجواب بابتسامتها وتذكره بوعده الذي قطعه على نفسه بأن يترك الجواب لثقته فيها.. ولكنها مع ذلك قد تأثرت بحديثه وإلحاحه في السؤال فرأت من الحكمة أن تخبره لأنه سوف يعاونها فذكرت له خطتها دون تفصيل.. لا تدري كيف هدأ الزوج بعدها واسترخى على الوسادة ينظر فيها مليًا ولا أحسبه يردد في نفسه إلا الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله..

الحمد لله أولًا على مثل هذه الزوجة الحكيمة أو الحاكمة سواء..

الحمد لله ثانية أنها ستحكم بطريقتها الخاصة الحمد لله ثالثًا على راحة البال.. فما كاد يرتاح..

وقامت من جنبه ليرتاح مما عانى في يومه ومن حديثها.. ولكنه استحى أن تسبقه للخير وقد أخبرته بخطتها وهو شريكها وإن لم يكن صاحب الفكرة فقام ليصلي معها النافلة والوتر ويعقدان العزم على العمل الجاد المتواصل لتحكم البلاد ولتكون أول امرأة تحكم البلاد.. أو أول أميرة..

ولما عاد من الصلاة سألها إن كانت الفكرة وليدة اليوم فقط..

فأجابت: إنها حصيلة سنوات طوال وأيام عمري كلها قضيتها في التفكير في أمر نفسي وأمر أختي المرأة. أفكر فيها.. لقد مرت بي أيام أستحي أن أظهر أمام الناس كامرأة.. لهول ما فعلت المرأة بنفسها، لقد كنت أعرف أنها تنحرف وتزداد انحرافًا كلما ابتعدت عن شخصيتها كامرأة مسلمة وتخلت عن صفاتها كمسلمة وأخذت من صفات المرأة الغربية.. عن جهل ولا شك، وهي تعتقد أنها بتقليدها ستصل إلى ما وصلت.. ولكن هيهات.. فهذا محال كما استحال عيش الأسماك في الهواء وعيش الناس في الماء.. فلكل طبيعته وخلقته وصفاته ومميزاته.. ولنا طباعنا وصفاتنا ومميزاتنا.. ولنا شخصية خاصة لا نعيش بدونها..

ولنا ديننا الذي كهواء الناس.. وماء الأسماك بالنسبة لنا.. فلا حياة بعيدًا عنه بل الذلة والمهانة والتردي والانحلال. والتخبط والارتجال.. وكل معنى سيئ كما تراه أمامك لهذا كله أكثرت من التفكير.. كيف يمكنني أن أثبت للمرأة خطأها وأن أثبت صحة الانقياد لدين الله والعمل به.. فلم أجد غير حكم البلاد كأفضل وسيلة إثبات للوصول إلى أعلى المراتب وبأسهل الطرق.. هذا لما رأيت الكثيرات يطالبن بالحقوق السياسية ويعجبن بالحاكمات.. 

ما كادت تنهي كلامها حتى دعا لها الزوج الطيب بالتوفيق وشجعها على عزمها وغط في نوم عميق.. تبعته هي لتضمن الاستيقاظ مبكرًا.. وأقفل بذلك محضر اجتماع تقرر فيه الاستيلاء على الحكم..

مضى الليل وأشرق صبح يوم جديد.. وقامت الزوجة لتباشر أولى الخطوات العملية لحكم البلاد.. ولكن لم يطرأ على عملها أي تغيير أو تبديل فهي كما هي.

تستيقظ مع يقظة زوجها لصلاة الصبح في المسجد.. وتعد إفطاره ليجده محضرًا بعد عودته وبينما تنهمك هي في إيقاظ أبنائها السبعة وإعدادهم للمدارس وتشرف عليهم وهم يتناوبون الدخول للخلاء فلا تترك منفذًا للكسل إلى أحدهم فكلهم يعملون كالخلية لا يستطيع أحدهم التوقف وهو يرى أمه في حركة مستمرة.. وتعمل في كل اتجاه. 

وكثيرًا ما يخفف عنها زوجها العبء إذا أخذ معه ابنيه الأول والثاني للصلاة.. وكذا إذا ساعدتها ابنتها الكبرى في إعداد الإفطار وتجهيز أخواتها الصغار.. وكأنهم في سباق مع الشمس فتراهم يشرقون من بيتهم قبل أن تشرق الشمس على الدنيا.. وتبقى الأم مع الصغير وأخيه في البيت ولتقف وراء الباب تنظر من فرجته وتراقب المسيرة.

ولكنا مع كل هذا لم نلاحظ أي تغير في عملها طوال اليوم.. حتى أن المرء ليظن أنها تراجعت عن عزمها.. ومع هذه الزوجة لمدة ٦ أشهر لم نلاحظ أي تغير يُذكر على تصرفاتها.. فلم تتصل بعد بأي تجمع أو حزب سياسي.. ولم تشترك بعد بأي جمعية أو نادٍ فكري ولم تتابع السياسة باهتمام وإنما كانت، كما هي تكتفي بنشرة أخبار واحدة.. وشيء من أخبار الصحف..

ولم تتحرك كما يجب أن يفعل كل صاحب انقلاب فما جندت عصابات لها أو تدخلت في شئون الحكم وعلى مدى سنة أو يزيد لم تلحظ كثيرًا عليها سوى أنها أصبحت أكثر حكمة وأكثر نصحًا وتوجيهًا لبنات جنسها ممن تعرف من حولها.. وأكثرت من قراءة الكتب.. التربوية الإسلامية بالأخص ودرست السيرة المحمدية بكل دقة ومن عدة مصادر..

أضف إلى ذلك أنها أصبحت تكثر من الصلاة في الليل والدعاء في كل وقت وذكر الله في كل حين.. هنا نذكر ما قالت لزوجها أول ما عزمت وقررت.. أنها ستستعين بالله وحده.. ثم به وهي اليوم لا تفعل غير هذا متعاونة مع زوجها في إدارة شؤون البيت حتى ملكت قلب زوجها وحبه تمامًا.. ثم ملكت بعد ذلك ثقته بكبر عقلها ومزيد حكمتها وثقافتها.. حتى أن الزوج فوضها في شؤون المنزل كلها حتى حكمت المنزل بعد ذلك.. وتربعت على عرش بيتها.. تراها وهي تتصرف وكأنها تتمرن على حكم دولة وتعامل أبناءها بحزم ولين ممتزج بنسبة عادلة.. بلا إفراط ولا تفريط.

وتمارس حكمها في دولتها المصغرة بلا وساطة ولا محسوبية.. ولا اعتبارات شخصية.. ولا استغلال نفوذ.

هكذا استمر حال الأميرة تدير إمارتها بهدى من كتاب الله وتعاليم رسوله الكريم.. وصلة وثيقة بربها تلتمس نور الهداية والتوفيق منه وحده وتطلب العون ليحقق لها هدفها الأكبر.. وهو حكم البلاد.. تخرج من مملكتها الصغيرة إلى المملكة الكبيرة ومن أروقة البيت إلى وزارات الدولة.. ومن شعبها الصغير المتكون من تسعة أفراد ثلاث من البنات وستة من البنين تخرج إلى الشعب الكبير إلى الناس جميع الناس فتحكم وتحكم ولتصبح أول أميرة.

ومضى على قرارها– ٣٠– ثلاثون عامًا متواصلة مليئة بالعمل والكفاح والجهد من أجل الوصول للهدف.. وطوال الطريق كان يقف معها زوجها يؤازرها ويشد من عضدها ويعينها على مبتغاها لأنه أمن بالفكرة وأيد العمل.. فكان يحقق لها ما تريد لتصل..

فتعالوا لنرى ما حققت بعد مرور هذه الأعوام وهي تقول لزوجها ذات يوم: لقد اقترب يوم حكمي.. قريبًا سأكون أميرة البلاد..

فقال: ألست متعجلة قليلًا.. أليس ثمة خطوات لم تتخذيها بعد..

قالت:- خطوات.. أفصح

قال: كأن تتعرفي على شئون الحكم وتتعرفي على الحكام وتتقربي منهم.

لست بحاجة لذلك فإني أعلم من شئون الدولة الكثير.. ولن أتقرب لحاكم أو أي بشر ما دمت تقربت إلى الله فهو حسبي.. ومن الغد إن شاء الله سأحكم....

تحكمين بعد ٣٠، ثلاثين عامًا على هذه الفكرة جاء يوم حكمك وبنفس الطريقة التي عزمت عليها.. ما أعجبك وما أقوى إرادتك.. ولكن ماذا ستفعلين غدًا هل ستأمرين ببناء قصر فخم واسع من الرخام ومفروش بالسجاد العجمي.. ومن حوله حدائق غناء وبساتين.. وهل ستأخذينا في رحلة حول العالم كأول أميرة لهذه البلاد..

قالها وعلى شفتيه ابتسامة عريضة.

فقالت: معذرة يا زوجي الحبيب أنا لم أشرح لك كل تفاصيل خطتي للاستيلاء على الحكم عبر هذه السنين الطويلة.. ولما طلبت منك الاكتفاء بالخط العام للعملية وقد فهمتها وقررت يومها أن تقف معي وقد فعلت وصدقت لكني لم أشرح لك وقتها كيف يتم التنفيذ.. وقد فكرت حين وضعت الخطة في تنفيذها.. وما هي الأوامر الأولى التي سأوجهها للعاملين معي في إدارة البلاد وجال بخاطري أن أفعل لنفسي واغتني وأبني لأولادي ولك وكثير مما يفعله كل حاكم هذا اليوم.. ولكن حكام هذا اليوم يفكرون أيضًا بشعبهم كما فكروا بأنفسهم فيقيمون المشاريع والخدمات وغيرها.. أما أنا فرأيت أن لا أخدم نفسي ولا أخدم الشعب.. فنفسي لا شك ستأمرني بالسوء.. وتطمع بالدنيا.. والشعب ليس مكتمل الحكمة والعلم حتى يطلب كل حسن.. ولقد قدمت لهم ما يطلبون وخدمتهم لطلب قطاع كبير منهم زيادة الرواتب والسماح لبعض البضائع الأجنبية.. وزيادة الحرية في الفعل والقول وكل شيء وقد يطلب بعضهم شيئًا من اللهو والمتع كخدمة أيضًا.. كل هذا لأنهم بشر خطاؤون.. ورأيت أن لا بد من قرار وحكم حاسم.. فلم أجد غير حكم الله الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. إليه أحتكم وهو وحده الذي لا يخطئ؛ سبحانه المنزه عن الشهوات، ولما رجعت إليه وسمعت كلامه يتلى علينا صباح مساء أيقنت أن كل شيء يجب أن يُسخر لخدمة الإسلام وفي طاعة الله وعبادته، فنحن نؤمن أن خلقنا وحياتنا على الأرض إنما هي لعبادة الله لقوله تعالى– ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وكل عمل موافق للشرع ولوجه الله فهو عبادة.. لهذا قررت أن أصدر أوامري غدًا لخدمة الإسلام..

كل هذا الكلام المطول والمحاضرة البليغة والرجل يستمع بكل حواسه متأثرًا بإيمان هذه المرأة وحبها لله وإصرارها على خدمة دينه وبأصعب الطرق.. بالحكم..

ومرت عليه كلماتها سريعة تمنى لو تعيدها وهكذا كان دائمًا يحب أن يسمع من حكمتها وجميل قولها، عاد الرجل مرة أخرى يسأل وماذا ستفعلين بالتحديد غدًا لأستمر معك حتى نهاية المطاف..

قالت: ما عليك ألا أن تجمع أبناءك الستة كلهم مع عائلاتهم وبناتك كلهن الثلاث مع عائلاتهن.. وتحضر معنا في اجتماع عائلي وتراقب كيف يتم الحكم..

ودعا الرجل للاجتماع وحدد موعده بعد ثلاثة أيام ليتمكن محمد الابن الثالث من الحضور من نيويورك حيث يعمل سفيرًا لبلاده في هيئة الأمم المتحدة.. وفي الموعد المحدد بدأ الاجتماع وبعد ساعة ونصف انتهى وخرج الجميع منه في غاية الانشراح والسرور لهذا اللقاء العائلي وبعد قضاء وقت ممتع انصرف الجميع والأم والأب يودعانهم على الباب وهي تذكرهم جميعًا قائلة أريد العمل والتنفيذ خلال الأيام القادمة وفي خلوة مع زوجها قالت لقد استمعت لأوامري ولم يبق من الخطة إلا تنفيذها..

قال: إن تحققت أوامرك فأشهد أنكِ حقًا حكمت البلاد.. وأصبحتِ الأميرة..

قالت: تابع الأحداث معي وسترى.. إنهم أبنائي وأحفادي صرفت عليهم عمري وجهدي.. وكان الله معي..

ومضى على موعد الاجتماع أقل من شهر.. حتى طلعت الصحف على الناس بهذه الأنباء متوالية وخلال أيام متلاحقة.

  1. محمد الصالح سفير البلاد في الأمم المتحدة يستقيل من منصبه احتجاجًا على تلاعب الدول الكبرى والتابعة لها بالقضية الفلسطينية.
  2. العقيد سليمان الصالح يتوجه اليوم على رأس ثلاث كتائب متطوعة لمواجهة العدو على خط النار.
  3. اتحاد المرأة يصدر بيانًا يستنكر فيه الأوضاع المتردية التي وصلت إليها المرأة في العالم.. ويمانع في قبول أي فكر أو بضاعة أجنبية.. كما تعلن المرأة الكويتية مخالفتها لكل ما يأتي من الغرب ابتداء من اليوم.

وهذا وقد جرى انتخاب عائشة الصالح رئيسة لاتحاد المرأة المسلمة المشكل من مجموع الجمعيات النسائية.

  1. اتحاد الطلبة يعلن إضرابًا شاملًا ويطالب بتطهير الجامعة من العناصر المتأمركة والأمريكية والفاسدة المفعلة في الإدارة وهيئة التدريس ويطالب بإقامة الدراسة والنظام على أسس إسلامية وأعلن أمين سر الاتحاد علي ناصر الصالح: أنها مسألة مصيرية وأن المطالب سوف تتحقق بإذن الله.
  2. أعلن السيد عبد الحميد الصالح رئيس لجنة كبار التجار للأعمال الخيرية عن عزم اللجنة لإنشاء مدارس خاصة نموذجية على أسس إسلامية من أول المراحل حتى آخرها وتضع اللجنة الخطوات الأولى لإنشاء جامعة أهلية إسلامية في البلاد.
  3. السيد سعد الصالح يعقد مؤتمرًا صحفيًا مساء اليوم لشرح القرار الذي اتخذه وزير الإعلام بمراعاة قواعد الآداب والسلوك الإسلامية في كل وسائل الإعلام وتوالت الأحداث الكبيرة يحققها بيت الصالح والناس تربط بين الحدث والآخر.. والأم كانت تجمع الأحداث وتعلقها عندها في لوحة خاصة تطلع الزوار عليها حتى قال بعض الناس– بيت الصالح هز البلد هزًا وقال آخر: يا أخي عددهم تقريبًا خمسين عيالهم وعيال عيالهم وكلهم في مناصب وأعمال حساسة..

ايه لو كلهم يعملون مثل إخوانهم وعمامهم كان يصير ثورة سلمية في البلد الله يوفقهم.

وكانت الأخبار تأتي للأم وهي في غاية الانشراح.. ويدور بخلدها أن لا أحد يعلم أن وراء هذه الأحداث أكثر من ثلاثين عامًا من التربية والنصيحة والجهد والعمل وكانت تقول علنًا ولكل الناس: اليوم حكمت البلاد.. اليوم أنا أميرة البلاد.

ملحوظة هامة:

بالنسبة للبلد التي قد يتصورها القارئ لتكون مكانًا للقصة فلا يشترط أن تكون الكويت ولا نقصدها بالذات وإنما نقصد أي بلد من البلاد العربية والإسلامية والتي يمكن أن تتم فيها هذه القصة المبتكرة.

مبارك المطوع 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

111

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

رغيف يهزم السهام!

نشر في العدد 74

67

الثلاثاء 24-أغسطس-1971

هي... هو...   ومن المسئول؟

نشر في العدد 1350

64

الثلاثاء 18-مايو-1999

عودي إلى مملكتك