العنوان أعمدة المجتمع
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1978
مشاهدات 64
نشر في العدد 404
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 18-يوليو-1978
اتخذ صديقي مقعده المعتاد، من عادته حين يزورني أن يجلس على مقعد بالذات. يختاره من بين المقاعد ولا يبدله بغيره، ولا يفضل عليه مقعدًا آخر رغم كثرة هذه المقاعد ورغم كثرة اللقاءات بيننا كل أسبوع ولما سألته عن سر اختياره لذلك المقعد، أخبرني أنها مجرد عادة من عاداته، وأنه إذا تعود شيئًا أحبه وجعله جزءًا من حياته. ثم أضاف بعد ذلك قوله:
- إن الإنسان يتكون من مجموعة عادات.. تتحكم فيه إلى حد ما.. وتقوده إلى تصرفات خاضعة لها.. هل الإنسان إلا تلك العادات والتصرفات المعينة؟
أجبت وقد فتحنا باب الحديث:
- كلامك صحيح.. ولكن هناك عادات سيئة.. وعادات سليمة أو حسنة وخير للإنسان أن تكون عاداته كلها من النوع السليم... وأن يتحرر من بقايا عاداته القديمة السيئة التي نبتت مع ظروف نموه وجهله.
قال وفي يده سيجارة يوشك أن يشعلها:
- خذ مثلًا .. هذه السيجارة... عادة من العادات.. قد تمكنت من نفسي ولا شك.. ولا أستطيع أن أتحرر منها مهما بلغت من القوة والقدرة على التحمل.. ومع ذلك لا أستطيع أن أزعم أنها عادة سيئة.
لاح في وجهي أني معترض على كلامه.. شعل سيجارته ونظر إلى ناحيتي منتظرًا أن أقول ما في نفسي قلت بعد أن فكرت:
- يخيل إليك أنك لا تستطيع أن تتحرر منها.
قال مندفعًا:
- جربت وفشلت.. جربت أكثر من مرة.
- جربت فصادفت مشاكل أثنتك عن المحاولات.
- حاولت على أي حال من الأحوال. إنها تمسك في نفسي بمخالبها الصلبة وتفسد صحتي.
- أعوذ بالله من هذه العادة.. إنها خبيثة.
نفث الدخان نحو السقف، ثم قال
- ما عدا التدخين اللعين.. لا توجد في حياتي عادة ثانية سيئة.. تجعلني أعيش في نكد.
- إنها سم يتسلل إلى صدرك.. ولا تيأس من التخلص منها.. ولا أظن أنك ضعيف حتى هذه الدرجة.
- أنا أحسدك على عدم التدخين.. وألا توجد في حياتك عادة سيئة واحدة؟
- نعم لا توجد الآن.. كانت في حياتي عادات سيئة.. وليست عادة واحدة.. وبفضل من الله كبير- نجوت من الواحدة تلو الأخرى.. حتى تحررت تمامًا. نفث الدخان نحو السقف حتى لا يرسله إلى وجهي، فهو يعلم كراهيتي الشديدة للدخان. وأحدق في السقف كمن يفكر في قضية تهمه. ثم نقل بصره إلي قائلًا:
- من الغريب أن الإنسان يبحث عن الحرية وهو في الحقيقة مكبل بمجموعة من العادات.. والأغرب من ذلك أنه يصيح ويصرخ مناديًا بالحرية وينسى أنه يعبد تلك العادات.. مع أن الحرية تبدأ بتحرير النفس قبل أي شيء آخر.. أليس كذلك؟
- كما قلت طريق الحرية يبدأ بتحرير نفس الإنسان.. وأضيف إلى ذلك.. أن من حرية الإنسان أن يكون مستسلمًا لعبودية الله وحده.. وإلا كانت هذه الحرية ناقصة.
أضرب لك مثلًا.. أي حرية يطالب بها رجل لا يؤمن بالواحد القهار.. هي حرية غير كاملة.. لأنه يقع في عبودية الدنيا.. أو عبودية الذات.. أو حتى عبودية المنفعة والمصلحة.. أما الرجل المؤمن فحريته كاملة.
عبوديته لله تتحرره وتنقذه.. فهو لا يشرك بالله.. وليس عبدًا لسواه.. وهو حر في دنياه. رمى صديقي السيجارة من يده وداس عليهـا بقدمه، وبغيظه، وقال وهو يهم:
مفهوم الحرية في الإسلام عظيم: ليت فلاسفة العصر يفهمون.. لن أمسك السيجارة بعد اليوم.. ولن أكون عبدًا لأي شيء ولو كان سيجارة.
قلت له أن يجلس نتحدث، فالحديث طويل ولم ينته بعد، غير أنه رغب في الانصراف وذهب يقول إن بقية الحديث عن الحرية نستأنفها في لقاء الثلاثاء القادم، ومضى مسرعًا.
ابن المجتمع