; أعمدة المجتمع- العدد 413 | مجلة المجتمع

العنوان أعمدة المجتمع- العدد 413

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

مشاهدات 78

نشر في العدد 413

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

من الطبيعي أن تكون زوايا الرؤية مختلفة من شخص لآخر، ومن مكان إلى مكان. مما جعل العالم يبدو في عيون الملايين بأضعاف هذا العدد من الصور وكذلك الأشياء تختلف عند الناس، والألوان ذات ألوان أخرى لا تراها العين الواحدة كما هي إذا تغيرت الحالة النفسية لصاحبها.

وهذا تفسيره لا يوجد شيء ثابت في الوجود على ما هو عليه، وإنما كل الأشياء متحركة متغيرة.

قال المتنبي الشاعر العربي المعروف:

         ومن يك ذا فم مر مريض 

                                       يجد مرًا به الماء الزلالا

حتى الماء الذي لا يستغنى عنه الإنسان، ويشرب منه كل يوم ليرتوي، هذا الماء يتغير حين يكون الإنسان في حالة ظمأ يجد للماء طعمًا يختلف تمامًا عن طعمه حين لا يكون محتاجًا إليه. بل الشخص السليم يتذوق الماء، والمريض يزهد فيه ويعزف عنه، لأنه يجد الماء مرًا كما قال شاعر العرب في العصر العباسي.

المتنبي شاعر كبير مشهور، فيه أصالة الشعر وقوته وفلسفته، ويصلح شعره لضرب الأمثال والاستشهاد به، وهذا يؤكد حركة الأشياء وعدم ثبوتها في عالم المادة، ولكن الأمر يختلف كل الاختلاف في عالم الأخلاق، أو نقترب أكثر من الحقيقة ونقول لا اختلاف في عالم الشمول والمقصود به هو الدين.

ولنضرب مثلًا على قولنا: 
العبادات، كل العبادات لا تختلف في جوهرها وفي المقصود بها، الفرق بين متعبد وآخر يكون في خشوعه وخوفه من الله، فهذا أكثر خوفًا من الله وهذا أقل وهذا لا يخاف ربه وهكذا، ولكن الاختلاف غير موجود إطلاقًا، فهي عبادات مفهومة مفروضة، وإن حدث وظهر اختلاف ما فيها فلا يكون من العبادات ذاتها وإنما من الناس أنفسهم.

ولا شك أن الناس هي التي تنقل جراثيم خلافاتها واختلافاتها إلى جوهر الدين ولكنها لا تستطيع أن تنال منه؛ لأن جوهر الدين يظل كما هو إلى يوم الدين ثم تبقى الخلافات عند القشور، أو عند الوسائل، وربما كان ذلك من طبيعة البشر ومن المؤكد أنه رحمة لهم تسهل سبل الحياة. 

وعلى قدر بصيرة العقل المفكر يرى الإنسان الأشياء، فالسالم العقل من المرض يرى الأشياء بحجمها وبقدر حقائقها، والنفس المريضة تحتاج إلى علاج قبل أن تستقبل الوجود.

فالنفس اللئيمة ترى الأشياء بطبعها، وقال المتنبي شاعر العرب:

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن 

                          يخلو من الهم أخلاهم من الفطن 

ولا يخرج المتنبي عن المعنى السابق المشار إليه، ونهاية القول إن المادة متغيرة، والثابت هو ما حث عليه الدين ودعا إليه، ونقطة الضعف في الإنسان نفسه، قد تكون في عقله أو في قلبه، وهذا هو ما ينبغي أن يعالجه الإنسان ليصل إلى مرتبة العباد الصالحين الداعين إلى الله.

ابن المجتمع

الرابط المختصر :