العنوان أفريقيا .. مؤتمرات لوزان والتنصير
الكاتب د. زينب عبدالعزيز
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 26
السبت 22-سبتمبر-2012
المتابع لكم المؤتمرات الكنسية المتلاحقة للتنصير، خاصة في الآونة الأخيرة، يذهل من مدى الإصرار العميق على تنصير العالم، مع التركيز الشديد على تنصير أفريقيا.. فبينما كان «سينودس» أساقفة الشرق الأوسط منعقدًا في أكتوبر ۲۰۱۰م بالفاتيكان، كان هناك مؤتمر آخر يدور في نفس التوقيت تقريبًا بمدينة «كيب تاون» بجنوب أفريقيا، بحضور ٤٢٠٠ مبشر من الإنجيليين.
وقد قامت لجنة التبشير العالمي بالإعداد له حول نفس موضوع «تنصير العالم»، أو بمعنى أدق وكما تم الإعلان عنه: «لمواجهة التحديات والفرص السانحة التي تواجهها الكنيسة فيما يتعلق بتنصير العالم»! عبارتان کاشفتان تحددان مدى اتساع العمل المزدوج الذي يتعين على الكنيسة أن تسلكه: التحديات التي تعترض طريقها، وكيفية انتهاز الفرص السانحة التي تعاونها على ذلك.. من ناحية كيفية مواجهة الإسلام والمسلمين، ومن ناحية أخرى؛ دراسة كيفية التوغل في البلدان المسلمة أو ذات الأغلبية المسلمة وغرس الكنائس بها. وقد تم اختيار سنة ٢٠١٠م للاحتفال بمئوية المؤتمر التنصيري العالمي الذي كان قد أقيم في مدينة «أدينبورج» بإنجلترا عام ١٩١٠م برئاسة «د. جون موت» J -Mott وقبل ذلك بقرن كان «وليام كاري» W Carey الذي يعدونه «أبا المبشرين الحداث» آنذاك، قد اقترح أن يقام عام ١٨١٠م مؤتمر بمدينة «كيب تاون».. قرنان من التخطيط والتكتيك والتحايل لتنصير أفريقيا، واقتلاع شعوبها المسلمة من دينهم، وجعلهم يتجرعون مسيحية قام العديد من أتباعها بكشف كل ما بها من تحريف ومتناقضات!
ويقول الأب «دوجلاس بیردسال» D Birdsall، رئيس لجنة «لوزان» للتنصير العالمي: «لا شك في أننا وصلنا إلى زمن جديد في المسيحية حول العالم، ونحن بحاجة إلى خطة استراتيجية بشأن أفضل الوسائل التي يجب أن تواصل بها نشر الإنجيل حول العالم».. بينما أعرب مدير آخر لنفس اللجنة: بأن هناك تغيرات كاسحة تمت في المسيحية في القرن الماضي، دون أن يحدد كنه هذه التغيرات أو الأحداث الكاسحة، التي ليس من الصعب أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: اعتراف مجمع الفاتيكان الثاني بأن النصوص المقدسة ليست منزلة من عند الله، وأن من كتبها بشر بوحي من الروح القدس، وأن بها الصالح والطالح! كما قام بتبرئة اليهود من دم المسيح، رغم كل ما هو وارد بالأناجيل لإدانتهم؛ وفضائح الأساقفة في أفريقيا، وتدخل الكنيسة في الانقلابات السياسية، وفي إنشاء حزب تضامن بيولندا لاقتلاع اليسار؛ والاشتراك في القتل العرقي في رواندا بأيدي القساوسة الذين تمت إدانتهم رسميًا، ومؤخرًا فضائح الشذوذ الجنسي التي قالت عنها الصحف الكندية: إنها أدت إلى إيجاد مليونين من الضحايا، وكان بعض القساوسة لا شاغل لهم إلا الاعتداء على براءة الأطفال.. مجرد بعض النماذج مما يطلق عليها الأب «بيردسال»: إنها «تغيرات كاسحة» ورغمها تواصل الكنيسة تنصير العالم بكل صلف وبأي ثمن. ومن المفيد متابعة تاريخ المؤتمرات المعروفة باسم «مؤتمرات لوزان»: لنرى إلى أي مدى المسألة لا تتعلق بالتنصير وحده، وإنما هي عدة مؤامرات استعمارية اقتصادية استغلالية لنهب ثروات أفريقيا، وكلها تتم تحت ستار أو مسمى «التنصير».
في عام ١٩٧٤م، أقيم أول مؤتمر دولي للتنصير العالمي في مدينة لوزان بسويسرا، تحت عنوان «لوزان ١»
وذلك لتدارس كيفية تنفيذ الوثائق الست عشرة الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثاني (عام ١٩٦٥م)، وتدور كلها رغم اختلاف مسمياتها حول قرار تنصير العالم.. وتولى «بيلي جراهام» Graham B قيادة ٢٧٠٠ قيادي إنجيلي، قادمين من ١٥٠ دولة، كان هدفهم في هذا اللقاء تناول الجانب العملي واللاهوتي لعمليات التنصير، وانتهت الجلسات بإصدار وثيقة «تحالف لوزان» وهي وثيقة تتضمن التفاصيل اللاهوتية اللازمة لتنصير العالم، موزعة على ١٥ بندًا خلاف المقدمة والخاتمة. ومن يتتبع هذه النقاط الخمس عشرة يكتشف إلى أي مدى يتم اتخاذ التنصير كوسيلة لتدخل سافر من قبل مؤسسة تزعم أنها دينية: هدف الرب، سلطة وقدرة الكتاب المقدس، المسيح الوحيد والعالمي، طبيعة التنصير مسؤولية المسيحيين الاجتماعية، التعاون بين الكنائس، زمالة الكنائس في عمليات التنصير، الضرورة الملحة للتنصير، التنصير والثقافة، التعليم والسلطة، الصراعات الدينية، الحرية والاضطهاد، قوة الروح القدس، عودة المسيح!.. بينما تحدد الخاتمة: «إننا نلتزم بتحالف صارم مع الله، وفيما بيننا، على أن نعد الخطط، وأن تعمل سويًا من أجل تنصير العالم أجمع، ونناشد الآخرين أن ينضموا إلينا»! ولا داعي لإضافة أن هذه الوثيقة تمثل علاقة الإيمان لمئات المنظمات التنصيرية حول العالم. أما مؤتمر «لوزان ٢» فقد انعقد في «مانيللا» بالفلبين سنة ١٩٨٩م، وشارك فيه ٣٠٠٠ قيادي إنجيلي، من ١٧٠ بلدًا، وانتهى المؤتمر بإعادة تأكيد الالتزام بقرارات «لوزان ١» وقراره الذي ينص على: «أن يتم الإعلان عن يسوع إلى أن يعود»، أما بيان «مانيللا» فيعتمد على نقطتين أساسيتين: «الإعلان عن يسوع إلى أن يعود، ومطالبة كل الكنائس بتوصيل كل الإنجيل للعالم أجمع».
ويقع هذا البيان الطويل في حوالي عشرين صفحة، من المهم الإشارة إلى بعض القرارات بأرقامها في البيان نفسه، لتوضح أنها ليست مجرد عملية تنصير:
١٧- نؤكد أن الديانات والأيديولوجيات الأخرى ليست مجرد وسائل أخرى للوصول إلى الخلاص، وإن الديانة الإنسانية خارج خلاص المسيح تؤدي إلى الإدانة وليس إلى الله؛ لأن المسيح هو الطريق الوحيد.
١٨- نؤكد أنه من واجبنا دراسة المجتمع الذي نعيش فيه؛ لكي نفهم بنيته وقيمه واحتياجاته، وأن تنمي استراتيجية تنصيرية مناسبة.
١٩- نؤكد أن تنصير العالم هي مهمة ملحة، وأنه من الممكن الوصول إلى الشعوب التي لم تتنصر بعد وتنصيرها، وتتعهد إذن بأن نلتزم بهذه المهمة بإصرار جديد طوال العقد الأخير من القرن العشرين «ملاحظة: إن المؤتمر كان في عام ١٩٨٩م).
٢٠- نؤكد تضامننا مع الذين يعانون بسبب الإنجيل، ونعد أنفسنا لمواجهة هذا الاحتمال، كما أننا مصرون على العمل من أجل الحرية الدينية والسياسية في كل مكان.
۲۱- نؤكد أن الله يحث الكنيسة لتحمل الإنجيل كله إلى العالم بأسره، ونحن مصرون على الإعلان عنه بإخلاص، منذ الآن وبأي ثمن، حتى عودة يسوع.
وبعد خمسة عشر عامًا (عام ٢٠٠٤) بدأت الأعمال لإعداد مؤتمر «لوزان ٣» بلقاء حول تنصير العالم، حضره ١٥٠٠ شخص لدراسة المشكلات المتعلقة بتنصير العالم، وبعد عامين كان اللقاء الإعداد جيل جديد من القيادات المسيحية القادرة على التنصير، حضره أكثر من ٥٠٠ من القيادات الشبابية، قادمين من ١٢٠ بلدًا لتدريب القيادات الشابة «مانيللا» عام ٢٠٠٦م، وفي عام ٢٠٠٧م تم لقاء قيادات التبشير في «بودابست» حضره ٣٦٠٠ شخص من ٦٠ بلدًا من العالم للتخطيط، ولوضع كل الإمكانات بغية تحقيق «لوزان ٣» الذي انعقد في أكتوبر ٢٠١٠م، تقريبًا في نفس وقت «سينودس أساقفة الشرق الأوسط». وبعد «لوزان ۲» (عام ۱۹۸۹م)، تم الاتحاد بين حوالي ٣٥٠ شراكة كنسية ومؤسسة مسيحية حول العالم؛ لتوحيد الجهود ضد الإسلام، تحت مسمى تنصير العالم، وهو ما كان البابا الأسبق «يوحنا بولس الثاني» قد طالب به صراحة، أي أن تتكاتف الجهود الكنسية لمواجهة الإسلام، وهو ما أعلنه في كتاب «الجغرافية السياسية للفاتيكان». وإذا ما كان مؤتمر «لوزان ٣» يبحث عن إجابة للخلاص- كما يقولون– بالنسبة للمشكلات الأخرى التي تواجه الكنيسة كالإيدز والفقر والبيئة والعولمة والإنشاءات المدنية.. والعديد غيرها، فإن المشكلة الأساسية التي لا نقاش فيها بالنسبة للكنيسة هي تنصير العالم؛ لذلك تم تخصيص اليوم الثالث بأسره لدراسة كافة السبل الممكنة وغير الممكنة لزعزعة العالم الإسلامي عن إيمانه؛ لإدخاله في المسيحية.وتجدر الإشارة إلى أنه منذ أول مؤتمر للتنصير في «لوزان 1» عام ١٩٧٤ لتنصير العالم، تمت عشرات اللقاءات الأخرى غير التي تم ذكرها آنفًا، على الصعيد العالمي أو المحلي، لتناول نفس فكرة تنصير العالم، نذكر منها على سبيل المثال: «التشاور حول تنصير العالم» (بتايا ١٩٨٠م)، «مؤتمر الشباب المسؤول» (سنغافورة ۱۹۸۷م) «لقاء الشباب المسؤول» (ماليزيا ٢٠٠٦م).. كما كان مؤتمر «لوزان 1» سببًا في إنشاء العديد من الشبكات والمؤتمرات المحلية مثال: لجنة لوزان الآسيوية للتنصير، ومركز التنسيق الصيني في العالم والاستشارات الدولية حول تنصير اليهود!
ومن الملاحظ أنها من المرات النادرة التي تأتي فيها سيرة تنصير اليهود بصورة علنية لا مواربة فيها، مما يكشف عن اختلاف موقف كل من الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية بالنسبة لليهود.. ففي البند الثالث من بيان «مانيللا» نطالع بوضوح: «يزعم بعضهم أن عهد الله مع إبراهيم يعفي أعضاء الشعب اليهودي من الاعتراف بيسوع كمسيح لهم أيضًا، ونحن نؤكد أن اليهود مثلهم مثل غيرهم يحتاجون ليسوع ليشفع لهم، والابتعاد عن نموذج العهد الجديد الذي بناء عليه يخاطب الإنجيل «اليهود أولًا»، يعد بمثابة نوع من معاداة السامية وعدم أمانة تجاه المسيح، لذلك نرفض الزعم القائل بأن اليهود لهم عهد خاص يجعل لا داعي لالتزامهم بالعهد الجديد وبالإيمان بيسوع المسيح». وفي الالتزام الذي تم التوقيع عليه في «لوزان ٣» المعروف أيضًا باسم «كيب تاون ٢٠١٠م» نص البيان الختامي المعلن في ٢/١٠/٢٠١٠م، أنه عبارة عن نداء يحث على العمل، وتجديد وتأكيد للالتزام بالارتباطات التي تم اتخاذها نحو رؤية وأهداف حركة «لوزان» وهو ما معناه: أنهم لن يتخلوا عن ارتباطهم «بأن يعلنوا عن يسوع المسيح في كل مكان في العالم، وعن كل تعاليمه»، وأنهم لن يتخلوا عن ارتباطهم فيما يتعلق بالوثائق الأساسية الصادرة عن الحركة وهي: «إعلان لوزان ١٩٧٤م» و«بيان مانيللا ۱۹۸۹م».
وقد اهتم البيان الختامي «لوزان ٣» بالإشارة إلى أنهم متمسكون بحقائق لا تتزحزح، ومنها: أن البشر ضالون، وأن الكنيسة وحدها هي التي يمكنها إنقاذهم، وأن الإنجيل هو نبأ صار لابد من فرضه على العالم أجمع. وأن مهمة الكنيسة مستمرة على الدوام، ثم تأتي إضافة التزامهم أيضًا ب«بيان ميخا» الصادر عام ١٩٩٩م حول التنصير الكامل، الذي هو الإعلان عن الإنجيل وفرضه في كل مكان، وهو عبارة عن رسالة منظومة كنسية متكاملة تهدف إلى «غرس الكنائس، ومنح الكنائس المحلية القدرة على تغيير المجتمعات المحيطة بها»... ومن الملاحظ أن بيان «ميخا» هذا ناجم عن «شبكة ميخا» التي تم إنشاؤها من مجموعة مكونة من ٣٣٠ منظمة مسيحية نشطة، كل أهدافها تتركز في كيفية زيادة عدد العاملين بها وقدرتهم على إنجاز مهمتهم كاملة. ولكي ندرك كم الأموال الطائلة التي يصرفونها على عمليات التنصير، نشير إلى ما كتبه علي إبراهيم النملة في كتابه «حول العمل الاجتماعي والخيري»: «تنطلق حملات التنصير بالتلفع بمشاريع العمل الاجتماعي الخيري كستار، وتزيد التبرعات السنوية عن ۳۷۰ مليار دولار، وفقًا لآخر الإحصاءات عن نشرة الإرساليات الدولية لسنة ٢٠٠٩م». وإذا أضفنا إلى كل ما تقدم من محاولات و دراسات لتنصير العالم، كل ما سبق وتم من مؤتمرات خلال هذا العام، لنهب ثروات أفريقيا، التي تم رصدها وهي لا تزال تحت الأرض في مناجمها، حتى تحدثوا عن كمياتها وأسعارها في أحد تلك المؤتمرات الدينية التي عقدها الفاتيكان قبل ذلك، والتي تخفي نوعًا جديدًا من الاستعمار واستغلال الشعوب الأفريقية لأدركنا حقيقة موقف الكنيسة وموقف الغرب المسيحي المتعصب. فهل يمكن أن يكون المرء أكثر وقاحة لاقتلاع أو استبعاد أو هدم الدين الوحيد في العالم الذي لم يتعرض لكل المآخذ والدجل الذي تعرضت له المسيحية الحالية ونصوصها المحرفة؟ فما من إنسان يجهل أن القرآن هو النص الديني الوحيد، المنزل، الذي لم يتبدل فيه حرف واحد، والذي لم ينزله المولى عز وجل إلا عندما حاد اليهود عن رسالة التوحيد، وقتلوا الأنبياء وعادوا للعجل! ولم يرسل يسوع إلا كما يقولها هو بوضوح تام: «لم أرسل إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة». وحينما حادث المؤسسة الكنسية عن التوحيد، وقامت بتأليه المسيح في مجمع «نيقية» (عام ٣٢٥م)، ثم وقعت في الشرك بالله باختلاق «الثالوث» وفرضه، أتى الإسلام مصوبًا وكاشفًا لكل ما تم من تحريف في رسالة التوحيد.. ما الصعوبة أو المشكلة في فهم هذا التسلسل التاريخي الواضح البساطة والمنطق؟ لماذا لا بد من مطاردة عقائد الآخر؟ أو بمعنى أدق لماذا يجب اقتلاع الشعوب المسلمة وغيرها ليتم فرض ديانة قائمة على التناقضات التاريخية والدينية والمنطقية التي يرفضها أي عقل سليم؟ لماذا يجب اقتلاع الإسلام لفرض خرافة عودة يسوع ومعركة «هرمجدون» التي لا أساس لها من ، وثابت أن كل تلك النصوص والقصص محرفة في المجامع لأغراض بعينها؟ أليس أكثر إنسانية وأمانة أن تتوقف المؤسسة الكنسية عن شن الحروب الدينية التي تفتعلها، والتي تشعلها وتقودها حفنة متعصبة من رجالها، بثيابها الحريرية المزركشة الشبيهة بالمسوخ التاريخية القديمة، لفرض هيبة زائفة لم تعد تخيل حتى على أتباعها، والاهتمام بالمشكلات الحقيقية التي تهدد العالم بأسره، بدلًا من محاولة تطويق الإسلام بمطرقة الكاثوليك وسندان الإنجيليين لاقتلاعه؟
[1] أستاذة الحضارة الفرنسية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1228
55
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996