; المجتمع التربوي.. عدد 1478 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1478

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2001

مشاهدات 64

نشر في العدد 1478

نشر في الصفحة 52

السبت 24-نوفمبر-2001

وقفة تربوية

أفضل ما تتقرب به إلى اللـــه

يروي الإمام ابن الجوزي عن الإمام الزاهد الكبير أبي سليمان الداراني أنه سئل يا أبا سليمان ما أقرب ما تُقرب به إلى الله؟ فبكى ثم قالمثلي يسأل عن هذا؟ أقرب ما تُقرب به إليه أن يطلع من قلبك على أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو.

هذه هي حقيقة التوحيد وإخلاص العبادة له وحده، فلا يبقى لمخلوق كائنًا من كان من إنسان أو حيوان أو جماد-. في قلبك شيء، وألا يكون عمل صغر أو كبر – إلا ولك فيه نية لله تعالى، ولا تخطو خطوة إلا وتريد بها وجهه، ولا تنطق بكلمة أو تقرأ حرفًا إلا وتريد وجهه، حتى وإن كان الذي تقرؤه أو تنطق به هو القرآن الكريم أو السنة من المطهرة.

وفي اللحظة التي يتخلى فيها الإنسان عن هذه الحقيقة فإن الله تعالى يتخلى عنه ويدعه لنفسه، ولهذا السبب كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء «يا حي يا قيوم بك أستغيث فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

حتى طرفة العين التي تستغرق واحدًا بالألف من الثانية لا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغفل عن هذه الحقيقة العظيمة

أبو خلاد

وقفات مع الشهر الكريم (۱من (۲)

رمضان فرصة ذهبية لقراءة القرآن..

والقيام والإنفاق في سبيل الله

من المهم صيام الجوارح عن الآثام والمعاصي لكي ينال الصائم أجره كاملاً

عماد سليمان الصقعبي (*)

ها هي نسمات رمضان شهر القرآن والرضوان، هبت علينا ويا لها من نعمة عظيمة لم نوفها قدرها ألا وهي بلوغ رمضان الذي هو موسم التجارة الرابحة مع الله تعالى.

أتى رمضان مزرعة العباد

لتطهير القلوب من الفساد 

فأد حقوقه قولاً وفعلاً

وزادك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب وما سقاها

تأوه نادمًا يوم الحصاد

فكم من أناس كانوا معنا في رمضان الماضي لم يعلموا أنهم لن يدركوا هذا الشهر مرة أخرى، ولكنهم الآن في قبورهم وأنت في الدنيا قد أمهلك الله كي تدرك رمضان، وتجتهد فيه.

 كم كنت تعرف ممن صام في سلف

من بين أهل وجيران وإخوان 

أفناهم الموت واستبقاك بعدهم

حيًّا فما أقرب القاصي من الداني 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال صلى الله عليه وسلم: «يبشر أصحابه قد جاءكم شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير منألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم» (رواه أحمد والنسائي وغيرهما).

وفي الحديث عن أحمد في المسند عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطهن أمة من الأمم قبلهاخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك،وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليّ، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليهفي غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قاللا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله».

إذن رمضان لفضله تضاعف فيه الأعمال الصالحة، فتعال أخي – نقف هذه الوقفات مع الشهر الكريم:

 

الوقفة الأولى: حقيقة الصوم

من أعظم نوافل العبادات عبادة الصيام، فلقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم «من صام في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا»، أي أنه بصوم يوم واحد يباعدك الله عن النار مسافة سبعين سنة، هذا في صيام النفل فما بالك بصوم رمضان الذي هو ركن من أركان الإسلام، ألا يكون الأجر أعظم؟!

اسمع إلى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبهفبمجرد صومك الصيام الحقيقي، فإن الله يغفر لك ما مضى من ذنوبك».

ولكن هل الصيام هو الامتناع عن الأكل والشرب والجماع فقط؟ لا، فالصوم أكبر من ذلك، فلا بد من صوم الجوارح كذلك عن الآثام والمعاصي، لكي ينال الإنسان أجر الصيام كاملاً وتمام الصيام يكون بستة أمور من طبقها نال أعلى المراتب بإذن الله، وهي:

1- غض البصر وكفه عن النظر إلى كل ما حرم الله وعن كل مكروه، وكل ما يلهي ويشغل القلب عن ذكر الله من القنوات الفضائية بما تعرضه من محرمات، فتغض بصرك عن النساء الأجنبيات فلا تنظر إليهن فهذا صوم البصر.

2- حفظ اللسان فتحفظ لسانك عن كل ما حرم الله من الكلام من غيبة ونميمة وكذب وبهتان وقول زور واستهزاء وسخرية وكبر... ثم إطلاقه بذكر الله وقراءة القرآن وبكل خير، فهذا صوم اللسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقلإني صائم» (متفق عليه)، وقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري وأبوداود والترمذي وأحمد).

3- كف السمع عن الإصغاء إلى كل محرم أو مكروه، فتحفظ سمعك عن سماع الأغاني والموسيقى، وسماع الغيبة والنميمة دون أن تنكر.

إذا لم يكن في السمع مني تصاون

وفي بصري غض وفي منطقي صمت

فحظي إذًا من صومي الجوع والظمأ

فإن قلتإني صمت يومًا فما صمت

4- كف بقية الجوارح عن سائر الآثام فتكف يدك ورجلك وسائر جوارحك عن كل ما حرم الله، فلا تمشي برجلك إلى حرام، ولا تستعمل يدك في حرام، ولا تأتي أمرًا فيه شبهة، وتستبرئ لدينك وعرضك.

5- ألا تكثر من الطعام الحلال وقت الإفطارفإن في الإكثار من الطعام وأنواعه تثاقلا عن العبادات، وبحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه.

فإنك لتعجب من أناس جعلوا رمضان شهر الأكل والتوسع في المطاعم والمشارب حتى ليأكل الإنسان بشراهة، فيجهد نفسه في هضم هذا الطعام فكيف له أن يؤي العبادات بطمأنينة؟  

فما بالك بمن يكثرون من أصناف المأكل ومن ثم يكون مستقرها النفايات وهذا من أكبر المشكلات، وإن من یری موائد الصائمين ليحتار فكره من كثرة الأصناف.. فأي صيام وأي إسراف؟

وكأننا لم نسمع أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يفطر على تمر وماء!

ونخشى ألا يقبل صيامنا، ومن عقوبة تنزل بنا من أجل كفر النعمة لدى بعضنا، فعلينا أن نتنبه لهذا الأمر لا سيما أن كفر النعم الموجود من أهم أسباب هلاك الأمم وعذابها، ألم يقل عز من قائل سبحانه:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112). 

وفي هذا الإطار، أطرح اقتراحًاحبذا لو وضع أهل كل حي سيارة عليها سائق ليمر بكل بيوت الحي، ويأخذ ما فاض لديهم من الأطعمة على أن يكون ذلك باشتراكشهري، وهذا يحل بعض المشكلة

6- أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقًا بين الخوف والرجاء، هذا الأمر من أهم الأمور فيعلقالإنسان قلبه بخوف ألا يقبل الله صيامه، فقد يتعب نفسه بالصوم والإمساك، بينما صيامه مردود عليه، فرب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش

كذلك لا ينسى الصائم أن يعلق نفسه برجاء الله أن يقبل منه صيامه، فإن هذا الأمر سبب في الاجتهاد ومواصلة الأعمال الصالحة، ولقد كان الصحابة رضوانعليهم يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه سبحانه ستة أشهر بعد رمضان أن يتقبله منهم

الوقفةالثانية: القرآن ورمضان

إن هناك تلازمًا وثيقًا بين شهر رمضان والقرآن؛ فالقرآن أنزل في هذا الشهر، قال تعالى﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: 185) إن شهر رمضان فرصة ذهبية لقراءة القرآن، هذا الكتاب الذي فيه قوام الأمة والهدى والنور لمن تأمله:

السمير كتاب الله إن له

حلاوة هي أحلى من جني العسل

به فنون المعاني قد جمعن

فما تفتر من عجب إلى عجب

أمر ونهي وأمثال وموعظةوحكمة

أودعت في أفصح الكتب

لطائف يجتليها كل ذي بصر

وروضة يجتنيها كل ذي أدب

 فلطالما فرطنا في ما مضى من أيام العام، وقصرنا في قراءة القرآن، وها هو شهر القرآن يدعوك، ألم تعلمأن بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، وهذا في غير شهر رمضان، فما بالك به في هذا الشهر الكريم، فأكثر -أخي- من تلاوته، وأعمر أوقاتك بقراءته لتكون ممن ينالون شفاعته.

قال صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (رواه مسلم وأحمد).

وورد عن الإمام الشافعي -يرحمه الله- أنه كان يختم القرآن في رمضان ستين مرة، وهذا سعد بن إبراهيم كان يختم كل يوم، وهذا سفيان الثوري كان إذادخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، وهذا الإمام مالك -يرحمه الله- كان إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويتفرغ للقرآن.

وروى الأسود أنه كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين

ولا تعجب أخي فهذا أمر ليس بالعسير ولا بالمستحيل، ولكنه أيضًا ليس باليسير إلا لمن وفقه الله واعتاد عليه.

وقدوتنا – قبل ذلك كله – نبينا فلقد كان جبريل عليه السلام – يدارسه القرآن في رمضان فاحرص – رعاك الله – على المداومة على قراءة القرآن واعلم أن من الأمور المعينة على الاستمرار في القراءة هذا طوال الشهر تحديد حزب معين تقرؤه كليوم، وترتب جدولاً له، ولا تُدخل فيه جميع قراءتك، ولا تكن كحال البعض الذين يظهر عليه الجد والحرص في أول الشهر ثم يتكاسل، بل اجعل همتك في آخر الشهرأشد، وحرصك أكبر.

الوقفة الثالثة رمضان موسم قيام الليل

رمضان هو شهر قيام الليل فيه صلاة التراويح وفي العشر الأواخر منه صلاة القيام وفيهما تربية عظيمة على قيام الليل وليس هذا فحسب، بل قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه أصحاب الكتب الستة.

فأي فضل أعظم من هذا الفضل، واعلم أن ربك كريم، فلقد قال له: «من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة» (رواه عبد الرزاق في مسنده).

فحينما تقوم مع الإمام في التراويح حتى ينتهي فإنه يكتب لك كأنك قمت الليل، فاحرص على قيام لياليه كلها، فما يدريك؟ فقد تدرك ليلة القدر التي هي خير من عبادة الف شهر ليس فيها ليلة القدر﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ * وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ * لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ * تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ﴾ (1-4) كما أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفرت له ذنوبه فلقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).

(*) جامعة الإمام محمد بن سعودالسعودية 

الصوم نصف الصبر وربع الإيمان ومفزع المؤمن

ومجمع العبادات ومضمار الخيرات

خطة للشهر تتضمن ترتيب الأولويات مع النفس والأسرة والمجتمع لتحقيق الاستفادة القصوى من رمضان

دعصام العريان

اقتضت حكمة الله تعالى أن يفضل بعض الأزمان على بعضها كما فضل بعض الأماكن وشرفها على البعض الآخر؛ فقد شرّف الله مكة المكرمة بأن اختارها موضعًا لأول بيت وضع للناس البيت الحرام الذي بناه أبو الأنبياء وولده إسماعيل وبه الحجر الأسود المكرمكما شرّف الله المدينة المنورة بأن جعلها مهاجر رسوله الكريم وموطن أنصاره وعاصمة أول دولة أقيمت في الإسلام، وشرّف الله بيت المقدس بأن جعل به «المسجد الأقصى» الذي أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، نسأل الله أن يفك أسره وأن يطهره من دنس اليهودوكذلك فضل الله سنين وشهورًا وأيامًا وليالي على غيرها، ومن أفضل التكريم والتشريف ما خص الله تعالی به شهر رمضان بمزايا وحسنات على غيره من سائر الشهور.

 فرمضان محل لفريضة جامعة لا تسقط إلا عن المرضى أو المسافرين هي فريضة الصوم بما لها من فضل كبير؛ فالإيمان نصفان صبر وشكر، والصوم نصف الصبر أي أن الصوم ربع الإيمان.

والصوم مفزع المؤمن حين تلم به النوازل قال تعالى﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: 45) وصوم المسلمين يمتاز على غيره من صوم أهل الكتاب بأنه مهرجان للعبادات ومضمار للخيرات، فهو ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل إن الشهر يشهد مهرجانًا من ألوان القربات لله تعالى: صلاة وتهجد وتزاور وتراحم واعتكاف وعمرة وذكر وتلاوة قرآن... إلخ.

والشهر الفضيل به ليلة هي خير من ألف شهر ﴿تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ * سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ﴾ (القدر 4-5).

والمسلمون يصومون معًا في وحدة جامعة تشعرهم بأنهم جميعًا أمة واحدة في مظهر رائع لوحدة المسلمين، فينبغي للمؤمن الصادق أنيستعد لاغتنام هذا الشهر.

لذلك على المسلم أن يتعرف على هذا الشهر من دروس العلم ومن كتب الفقهاء وقبل ذلك من كتاب ربنا وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يتعرف حكمة الصوم في جميع الشرائع السابقة بل إن الأمم التي ليس لها دين سماوي معروف كانت تصومأيضا، وصدق الله تعالى إذ يقول﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) وأن يتأمل في ألوان العبادات التي فرضها الله علينا في رمضان، وكذلك أنواع القربات حتى يختار منها ما يركز عليه مع عدم حرمان نفسه من فضل بقيتها.

 

خطة شهرية

نعم أنت في حاجة إلى أن تجلس جلسة تأمل مع نفسك، وأن تجلس أخرى مع أسرتك وثالثة مع إخوانك، والهدف من ذلك هو تحقيق الاستفادة القصوى من شهر رمضان.

مع نفسكلوضع برنامج عملي خلال شهر رمضان، وكان يجب أن تبدأ التنفيذ قبيل حلولالشهر بأيام بأن تصوم من رجب وشعبان وأن تبدأ صلاة القيام والتهجد فيهما.

وهذا البرنامج يشمل:.

تحديد الأهداف خلال شهر رمضان هذا العام بدقة (المطلوب التركيز على تحقيق هدف رئيس ومعه أهداف أخرى ثانوية. مثلاً يمكن التركيز في أحد الأعوام على القرآن الكريم، ومرة أخرى على صلة الأرحام، وثالثة على صلاة التهجد... إلخ).

 وضع جدول زمني للشهر الكريم، بحيث تبدأ الشهر بقوة وتختمه بقوة.

إحاطة البرنامج ببقية الجوانب الحياتية؛ فالطالب لا بد أن يضع الدراسة في حسبانه والزوج لا بد أن يجعل لبيته نصيبًا والموظف يختلف عن صاحب العمل الحر، وهكذا.

أن يكون هذا البرنامج واقعيًّا للتطبيق حتى تنطلق النفس إلى آفاق جديدة ولا تشعر بإحباط نظرًا لعدم إنجاز المطلوب.

أما مع الأسرة فنحن في حاجة إلى اتفاق الأهل والأولاد عند حلول رمضان كي نحقق أقصى استفادة ممكنة من الشهر العظيم:

1- كيف ندير الوقت في رمضان؟

2- الاتفاق على تجنب إضاعة ساعات أمام أجهزة التلفاز.

3- نظام الزيارات خلال الشهر حتى لا تستهلك الوقت كله، مع التركيز على صلة الأرحام.

4- تقليل الطعام خلال شهر رمضان مع عدم حرمان الأولاد من أطعمة رمضان الخاصة الشهية.

5- أهمية الجلوس بصورة يومية عند الإفطار للذكر والدعاء، وقبل وعند السحور للاستغفار والتهجد، وأسبوعيًّا للدراسة والتأمل في فضائل رمضان وذكرياته الإسلامية (غزوة بدر والفتح).

أما مع الإخوان فإنها تنطلق من ضرورات تحقيق أقصى استفادة ممكنة خلال رمضان للنفس والأحباب ولجميع المسلمين، وذلك:

بوضع ترتيب للمسجد خلال رمضان يتضمن:

صلاة القيام وتنظيمها.

التذكرة بين التراويح وإعدادها.

* المقرأة في رمضان.

* دروس العلم وتنويعها.

الاتفاق على عمل إفطار جماعي في المسجد مرة أو مرتين مع الأسر والعائلات دون إرهاق بحيث تصطحب كل أسرة طعامها معها.

التهنئة لجميع المسلمين وجيران المسجد بحلول رمضان، ويمكن توزيع تهنئة مطبوعة للتذكير بفضائل رمضان.

* الاهتمام بالفقراء في رمضان، والتشجيع على الصدقات كما العيد.

الاستعداد للاعتكاف في رمضان خاصة في العشر الأواخر، والإعداد له.

* الاستعداد لصلاة العيد.

* تهنئة المسلمين بالعيد خاصة ذوي الأرحام والجيران وأصدقاء الدراسة وزملاء العمل.

إذا أحسنا التخطيط لرمضان فإن الله تعالى سيوفقنا إلى أقصى استفادة من هذا الشهر العظيم الذي إذا حل سرعان ما ينقضي، وقد أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الأمة إذا علمت ما في رمضان من الخير لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان.

هيا بنا نعش رمضان

خالد عبد الرحمن الدرويش

في صحيح مسلم عن أبي هريره رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلمقال الله عز وجل«إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها حسنة».

ومن النيات المطلوبة في هذا الشهر:

1- نية ختم القرآن مرات عدة مع التدبر.

2- نية التوبة الصادقة من جميع الذنوب السالفة.

3- نية أن يكون هذا الشهر بداية انطلاقة للخير والعمل الصالح إلى الأبد بإذن الله تعالى.

4- نية كسب أكبر قدر ممكن من الحسنات في هذا الشهر، ففيه يتضاعف الأجر والثواب.

5- نية تصحيح السلوك والخلق والمعاملة الحسنة جميع الناس

6- نية العمل لهذا الدين ونشره بين الناس، مستغلاً روحانية هذا الشهر.

7- نية وضع برنامج مليء بالعبادة والطاعة والجدية بالالتزام به.

المطالعة الإيمانيةبمعنى قراءة بعض كتب الرقائق المختصة بهذا الشهر الكريم لكي تتهيأ نفس لهذا الشهر بعاطفة إيمانية عالية.

اقرأ في باب وظائف شهر رمضان، وسوف تجد النتيجة.

استشعر معي أخي المسلم فضائل رمضان وضيامهمغفرة الذنوب، العتق من النار فيه ليلة مباركة تستغفر لك الملائكة يتضاعف فيه الأجر والثواب أوله رحمةأوسطه مغفرة... إلخاستشعارك لهذه الفضائل يعطيك دافعًا نفسيًّا للاستعداد له.

استمع كل يوم إلى شريط واحد أو شريطين في البيت أو السيارة عن رمضان.

اقرأ تفسير آيات الصيام من كتب التفسير.

اجلس بنا نعش رمضان، شعار رمضان هو عبارة عن جلسة أخوية مع من تحب من أهل الفضل والعمل الصالح، تتذاكر معهم كيف تعيش رمضان كما ينبغي.. فهذه الجلسة الإيمانية تحدث أثراً طيبًا في القلب.

تخصيص مبلغ مقتطع من راتبك لهذا الشهر لعمل بعض المشاريع الرمضانية مثل:

1- صدقة رمضان.

2- كتب ورسائل ومطويات للتوزيع الخيري.

3- الاشتراك في مشروع إفطار صائم لشهر رمضان

4 -حقيبة الخير هي عبارة عن كميات من الأطعمة المتنوعة توزع على الفقراء في بداية الشهر.

5- الذهاب إلى بيت الله الحرام لتأدية العمرة

تعلم فقه الصيام من خلال الدروس العلمية في المساجد وغيرها.

حضور بعض المحاضرات والندوات التي تعقد بمناسبة شهر رمضان ما أمكن ذلك.

تهيئة من في البيت من زوجة وأولاد لاغتنام الشهر الكريم، من خلال الحوار والمناقشة في كيفية الاستعداد لهذا الضيف الكريم، وعبر المشاركة الدعوية لتوزيع الكتيبات والأشرطة على أهل الحي، فإنها وسيلة لزرع الحس الخيري والدعوي في نفوس أبناء العائلة.

الاستعداد الدعوي

يستعد الداعية إلى الله بالوسائل التالية في رمضان:

1- حقيبة الدعوة هدية الصائم الدعوية فهي تعين الصائم، وتهيئ نفسه لفعل الخير في هذاالشهر.

محتوياتها كتيب رمضاني - مطوية شريط جديد رسالة عاطفية سواك... إلخ

2- تأليف بعض الرسائل والمطويات القصيرة، مشاركة في تهيئة النفوس لعمل الخير في هذا الشهرالفضيل.

3- إعداد بعض الكلمات والتوجيهات الإيمانية والتربوية إعدادًا جيدًا لإلقائها في مسجد الحي.

4- التربية الأسرية من خلال الدرس اليومي أو الأسبوعي

5- توزيع الكتيب والشريط الإسلامي على أهل الحي والأحياء المجاورة.

6- استغلال الحصص الدراسية للتوجيه والنصيحة للطلاب.

7- طرح مشروع إفطار صائم أثناء التجمعات الأسرية العامة والخاصة.

8- الاستفادة من حملات العمرة من خلال الاستعداد لها دعويًّا وثقافيًّا

9- التعاون الدعوي مع المؤسسات الإسلامية.

أخي الداعية احرص على جلسات التفكر والإعداد للوسائل الجديدة والتطوير ليكون شهر رمضان بداية هداية لكثير من الناس.

ربيع القلوبفي رمضان

على قدر مكانة القرآن في قلبك تكون مكافأة الإسلام في نفسك

غيض من فيض من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مع الكتاب الكريم

فضائل القرآن لا يسعها مجال.. وأسوأ أنواع هجره.. هجر تدبره 

عاطف أبو السعود

ربيع القلب هو القرآنالكريم، فقد جاء فيالحديث الصحيح أنالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه بقولهاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي.

وإذا كان للمسلمأحوال مع القرآن طوالالعام فما أحراه أن يزدادبه استمساكاً، ولآياتهتلاوة، ولمعانيه تدبرًا، في شهر رمضان شهر القرآن.

 والحقيقة التي لا يماري فيها أحد أننا -معشر المسلمين- ما أعطينا كتاب الله حقه، وما قدرناه حق قدره، وليس لذلك من سبب إلا أننا لم نقدر رب هذا الكتاب حق قدرهوهذا ما عتب به ربنا علينا في كتابه الكريم في سورة الزمر، إذ يقول﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (لزمر: 67).

ولو أردنا أن نحصي فضائل هذا الكتاب الكريم ما وسعنا المجال فهو نور ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: 15)، ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2). 

وشفاء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) وتبيان لكل شيء ورحمة وبشرى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89)، وصراط مستقیم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153)، وخير ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ (النحل: 30) كما أنه شرعة وحكم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة: 49)، وبشير ونذير ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (البقرة: 119).

 هذا ما  للقرآن من فضل ولكن كثيرا من الناس جعله وراه ظهريا واتخذه مهجورا﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30).

وليس المقصود بهجر القرآن هجر تلاوته فحسب، ولكن أنواع الهجر كثيرة وصوره شتى، فمنها أيضًا هجر تديره، وهجر الاستشفاء به وهجر تطبيقه والتحاكم إليه، ولعل أسوأ أنواع هجر القرآن هجر تدبره فذلك هو السبب في بقية أنواع الهجر السابق ذكرها. والآيات والأحاديث التي تحث على قراءة القرآنكثيرة ومتنوعة، منها قوله تعالى﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (المزمل: 20) وهناك فرق بين من يتلو القرآن باللسان فقط ومن يقرأ بقلبه ووجدانه ومشاعره، ولذا أثنى الله جل وعلا على طائفة من المؤمنين بقوله﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 121).

 كما وصف سبحانه عباده المؤمنين حقًّا بقولهو﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الحج: 35)  ويقول الشاعر:

 منع القرآن بوعده ووعيده

مقل العيون بليلها لا تهجع

فهموا عن المولى العظيم كلامه

فهمًا تذل له الرقاب وتخضع

الأحاديث كثيرة

والأحاديث الواردة في فضل القرآن العظيم كثيرة، منها قول الحبيب المصطفى«اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (رواه مسلموقال صلى الله عليه وسلم«يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» (متفق عليه).

والأحاديث غير هذه كثيرة، وكلها تحض على قراءة القرآن الكريم وتبين ثوابها العظيم.

لكن من المحزن أن كثيرًا من المسلمين لايفتحون كتاب الله جل وعلا إلا في رمضان وكأن القرآن ما نزل إلا ليقرأ في رمضان.

ولو تدبرنا حال النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة والتابعين مع القرآن العظيم لأدركنا أن البون بيننا وبينهم شاسع، وأن الأمر يحتاج إلى وقفة حاسمة ومراجعة حازمة وهمة عالية وعزيمة صادقة.

من فضائل القرآن العظيم

 القرآن الكريم هو نور القلوب وشفاء الصدور وعافية الأبدان ومعين الإيمان وكلام الرحمن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هوالسراج المنير، والطريق القويم العاصم من الفتن والمخرج من المحن.

عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم إنها ستكون فتن قلتفما المخرج منها يا رسول الله قالكتاب الله، فيه نبأ من قبلكم وحكم ما بينكم وخبر ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغىالهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، من قال به صدق ومن حکم به عدل، ومن عمل بهأجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد،لم تملك الجن حين سمعته إلا أن قالت﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (لجن: 1). 

وهذا رسولنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلميقول من أراد أن يسمع القرآن غضًّا طريًّا، فليسمعه من فم ابن أم عبد -يقصد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

 ويأمره الله ذات يوم أن يقرأ عليه ما تيسر من كتاب الله تعالى، فيقرأ سيدنا عبد الله -رضي الله عنه- من صدر سورة النساء، حتى إذا ما أتى إلى قوله تعالى﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 41).

قالحسبك، يقول سيدنا عبد الله -رضي الله عنهفالتفت فإذا عيناه تذرفان.

وما ذرفت عينا المصطفى الله إلا لأنه عاش في رحاب هذه الآية، وأدرك معناها ومغزاها، وعلم أنه هو المقصود بهذا القول، فتأثر ورق قلبه واستحضرهذا المشهد وأشفق على أمته فدمعت عيناه.

 وتقول عائشة -رضي الله عنها-: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفراش ذات ليلة حتى مس جلده جلدي، ثم قاليا ابنة الصديق دعيني أتعبد لربي، قلتيا رسول الله إني والله- لأحب قربك ولكني أؤثر هواكفقام إلى قربة معلقة فتوضأ، ثم قام يصلي ويبكي، حتى اخضلت لحيته، وظل على حاله هذا حتى أتاه بلال يؤذنه بصلاة الفجر، فلما رآهرفق عليه وسأله أتبكي يا رسول وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وم تأخر؟ فقال أنزل عليّ الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190) ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها.

 هكذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم له مع القرآن، فماذا عن أحوال الصحابة والتابعين والصالحين، رضوان اللهعليهم.

من أحوال الصحابة والتابعين مع القرآن

 لقد تربى الصحابة الكرام في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم الله فاغترفوا من معينه الطاهر فكانوا تلاميذ نجباءعباقرة كرماء، وكانت لهم مع القرآن وقفات ووقفات وجولات وجولات، فهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يقرأ قوله﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (المدثر: 8) في أول سورة المدثر خر مغشيًّا عليه، ويعوده الناس ظانين أن به مرضًا، أو به من شيء وما أغشي عليه إلا لأنه استحضرجمال هذا المعنى وعاش في ظلاله، فأثر فيه هذا التأثير.

وهذا عبد الله بن عباس، ترجمان القرآن الذي له دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، رضي الله عنه وأرضاه، شتمه رجل ذات مرةفقال له: «أتشتمني وفيّ ثلاث وذكر منهاأني أقرأ الآية فأود أن يعرف منها كل مسلم ما عرفته».

وهذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «وما نزلت آية من كتاب الله إلا عرفت أين نزلت ومتى نزلت»، ويقول رضي الله عنه وأرضاه: ينبعي لحامل أن يعرف بليله إذ الناس نائمون وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبورعه إذ الناس يخلطون وبحزنه إذ الناس يفرحون، وبتواضعه إذ الناس يختالون، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يلهو مع من يلهو، ولا أن يسهو مع من يسهو، فهو حامل لكلامتعالى.

 وكان خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز  رضي عنه وأرضاه- يجمع إخوانه من أهل العلم والتقوى يذكرون الله تعالى ويبكون حتى تخضل لحاهم.

 وقال الإمام ابن قيم الجوزيةإذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألف سمعك ليحضر حضور من يخاطبه ربه سبحانه.

 ويقول أحد الصالحين: كنت أقرأ القرآن كأنه أسمعه من رسول الله  فكنت أجد لذلك حلاوة، ثم تخيلت كأني أسمعه من جبريل عليه السلام، فوجدت حلاوة لذلك أشد، ثم ترقيت فصرت كأني أسمعه من الله تعالى فوجدت حلاوة يعجز عن وصفها الكلام.

 وهذا الشاعر والفيلسوف والأديب محمد إقبال يقولكان أبي يرحمه الله يراني أقرأ القرآن فيقولماذا تقرأ فأجيبه، وظل يردد هذا السؤال حتى عجبت من ذلك، ثم قال لي يومًايا محمد اقرأ القرآن كأنما عليك أنزل.

 شهادات من غير المسلمين هذا غيض من فيض عن بعض أنواع أحوال النبي والصحابة ومن بعدهم مع القرآن الكريم.

وقد شهد بعظمة القرآن الأعداء قبل الأصدقاء قديماً وحديثاً فقديماً عندما سمع الوليد بن المغيرة قول الله تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) فقال: «والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوةوإنه أعلاه لمورق وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وما هذا بقول بشر».

وحديثًا قال المفكر والأديب الفرنسي موريس بوكايإن هذا القرآن كتاب معجز، إنه كتاب بلاغة لمن أراد أن يتعلم البلاغة، وهو كتاب أدب لمن أراد أن يتعلم الأدب،وإنه لكتاب علم لمن أراد أن يقف على أسرار العلوم، وإنه لكتاب قصص لمن أراد أن يقف على قصص السابقين ومن أراد من العرب أن تكون له مكانة في قومه، فإنهيكثر من استشهاده بآيات القرآن الكريم.

هذا بعض ما قاله بعض المنصفين عن القرآن من غير المسلمين قديمًا وحديثًا، فماذا عن حالك أنت -بعد هذا كله- مع كتاب الله تعالى؟

الله أكبر إن دینمحمد 

وكتابه أقوى وأقوم قيلا 

لا تذكروا الكتب السوالف عنده 

طلع الصباح فأطفئ القنديلا

عد إلى القرآن

هل عزمت على ختم القرآن أكثر من مرة في رمضان، هل لك ورد ثابت تحافظ عليه مهما كانت الأسباب والظروف، هل تستحضر قلبك ووجدانك عندتلاوته، هل تتأدب بآدابه وتتخلق بأخلاقه وتقف عند حرامه وحلاله، هل تدمع عيناك ويخشع قلبك عند تلاوته، هل إذا قرأت آية ولم تعرف معناها حرصت علىأن تسأل عنه عالمًا أو أن تبحث عنه في كتاب؟

على كل تذكر أنه على قدر مكانة القرآن في قلبك، وعلى قدر عنايتك به تلاوة وحفظاً وفهماً وعملاً ودعوةتكون مكانة الإسلام في قلبك.

واحذر أن يكون جل اهتمامك في رمضان بعدد مرات ختم القرآن فحسب، بل أحرص على استحضار قلبك، وتذكر قول القائل: «لأن أقرأ البقرة وآل عمران متأنيًّا متدبراً مرتلاً خير لي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة»، أي، بلا فقه ولا تدبر.

عشقتك يا كتاب الله حتى

 كأني لا أرى حبًّا سواك

 إذا حط الظلام على درويى

    بلا خوف أسير على سناكا

وأن ضلت خطاي طريق حق

أرى نور الحقيقة في هداك

وإن يعجز لساني عن بيان

تدفق بالبيان إذا أتاك

نزلت على الأمين لنا سلامًا

فهل تبعت جماعتنا خطاك؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1124

65

الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

المجتمع التربوي (1124)

نشر في العدد 1119

107

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

المجتمع التربوي: (العدد: 1119)

نشر في العدد 1127

70

الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

المجتمع التربوي (1127)