; الحرب الأهلية الأفغانية في ملتقى الخيارات الثلاثة | مجلة المجتمع

العنوان الحرب الأهلية الأفغانية في ملتقى الخيارات الثلاثة

الكاتب الدكتور محمد ناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1997

مشاهدات 75

نشر في العدد 1280

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-ديسمبر-1997

إذا نظرنا إلى خريطة قلب آسيا وجدنا سلسلة جبال ممتدة من الغرب نحو الشرق تصعد فتشكل جبال هندوكوش وهذه الجبال بما فيها من الوديان تعني أفغانستان حتى إذا نزلت منها وصلت باكستان جنوبًا وشرقًا، ودول آسيا الوسطى شمالًا، ولا تبقى إلا قطاعات في الشمال والغرب بسيطة غير كافية لبناء دولة، فأفغانستان على الأغلب جبال تنحدر مياهها لتروي الدول المجاورة، وتقطع أشجارها للتجارة وتحمل الفيضانات تربتها الغنية لتبقى الجبال مجرد صخرات، وبالطبع لم تكن ثمة نشاطات لحفظ البيئة أو لإنقاذها، هذه شأن المناطق الجبلية الجنوبية المجاورة لباكستان التي تسمى بجبال أبيض» المتصلة بجبال «هندوكوش الغنية بالمعادن، هذا الأمر جعل سكان الجنوب يهاجرون شمالًا على مر العصور، بغية الحفاظ على الحياة، ومن ثم عرفها المستعمرون بتمردها، إذ إنها - حسب فهمهم عبارة عن دولة وشعب يصعب الوصول إليهما، دولة وقف المستعمر البريطاني والروسي جنوبها أو شمالها ودخلت بريطانيا ثلاث مرات وتراجعت منهزمة ثم دفن السوفييت، فكانت نهايتهم هناك، وكان اجتياحها سببًا للجهاد الأفغاني الشهير، وهذا يدل على أهمية العامل الجغرافي عند النظر في القضية.

بدأ الجهاد في أفغانستان بعد ثلاث سنوات من انتهاء الحرب الفيتنامية التي تكبدت الولايات المتحدة فيها خسائر مادية ومعنوية، ومنذ ذلك الحين وهي تتربص فرصة للانتقام من الاتحاد السوفييتي الذي كان ساند فيتنام، وإزالة بصمة عار من جبينها، فكان الوضع الأفغاني مناسبًا لتحقيق هذه الرغبة ومن هنا أخذت تساعد الجهاد الأفغاني لمدة ولغاية محددتين، بيد أن نتائج الجهاد لم تكن بمجموعها مرغوبًا فيها دوليًا، فالأفغان أصبحوا يشكلون خطرًا على مصالح الغرب، ونهضت شعوب مسلمة أخرى في فلسطين وكشمير والجزائر وجمهوريات وسط آسيا ... وجذورها تنبع في جزء منها من الجهاد الأفغاني، وكأن الإسلام الناهض كان يطمح أن يكون بديلًا للسوفييت، فتم وضع استراتيجية جديدة ضد القوة الجديدة الناهضة وبالذات على أرض أفغانستان تهميشًا لموقفها وعبرة لأي شعب آخر يفكر بالاحتذاء بالأفغان، فكانت أفغانستان عرضة لعملية تدميرية خاضت حريًا بكل ما تحمل الكلمة من معان حربًا شملت كافة زوايا الحياة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

وبرغم أن الحروب في كثير من دول العالم لا تستغرق زمنًا طويلًا، إلا أن هذا الأمر لا يصدق بالنسبة لأفغانستان فالحرب في لبنان توقفت بتدخل من الدول العربية، وتوقفت الحرب في البوسنة بتدخل من أوروبا حرصًا على وضع حد للعنف الإقليمي، وحلت القضية الشيشانية بفضل تفاهم الشعب وجودة المستوى الثقافي لديهم، وتنعدم هذه العناصر في القضية الأفغانية. 

وفي ضوء هذه الحقائق لا تزال الحرب الأهلية مستمرة، ويمكننا القول بأن أفغانستان أمام ثلاثة خيارات أساسية 

أولًا : خيار استمرار الحرب

خيار الحرب مسيطر بالفعل، نظرًا لأن الظروف مهيأة لمثل هذا الخيار، حيث إن الحرب مستمرة منذ وصول الشيوعيين إلى السلطة عام ۱۹۷۸م، وقد اتخذت الحرب بعد ذلك الحين أشكالًا مختلفة من الجهاد إلى الحرب الأهلية هذا الخيار قد يستمر لمدة. 

وترجع جذور الحرب إلى أن البلد كان يتجه نحو الفوضى إثر انسحاب السوفييت ثم اشتدت الحالة بعد سقوط نجيب الله ووصل المجاهدون إلى السلطة على غير استعداد، فلم يكن قد سبق أن دخل الجيش الروسي بلدًا ثم تركها مهما طال الزمن، فالمقاومة في بلد ذي قوة ضئيلة لم تكن لتستمر، بل كان يتوقع انضمام أفغانستان كجمهورية تحمل رقم ١٦ في الاتحاد السوفييتي ففي مثل هذا الوضع لم يدر في أذهان الأحزاب الجهادية التفكير بوضع أسس الحكومة، وظلت الهتافات -برغم ذلك- لإقامة حكومة إسلامية في أفواه المجاهدين، الأمر الذي ضلل الرأي الإسلامي العالمي، وحتى لما تغيرت المعارك لصالح المجاهدين واستطاع المجاهدون أن يتقدموا تقدمًا هائلًا كانت فرصة للقيام بهذه المهمة، إلا أن اللبنة الثانية كانت توضع على الأولى التي سبق أن وضعت عوجاء، وحينئذ كان كل حزب يأخذ عدته للقيام بمهمة الحكم لا على استعداد عملي وكفاءات مؤهلة وإنما التواكل والتنافس ومما زاد الطين بلة تغير الاستراتيجية العالمية نحو القضية الأفغانية، فبعد أن كان الأفغان يتكئون على التأييدات الإسلامية والغربية انقطعت فجأة، مع العلم المسبق أن الأحزاب غير مؤهلة لتشكيل حكومة بحال، ومن هنا كان يتوقع أن تسود الفوضى وتشتعل نار الحرب، وبالطبع كان من الخطأ الفاضح أن يتوقع من الغرب الذي كان يأمل في إيقاد الحرب أن يتدخل لإيقاف الحرب في أفغانستان أما دور الأمم المتحدة فقد تلخص دومًا في إصدار المنشورات، وعلى صعيد آخر كان رأي بعض الحكومات - ولا يزال - أن أفغانستان تستحق الدمار، حيث إنها - وبرغم كل ما وصلها من الهوان - قادرة على أن تصبح مصدر رعب إقليمي، ولا سيما أن القوى التي كانت تستغلها وتوجهها لغير صالح البلد - كما كان يفعل الاتحاد السوفييتي طيلة نصف قرن . قد محيت من الوجود، فاعتماد الشعب الأفغاني على الحياة الطبيعية وطبيعته الحربية ثم المناطق الجبلية التي تأويهم، والتي تشكل مثلثًا دفاعيًا ظل هذا كله مصدر رعب يستحق وضعه في الاعتبار للفترة المقبلة، إن أفغانستان اليوم تملك جنرالات ومارشالات الحرب الذين يمكنهم فعل الكثير، الأمر الذي لا يغيب عن وعي العالم فلذلك كله اندلعت الحرب الأهلية، ثم إن وسائل استمرارها كثيرة، وتكفي إثارة الخلافات العرقية. 

استمرار الحرب بين السلبية والإيجابية

إن القضية الأفغانية خلقت - بالفعل - مواقف سياسية شتى تضر بوحدة الأمة الإسلامية وتؤدي بالتالي إلى توتر العلاقات بين الدول الإسلامية التي يجب أن يقف بعضها بجانب البعض في وجه تيار استمرار الحرب حرصًا على استقرار المنطقة. 

ثم هناك سلبيات للحرب داخليًا في مختلف الحقول:

 اقتصاديًا: إن أفغانستان لا تملك من موارد الرزق والدخل سواء صناعيًا أو زراعيًا أو سياحيًا ما يكفيها، ومن ثم تعتمد على تجارة المخدرات، حيث الأراضي الصالحة لهذه الزراعة وسعرها كفيل بحل الأزمة المالية. 

وسياسيًا: بقاء البلد جرحًا نازفًا يشكل خطرًا لمصالح الدول المجاورة وأمنها، وتضطر البلاد المجاورة لوضع ميزانية كبيرة لحفظ حدودها التي قد تواجه اعتداءات، وسيكون البلد أكثر تخلفًا وانعزالًا، فاقد الثقافة والنشاط وتتربى الأجيال على الحرب، وتتفشى شتى الظواهر الاجتماعية السلبية وتنمو الصراعات بين شتى العرقيات.

على المستوى الإقليمي ومن أضرار استمرار الحرب على المستوى الإقليمي أن الدول المجاورة ينعزل بعضها عن بعض وتتحمل مبالغ ضخمة للحفاظ على أمنها ولعل تكاليف الأمن لو استثمرت في التبادل التجاري بينهما تؤدي إلى زيادة معدل الدخل القومي لهذه المنطقة بأثرها ثم إن باكستان بالفعل محاطة بالجبهات الباردة في حدودها الشرقية مع الهند، كما أن إيران محاطة بجيران يفتقدون التفاهم معها وعلى نفس الوتيرة دول وسط آسيا التي بحاجة إلى جيران غير روسيا ولا سيما أنها غنية بالغازات الطبيعية وتبحث عن سوق  غير روسيا. 

إن عدم الاستقرار السياسي في باكستان ساعدت فيه الحرب في أفغانستان، الأمر الذي لا شك يؤثر سلبًا على اقتصاد باكستان. 

والإيجابية الوحيدة - إذا جاز تسميتها بالإيجابية - لاستمرار الحرب أنها قضت على كثير من الأحزاب السياسية الأفغانية وقمعت لوردات الحرب وقطاع الطرق ومحت الفوضى فلم يبق من الأحزاب نشطًا إلا الجمعية الإسلامية لبرهان الدين رباني وحركة طالبان وحزب الوحدة، وهناك وجود ضئيل للحزب الإسلامي التابع لحكمتيار. 

ثانيًا : خيار التجزئة

فلا شك أن الحرب سوف تنتهي يومًا ما، ومن ثم من الممكن أن تنتهي بخيار هو في الحقيقة شر الخيارات وأشدها ألا وهو التجزئة. وتحدث التجزئة غالبًا في الأمم ذات العرقيات المتصارعة كيوغوسلافيا تشيكوسلوفاكيا السابقتين وغيرهما، أو برغم أنفعها وذلك بفعل التدخلات الأجنبية كتقسيم ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفيتنام وكوريا واليمن. 

ولقد كانت قصة التجزئة الداخلية منتشرة في أفغانستان منذ منتصف الثمانينيات، حيث كان يحتمل أن يقسم السوفييت البلد إلى: قسمين شمالًا وجنوبًا، فيكتفي - ولو بصفة مؤقتة - باحتلال الشمال وتتخذ من مزار شريف عاصمة له، ثم طرحت الفكرة في عهد الرئيس الأسبق نجيب الله ثم كررت هذه الفكرة مرات وكان أخطرها بعد سقوط نجيب الله، بيد أنه يستبعد - عمليًا - حصول ذلك الأمر. 

فخيار التجزئة متاح أمام الشعب الأفغاني سواء التقسيم والدخول مع الدول المجاورة، أو التجزئة إلى أجزاء مستقلة ذات سيادات لكن الأمر ليس مما يبحثه الشعب الأفغاني بأكمله، فقد كانت هناك عرقيات متعددة تعايش بعضها بعضا في المدن الكبيرة ككابول العاصمة وهيرات وقندهار وحتى المدن الصغيرة مثل قندوز وبادغيس وفارياب وغيرها، حيث كانت هذه المدن تستقبل وتؤوي مهاجرين من المدن الأخرى فلم يوجد أي تعارض عرقي ولن يوجد ما دام لا يثيره أعداء الشعب. ينتمي الشعب الأفغاني إلى عرقيات مختلفة ليست هناك عرقية تعتبر فئة مهاجرة كالعرقية الصينية والهندية في ماليزيا وإندونيسيا، أو كما كان الأوروبيون البيض في بلاد الهنود الحمر، فإذا كانت الشعوب برغم اختلاف دياناتها وعرقياتها وألوانها تستطيع العيش في بلد واحد فما بال الأفغان لا يقدرون على تحقيق ذلك. 

برغم سيطرة الفوضى في ظل الحرب لم يحدث أن جرت بين المدنيين المسالمين من الشعب أي معركة - كما هو الحال في رواندا مثلًا - حيث إن المجازر التي وقعت هناك كانت بأيدي المدنيين في حين أنه ما يزال يعيش في المدن الأفغانية التي يسودها الأمن كافة العرقيات بعضها مع بعض وبتفاهم وتعاون كاملين. 

ومن الناحية السياسية تختلف أفغانستان عن البوسنة حيث الأقليات لم تكن متماشية مع الحكومة الفدرالية وبتلاشي الحكومة المركزية الصربية هرولت كل عرقية نحو التخلص من الدولة الأم، فأفغانستان لا توجد فيها عرقية تريد التجزئة والاستقلال، ولا شك أن الدمج العرقي بحاجة إلى زمن أطول، حيث إن أفغانستان المعاصرة دولة حديثة سياسيًا. 

وتختلف أفغانستان عن كردستان، حيث حدثت في زمن لم تكن خريطة كثير من الدول قد ظهرت إلى الوجود، فقد كانت المناطق كلها تحت سيطرة الاستعمار البريطاني، وكان التقسيم يأتي في ظروف لم تكن تستهلك جهدًا مضنيًا، ثم إن الشعب الكردي شعب واحد مقسم بين الدول المجاورة، وهذا عكس ما عليه أفغانستان. وإن كان هناك عائق يجب وضعه في الاعتبار، فهو أنه لا توجد هناك عرقية ذات أغلبية عددية تمامًا تسيطر على العرقيات الأقلية الأخرى، كما هو الحال في معظم بلاد العالم فإذا كانت العرقية البشتونية أكثرية مريحة نسبيًا، فإنها لا تتفوق على الطاجيك والفرس الذين يغلبون في مجالات الثقافة والتجارة، والإدارة فلذلك ومن الناحية الديموغرافية تبقى هذه المسألة معضلة، ومع أن هناك دولًا أخرى كباكستان مثلًا تشكل من عرقيات مختلفة، بل ومتصارعة أحيانًا، إلا أن العرقية البنجابية تغلب على أخواتها برغم أنها لا تتمتع بأغلبية أو أكثرية ساحقة - إلا أن قوتها في مجالات الصناعة والثقافة والمهن والمهارات ترجح تفوقها وبالتالي تأثيرها على الآخرين.

موقف العالم من التجزئة

إن الوضع السائد في المنطقة لا يسمح بتجزئة أفغانستان سياسيًا، ذلك أن الأوضاع الراهنة في الدول المجاورة غير جاهزة لهذه العملية، فتقسيم البلد إلى أجزاء يعني انضمام كل قسم إلى البلاد المجاورة ويؤدي إلى تعزيزها وهو أمر لا ترضى به القوى الكبرى في المنطقة فحصول باكستان على جزء من جنوب أفغانستان يعني تعزيز باكستان عسكريًا واقتصاديًا - حسب الظاهرة، وهذا ما يرفضه منافس باكستان التقليدي، الهند، كما أن الأوضاع الراهنة في باكستان لا تسمح بحدوث هذا الأمر، إذ إن باكستان متورطة في جبهة عريضة مع الهند في كشمير، وبالتالي فإن ضم أفغانستان كولاية خامسة، أو انضمامها إلى مقاطعة الشمال الغربي يحول مقاطعة الشمال الغربي إلى أكبر مقاطعة باكستانية، مما قد يهدد کیان باكستان وقد تتكرر تجربة بنجلاديش مرة أخرى. 

وعلى الصعيد الآخر، يستحيل انضمام أي جزء إلى إيران في الظروف الراهنة، ومن المحتمل أن تعتبر هذه الخطوة من جانب إيران بمثابة اجتياح العراق الكويت، إن الغرب في ظل النظام العالمي الجديد مصمم على الحيلولة دون تعزيز إيران سياسيًا واقتصاديًا، ولا سيما أنها تتعرض مباشرة لمصالح الغرب في الخليج. 

كيفية التجزئة

يمكن أن تكون التجزئة بين الشمال والجنوب اللذين تفصلهما جبال طبيعية، فالشمال يقطنه الطاجيك والأزبك والهزارة، ويطل على حدود طاجيكستان وأوزبكستان، أما المناطق الغربية فيقطنها الطاجيك والهربون، فأمامهم خيار الاستقلال الذاتي أو الانضمام إلى إيران وتبقى المناطق المركزية التي لا خيار أمامها سوى الاستقلال اللهم إلا ولاية باميان الشهيرة . هزارة جات التي تقطنها الهزارة وقليل منهم يسكن حول كابول وبقية الولايات. 

ويشتمل الشمال على قطاع طويل يبدأ من الشرق باتجاه الغرب مسافة ۲۳۸۳ واجتماعهم على حكومة واحدة يبدو صعبًا نظرًا لانعدام أكثرية تسودهم ولعدم الخضوع للطاجيك الذين هم أقلية غير مريحة، كما أن جمع شمل كل هذه الأقليات تحت دولة واحدة لا يخلو من الصعوبة - . إذا لم نقل بالاستحالة - ولا سيما أنها منتشرة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ولها انتماءات عرقية ومذهبية مختلفة. 

وأما المناطق الجنوبية الأفغانية فمعظمها من البشتون والبلوش وتشمل ١٦ ولاية جنوبية بما فيها العاصمة كابول، وهي تشترك مع الحدود الباكستانية على طول ٢٤٦٦ كيلو مترًا، وتشكل الحدود الأفغانية - الباكستانية، ومن الممكن تسميتها بـ «بشتونستان» أو أفغانستان بيد أن الجنوب غير قادر على الاعتماد على نفسه، نظرًا لطبيعة جغرافيته الخاصة، ولذلك لا الشمال ولا الجنوب قادر على تشكيل حكومة مستقلة وبالتالي ينعدم خيار التجزئة. 

وقد تتجزأ أفغانستان دون إثارة أي ضجة أو جدل بالفعل، فقد تجزأت اليوم أفغانستان إلى شمال وجنوب وعلى أساس اللغة وهذه التجزئة التي عليها أفغانستان الآن - إذا استمرت قد تؤدي إلى تجزئة حقيقية ورسمية بمرور الزمن. 

من الممكن أن تكون التجزئة بديلًا لا بد منه وحلًا غير مرحب به لإيقاف سفك الدماء وصون البلد من الدمار الشامل فويلات الحرب ومصيباتها شديدة ومدمرة، والشعب المسكين بكل عرقياته لم يعد يطيق هذا الجو السائد، فبدلًا من أن يسود جو الحرب بكل ويلاتها، فبإمكاننا القول إن تجزئة البلاد تكون بديلًا لذلك، علاوة على أن التجزئة يمكنها أن تكون سريعة وحاسمة، ولعل التجزئة الداخلية الانفصالية لن تحل أي مشكلة سوى الكف عن إراقة الدماء بصفة موقتة. 

ثالثًا: خيار تشكيل حكومة

هذا هو الخيار الذي يضمن سيادة البلد ويحفظ وحدة الأرض، وإن وحدة الأرض لازمة ذلك لأن طبيعة الأرض الوعرة ولا سيما في الجنوب والشرق لا تصلح للاستقلال الذاتي. 

خيار تشكيل الحكومة خيار مفضل لدى الشعب الأفغاني، كما كان عليه الحال قبل نشوب الحرب، وهو الخيار الذي طالما حلم به الشعب الأفغاني وهذا يعني أن الشعب يرفض الحرب بكل أشكالها، ولا يحبذ في الوقت نفسه خيار التجزئة. 

بيد أن هذا الأمر لا يتحقق بمجرد النية ولا الحلم الصادق، بل يجب توافر الشروط والظروف التي على أساسها تقام الحكومة، فأفغانستان كانت دولة مستقلة لها كيانها السياسي والجغرافي، فالسعي وراء تحقق الغرض نفسه ليس مستبعدًا، وإن كانت الحروب الأخيرة حالت دون إقامتها والشعب يطالب بإقامة حكومة، وهو أمر لم يؤخذ خطوة واحدة نحو تحققه، ناهيك عن أن تكون إسلامية، إن إقامة الحكومة يمكن أن يكون على مراحل:

۱ - الحكومة المؤقتة:

 يتم التمهيد بتفاهم كل العرقيات مبدئيًا والتنازل عما ما يدعون من الكثرة العددية، حيث إن السلم والتفاهم هو الحل الوحيد ثم:

أ - تشكيل حكومة مؤقتة على أساس الولايات. 

ب - تشكيل لجنة من أهل الحل والعقد . علماء وسياسيين - من الأفغان المؤهلين المنتشرين في كل أنحاء العالم. 

ج - مساهمة الأمم المتحدة والمؤتمر الإسلامي في تشكيل جيش موحد لحفظ الأمن وسيادة الأراضي بغية تشكيل جيش أفغاني. 

د - الحصول على القروض السهلة والمساعدات الإسلامية والعالمية لنقل النظرية إلى ميدان العمل.

۲ - حكومة مركزية قوية: 

نظرًا لطبيعة الشعب الأفغاني، فإن هذا النوع من الحكومة مفضلة لديه، ولذلك وبرغم كل الحروب والمعارك التي جرت في أفغانستان، فإن أحدًا لم يتخذ أي ولاية أخرى - في أي ظروف - عاصمة بديلة، وحتى بعض الفئات التي اضطرت لتتبنى عاصمة، فإنها أعلنت هذا القرار بصفة موقتة، وهذا يدل على أن الشعب - مسالميه ومحاربيه - لا يريد سوى حكومة مركزية قوية تكون عاصمتها كابول هذا على ما يبدو في الظاهر بيد أنه لدى تشكيل الحكومة، فإن مشيئة الشعب لا تبقى دومًا صاحبة القرار، فحتى اليوم ليس هناك إجماع على نسبة السكان، فكل طائفة وعرقية تدعي لنفسها نسبة أعلى مما هو الواقع وهذا يعني عدم الاقتناع بنصيب كل عرقية من السكان في شتى مناصب الحكومة وهذا ما يؤدي لا محالة إلى تضارب الآراء وإثارة الفتن. 

3 - حكومة فيدرالية: 

أحسن حكومة ممكنة - في ظني - لبلد وعرقيات مختلفة ومتحاربة هي حكومة فيدرالية موزعة السلطات بين الولايات ولكل ولاية حكومة محلية لها استقلالها ونشاطاتها عدا السياسة الخارجية وبعض النشاطات التي يجب أن تخضع للحكومة المركزية كما في الدول ذات العرقيات المختلفة. 

بيد أن ممارسة هذا النوع من الحكومة يتطلب سلطة قوية - الجيش على سبيل المثال - من شأنها جمع شمل السلطات المحلية وصيانة السيادة وحفظ وحدة الأرض وتوحيد صفوف الشعب وهي آخر مرحلة يمكن إنجازها وممارستها أي بعد استقرار البلد سياسيًا واقتصاديًا.

 

يظل خيار الحكومة الفيدرالية هو الأنسب لبلد تتعدد فيه العرقيات وتتحارب كما يحدث في أفغانستان

الرابط المختصر :