; أفغانستان تحت مطرقة الحصار | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان تحت مطرقة الحصار

الكاتب محمد ناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000

مشاهدات 75

نشر في العدد 1393

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 28-مارس-2000

  • حتى القرن الـ ۱۷ : ظلت أفغانستان دولة مزدهرة بفضل وقوعها على طريق الحرير الشهير لكنها دخلت في عزلة بعد اكتشاف الطرق البحرية حول إفريقيا.

  • وفي القرن الـ ١٨: أدى احتلال الإنجليز لشبه القارة الهندية واجتياح روسيا الوسط آسيا إلى حصار أفغانستان اجتماعيًا.

  • بعد الثورة الشيوعية ١٩٧٨م انتقلت أفغانستان لحصار جديد إذ رفض العالم التعامل مع الحكومة الماركسية ثم استمر الحصار مع تولي حكومات المجاهدين ثم طالبان.

  • الأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها أصبحت وبالًا عليها فقد كانت مطمعًا دائما لقوى الاستعمار.

  • لقد أتى الحصار على البنية الأساسية والعلاقات الاجتماعية ودفع بنصف مليون شخص للهجرة وأحدث اضطرابا ديموجرافيا بين الشعب.

  • التفريغ محاولة لغسل مخ أفغانستان، على نحو يرضي الغرب لإكمال مالم ينجح السوفييت في تنفيذه.

  • مليون لاجئ في باكستان ومليون في إيران والدول الغربية وعشرات الآلاف في الهند وهناك خمسة ملايين يحاولون الهجرة.

  • الولايات المتحدة تقرر إصدار ستة آلاف تأشيرة لأرامل أفغانيات يرافقهن ٣٠ ألف طفل والأسباب إنسانية.

  • عندما يقرر الشخص الهجرة يجد أمامه تحديات بالغة الصعوبة فيتوسل بكل الطرق لدرجة أنه قد يترك دينه.

لاتزال أفغانستان بلدًا مجهولًا برغم ما أُلقِي عليها من الأضواء إبان الجهاد، ثم الحرب الأهلية التي لم تنته بعد. فمن الزوايا المجهولة حالة التخلف المادي المشهود، وملابسات الفشل في تشكيل حكومة إسلامية كانت الأمة الإسلامية تطمح إليها وتحلم بها، وفيما يخص دوافع الجهاد التي كانت تتعدد إذا لم نقل تتضارب؛ إذ كان الجهاد يعني أمرًا مغايرًا عند المجاهد الأفغاني الذي كان يقاتل لأسباب دينية واقتصادية وسياسية واجتماعية، بينما كانت للمجاهد العربي وجهة نظر دينية بحتة من أجل إحياء الخلافة الضائعة، كما كان المشارك الفلبيني يعتبره فرصة نادرة للتدرب على الأسلحة لتطوير مقدرته للدفاع عن حقوقه الشرعية المغتصبة في بلده.

وكان الغرب يساعد من أجل التخلص من الدب الروسي وأخطاره، وعندما أزيلت الأخطار تخلى عن الجهاد والمجاهدين، ثم كانت النتيجة اندلاع حرب أهلية كان متوقعًا حدوثها، خيبت آمال الأمة.

وتحت تأثير العالم الغربي تخلى الآخرون عن الجهاد الأفغاني، وقد جرى تضخيم الدافع الديني، بحيث وضعت الدوافع الأخرى تحت تأثيره، وتهمش دورها، وكان ذلك ضروريًّا لكسب تعاطف الأمة الإسلامية ووقوفها بجانب الأفغان، ولولا ذلك لتحطمت مقاومة الشعب الأفغاني تحت ضغط الاتحاد السوفييتي. ولكن هذا التفسير كانت له تبعاته السلبية، منها تخلي الأمة عن الأفغان؛ ليقعوا تحت مطرقة العقوبات التي تدرج الغرب في فرضها، وكان آخرها فرض الحصار الاقتصادي، وإذا كان الشعب الأفغاني قد واجه الدب السوفييتي الأحمر وهو عندئذ ثاني قوة عظمى في العالم، فإنه قد لا يخضع للضغوط الحاصلة عن الحصار، لكن للحصار أبعادًا أخرى غير الزاوية السياسية، فهو يؤثر سلبًا على المجتمع الأفغاني على المدى البعيد.

والحصار في أفغانستان مرير، فقد مرت أفغانستان بمراحل عديدة من ضروب الحصار، بدءًا من الحصار الاجتماعي الجغرافي - الانعزال - ومرورًا بالحصار السياسي، وانتهاءً بالحصار الاقتصادي الذي أعلنته الأمم المتحدة يوم ١٥ نوفمبر من العام الماضي.

١- الحصار التاريخي الاجتماعي: ظلت أفغانستان مزدهرة كونها جزءًا من الطريق الحريري المشهور وذلك قبل ظهور الإسلام وإلى القرن السابع الهجري، وقد شهدت تطورًا حضاريًّا واضحًا، فخرج كبار العلماء المسلمين، وفتحت المدارس، وبنيت المستشفيات والمعاهد العلمية، وقام كثير من السلطنات الإسلامية على أرضها؛ حتى وقعت حوادث تاريخية كان منها اكتشاف الطرق البحرية حول إفريقيا، وانتهاء دور طريق الحرير، فانعزلت المنطقة وافتقرت، وفي القرن الثامن عشر الميلادي بسط الإنجليز سيطرتهم على جنوب الهند، وزحفوا نحو المنطقة، واجتاحوا أفغانستان، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل، وبقيت أفغانستان بمعزل عن تلاعب المستعمرين بشكل مباشر. وكانت أفغانستان تشكل بطبيعتها الجبلية حزام أمان طبيعيًّا تفصل بين الإمبراطورية البريطانية في الجنوب وروسيا في الشمال التي وصلت فيما بعد، وسيطرت على وسط آسيا – مدة قرنين ونصف القرن، مما جعل أفغانستان محصورة ومعزولة اجتماعيًّا عن العالم الذي كان قد أخذ يتطور بشكل كبير، وظل المجتمع الأفغاني على هيئته تلك خلال القرن الخامس عشر الميلادي؛ ناهيك عن أن هناك نوعًا من الانعزالية الداخلية؛ حيث إن فقدان الطرق الحديثة، وضعف الاقتصاد قلما يسمح بالاختلاط بين الشعب نفسه، وتفاعل الحصار مع عامل آخر وهو حرمان المنطقة من المنافذ البحرية والطرق التجارية المتصلة بخارج البلد، وكل هذا دفع البلد تجاه الفقر والحرمان، وأدى إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي.

ونلاحظ أيضًا أن هناك عاملين آخرين مؤثرين:

أولًا: العامل السياسي: كان الإنجليز، ثم السوفييت، ثم الجيران الآخرون يتدخلون في شئون أفغانستان الداخلية، وهي وإن لم تقع تحت أي استعمار مباشر، إلا أنها كانت محطة صراعات المتنافسين أكثر من مرة؛ نظرًا لأهميتها الاستراتيجية التي أصبحت وبالًا عليها؛ حيث إنها عبارة عن مرتفعات تصل جنوب آسيا بدول آسيا الوسطى وآسيا الغربية بشرق آسيا القريب. كما أنها كانت إحدى أهم نقاط المواجهة بين الشرق والغرب أثناء الحرب الباردة، وهذه الأهمية الاستراتيجية لم تخدم البلد إيجابيًّا؛ بل دومًا استغلتها البلاد المجاورة لمصالحها في حقيقة الأمر.

ثانيًا: العامل الجغرافي: نظرًا لوعورة الأرض وطبيعتها الجبلية؛ فإنها بحاجة إلى تكاليف مادية ضخمة لتهيئة الأرض واستغلالها للحاجات الزراعية أو السياحية والصناعية، وهذا ما لا يتحمله بلد فقير مثل أفغانستان، فإيراداتها الرئيسة هي من الإنتاج الزراعي على الرغم من قلة الأراضي الصالحة لذلك الغرض، وتوجد مناجم للأحجار الكريمة وآبار النفط والغاز، لكنها تتطلب رؤوس أموال طائلة وأيدي عاملة وخبرة فنية، ويصعب اجتذاب رؤوس الأموال في غياب الأمن؛ فضلًا عن أن البلد مغلوب على أمره، فلم يكن إذن غريبًا أن تبقى هذه المنطقة مجهولة ومتخلفة؛ حتى بدأ الجهاد بعد اجتياح السوفييت لأفغانستان وهزيمتهم، كما انهزم الإنجليز من قبله. 

وإذا كان للانعزال إيجابياته، ومنها بقاء الشعب على هيئته المتدينة. وتلاحظ هذه الإيجابية بسهولة على الإنسان الأفغاني، فهو عزيز النفس، يكرم الضيف، شجاع، وفي بالعهد، لا يؤمن بالمادة إيمان الغرب بها وحبه لها، يحترم مبادئه وقيمه، ويضحي بنفسه من أجلها، وإن كانت هذه الصفات يغطيها غبار التخلف والفقر. وهذه كانت هي المنطلق الأساسي للجهاد ضد السوفييت، كما نجد حكومات المجاهدين لا تتنازل عن مبادئها السياسية، ولا تعرف المرونة، ونراهم يدافعون عن مبدأ آخر عندهم وهو احترام الضيف، مهما كان الثمن والتبعات.

المرحلة الثانية الحصار السياسي: بدأت هذه المرحلة بعد الثورة الشيوعية عام ١٩٧٨م. واشتد مفعولها إثر اجتياح السوفييت لأفغانستان عام ۱۹۷۹م، فقد رفض العالمان الإسلامي والرأسمالي الاعتراف بالحكومات الشيوعية العميلة، وفرضت مقاطعة سياسية على أفغانستان استمرت إلى اليوم، بالرغم من سقوط الحكومة الشيوعية وفي ظل حكومات المجاهدين والطالبان كان مفعول الحصار أشد الأمرين:

أولًا: فقدت حكومات المجاهدين دعم المجتمع الدولي، في حين أن الحكومات الشيوعية كانت تتمتع بحماية واسعة من الشرق الشيوعي بأكمله.

ثانيًا: عندما وصل المجاهدون إلى الحكم عام ۱۹۹۲م، لم تكن مواقف الدول المجاورة على ما يرام، فكل دولة كانت تحاول تثبيت مصالحها داخل أفغانستان، وقد سيطرت حكومة رباني ولم تعترف بها باكستان، وجاء دور طالبان دون أن تحصل على اعتراف من إيران ودول آسيا الوسطى، بعبارة أخرى غاب عنصر الالتحام الإقليمي.

المرحلة الثالثة: الحصار الاقتصادي: وبينما يسري مفعول الحصارين سالفي الذكر فرض حصار آخر، ذلك الذي يطحن المجتمع الأفغاني الفقير، ومن خلال تجارب الخمسين سنة الماضية من مقاطعات اقتصادية فرضت على الدول، ثبت فشل الحصار كوسيلة لردع الحكام أنفسهم. فلم يتأثروا بقدر ما تأثرت الشعوب، فلا جدوى لهذه المقاطعات سوى إذلال الشعوب المطحونة، الأمر الذي تريده الدول الكبرى.

هل يؤثر الحصار على طالبان؟

يفرض الحصار على حكومة طالبان التي تتمتع بالسيطرة العسكرية شبه الكاملة على أفغانستان، وهو ما يعطيها قوة للحركة على الصعيدين السياسي والقانوني، كما أن احتمال تجزئة البلد إلى الشمال والجنوب على أساس العرقيات والخريطة الطبيعية قد تضاءل، كما انتفى إمكان حدوث اجتياح عسكري خارجي، وقد اجتازت طالبان تجربة عملية في الحكم، وأتيحت لها فرصة التجربة للقيادة السياسية، تجربة عملية.

_انحسار الرغبة في التدمير: تلك التي كانت تستبد بالمجتمع منذ أمد بعيد؛ نتيجة غياب الوعي السياسي، وتدني الثقافة العامة، وعداء الحكومات مع الشعب، والحرمان الاجتماعي، والبطالة، والفوضى، وقد وصل هذا النمط من التفكير قمته أثناء الحكم الشيوعي الذي أعلن الإلحاد، وازداد بعد اجتياح السوفييت لأفغانستان؛ فضلًا عن أن الجهاد أدى إلى نوع من تدمير ما بني على الشر والفساد، ولكن الآن ويفضل الأمن والاستقرار النسبي قلَّت فكرة التخريب إلى حد كبير.

_محو ظاهرة التطفل ولوردات الحرب: كان بطش السوفييت عند اجتياح أفغانستان حادًّا لدرجة أن معظم الشعب كان منشغلًا بالجهاد عما سواه، كما هي الحال في الشيشان اليوم، إلا أن بقاء المجاهدين في هذا الحقل لفترة طويلة حوَّل الأمر عند عدد لا بأس به منهم إلى ظاهرة التطفل، فتعود عدد كبير من الشباب المجاهدين على العيش عالة على الآخرين، وإثر خروج السوفييت من أفغانستان تحوَّل حشد هائل من هؤلاء المتطفلين الطموحين إلى لوردات للحرب يشعلون نار الحرب لتحقيق مكاسب شخصية ومصالح خاصة، وبالطبع لا يمكن تعميم هذه الظاهرة لتشمل المجاهدين جميعًا. 

وبحلول الأمن في ظل حكومة طالبان قضي على الظاهرة بشكل كبير، وهكذا يتضح أن تأثير العقوبات على طالبان ضعيف، بينما يتأثر الشعب الأفغاني مباشرة، فهو الضحية المباشرة لهذه العقوبات، فلم يعد هناك خدمات مدنية ولا صحية واجتماعية، يفقدها المدنيون في فرض الحصار، وإنما يفقدون لقمة العيش، ولم يبق لقطاع من الأفغان خيار لسد الجوع إلا التوسل بزراعة المخدرات وبيعها في الأسواق العالمية، وهذا يبين أن محاولات الأمم المتحدة بشأن الحد من زراعة المخدرات ستفشل فشلًا ذريعًا، وتتأثر من جراء المقاطعة خطوط الجوية الأفغانية أريانا شركة أفغانية بالمشاركة مع بان أمريكان الأمريكية، وهي الجسر الجوى الوحيد الذي يربط البلاد بالعالم الخارجي، وتتأثر أيضًا العملة الأفغانية؛ حيث تعاني الآن من تدهور شديد، ولهذا أثر كبير سيما على الذين يعملون في القطاعات الحكومية ويحصلون على رواتب رمزية لا تزيد على بضعة دولارات، وتتأثر التجارة الداخلية بسبب أزمة العملة المحلية، ولأن الناس يعتمدون على كثير من المواد الأولية المستوردة من الخارج، وهذا الأمر يسبب غلاء كبيرًا لا يتحمله الشعب، وحتى التجارة تنهار حيث الناس غير قادرين على شراء حاجاتهم.

على صعيد آخر للمقاطعة هناك نتائج سياسية على صعيد جبهات القتال؛ حيث إن باكستان الموالية لطالبان منشغلة بشئونها الداخلية، بينما تتمتع الجبهة الشمالية المعارضة بتأييد دول أخرى مما يرجح استمرار الحرب.

الحصار وآثاره في المدى البعيد: أولًا: تخريب بنية المجتمع الأساسية والعلاقات الاجتماعية للمجتمع، فيوم استلم المجاهدون مقاليد الحكم عام ١٩٩٢م.

كان الجيش الذي مر على تشكيله أكثر من ثمانين سنةً قائمًا على قواعده، والمستشفيات والمكاتب والمدارس معمورةً ومفتوحةً، لكن تلك المؤسسات صارت اليوم راكدةً أو مدمرةً؛ فضلًا عن تفشي ظواهر اجتماعية سلبية تأكل المجتمع، ويصعب استئصالها كلما ازدادت.

ثانيًا: اللجوء القسري غيرت الحرب وجه البلد تمامًا، ولاذ عدد ضخم منهم بالهروب إلى الدول المجاورة، والدافع الأساسي من وراء ذلك:

أ– تقلص فرص العمل في قطاعي الزراعة والتجارة اللتان تعانيان من عوائق شديدة، فالتجارة ترتبط بالعرض والطلب، والطلب ضئيل ومحدود في مجال الحاجات الأساسية، فلم يعد لجمع غفير من الشعب هم سوى ملء الأفواه الجائعة، ومن ثم لا مجال للتجارة غير مجال الأغذية والمأكولات، أما قطاع الزراعة فلم يسلم من آثار الحرب؛ حيث إن ملايين الألغام مدفونة في الأراضي الزراعية.

ب– الدافع الآخر الذي يدفع الشعب للنزوح للبلاد المجاورة، ومن ثم إلى البلاد ذات الاقتصاد المزدهر فقدان وسائل العيش البسيطة والمتطلبات الحيوية؛ كالمدارس والمستشفيات وانعدام ضمانات العيش.

ج– سريان قوانين صارمة غير مدروسة؛ حيث يفسر الإسلام حسب اجتهادات متأثرة بالتقاليد الأفغانية التي قد لا تتوافق مع الشرع السمح، فارتكاب جريمة السرقة تستجلب قطع اليد بغض النظر عن الشكوك المثارة والشبهات المحاطة، والنازحون يتشكلون غالبًا من ذوي الطموح أصحاب المهن والفنون والكفاءات الذين يبحثون عن عيش أفضل، فعمران البلد يعتمد بشكل رئيس على أهل البلد، ووقوف الحكام بين ظهراني الشعب يعني بقاء الحكام وشرعيتهم، وقد هاجر بالفعل ما بين أربعمائة ألف إلى ستمائة ألف إلى البلاد الإسكندنافية وأوروبا الغربية وأمريكا وكندا، وتنتظر قرابة مائة ألف أسرة في أفغانستان وباكستان ودول آسيا الوسطى وروسيا دورها للهجرة.

ثالثًا: التنصير: خصبت التربة للتنصير في ظل المعونات المالية التي تقدم عبر المؤسسات الخيرية الإغاثية التنصيرية التي يصل تعدادها بالآلاف، ويستخدم شتى الوسائل المغرية.

 وقد قررت الكنيسة العالمية تشكيل أقلية نصرانية في أفغانستان مستغلة الماء العكر.

رابعًا: اضطراب ديموجرافي سكاني: نتيجة اختلاط الشعب الأفغاني المهاجر بالشعوب الأخرى، وبسبب تبني ثقافات متعددة ومتضاربة مستوردة من البلاد المضيفة في غياب خلفية ثقافية قوية للشعب الأفغاني، وغياب جهات مهتمة بالأمر سيكون في الأمد البعيد اضطرابًا ديموجرافيًّا شديدًا، والشعب الأفغاني الذي يقطن ٨٥ منه في القرى متحفظ للغاية، وقلما يستقبل الثقافات المستوردة؛ مما يعني بالضرورة تضارب ثقافي وعقدي في المستقبل.

مخطط تفريغ أفغانستان

بينما كان العالم يشاهد اختطاف الطائرة الأفغانية إلى بريطانيا أوائل شهر فبراير الماضي، التي مثلت أطول قضية اختطاف طائرة في تاريخ بريطانيا، لم يكن يخطر ببال أحد أن هؤلاء المختطفين يغامرون بحياتهم وحياة الركاب الآخرين لأهداف مجهولة. ولم يكن يخطر ببال أحد أن تلك المسرحية تمثل جزءًا من خطة لتفريغ أفغانستان من السكان، تلك التي تقررت وتنفذ في صمت مدهش، تاركة أفغانستان وشأنها بين حالة اللاحرب واللاسلم، منعزلة سياسيًّا وجغرافيًّا وحضاريًّا، وكلما ظهرت بوادر من أي جهة لوضع حل لهذه المأساة، أسرعت الأمم المتحدة لإجهاضها وهكذا وفي هدوء تام تمر أفغانستان بمرحلة حاسمة من تاريخها.

اختطاف الطائرة ودلالاته: ويعتبر اختطاف الطائرات أشد أنواع العنف؛ حيث يرهب الركاب ويضعهم في خطر مباشر ويؤثر على نفسياتهم مثلما يؤثر على نفسيات المشاهدين والمستمعين، وينعكس ذلك في وسائل الإعلام، وبقدر ما كان الاختطاف محزنًا، كان رد فعل حكومة طالبان أقل من مستوى الدبلوماسية الناجحة في رأي الكثير.

فعندما تلقت طالبان نبأ الاختطاف، صرح وكيل أحمد متوكل وزير خارجية الحركة بقوله: لا حوار مع الإرهابيين، وكان للأمر وقع شديد في أوساط الشارع؛ حيث إن الناس كانوا يتوقعون من الحركة اتخاذ المبادرة المناسبة لتجنب وقوع الأذى لذويهم في الطائرة، فرفض الحوار معهم يعني استشراء الأخطار التي قد تودي بحياة عدد كبير من الركاب.

وبهذا الصدد علق أحد أقرباء المختطفين: لو كان أحد من أسرة هؤلاء الرؤساء ضمن ركاب الطائرة وحياتهم معلقة بقرار الإرهابيين الذين اختطفوا الطائرة؛ لكان موقف طالبان مختلفًا، الفجوة الزمنية بين اختطاف الطائرة الهندية التي هبطت في أفغانستان واختطاف الطائرة الأفغانية، كانت أقل من أسبوعين، ولم يكن الشعب الأفغاني قد نسي بعد محاولات الحكومة الهندية تجاه هذه القضية؛ مستعينة بكافة الوسائل المتاحة للتأكد من عدم إصابة أي من ركاب الطائرة، لكن موقف حركة طالبان تجاه الركاب الأفغان كان مختلفًا، وفي رأي الناس مبالغًا في اللامبالاة.

وبينما السيناريو على أشده التقى تلفاز ‏(BBC) شبابًا في أفغانستان، واستطلع آراءهم حول هذه العملية، وأعرب عدد كبير منهم عن تمنياتهم لو كانوا على متن هذه الطائرة، لا غرابة في هذا، فعدد ضخم قد يصل إلى ٣٠٪ من السكان يفضل الهجرة ومغادرة البلاد، واستغرب العالم عندما أعلنت السلطات البريطانية أن العملية ليست جديدة، فقد كان الناس يهربون عبر هذه الوسيلة من بطش الاتحاد السوفييتي، هذا وفي الوقت نفسه كتبت صحيفة باكستان أوبزرفر، نقلًا عن إذاعة طهران أن الولايات المتحدة قررت إصدار ستة آلاف تأشيرة للأرامل الأفغانيات بعد مساعٍ بذلتها هيلاري كلينتون بمعية منظمات حقوق الإنسان وحقوق المرأة في أمريكا، والحد الأوسط للأولاد الذين تنجبهم المرأة الأفغانية عمومًا أربعة أطفال، وهذا يعني أن عدد الأطفال الذين سيرافقون أمهاتهم الأرامل نحو ثلاثين ألف نسمة، وتخصيص الأرامل ذات الأولاد لأسباب إنسانية على حسب الظاهر، بيد أنه من السهل أن يجد المتأمل أن الأولاد بلا مربين هم مادة خام ملائمة وتربة خصبة لاستقبال أي أفكار.

كما توجد علاقة بين لجوء الأفغان في لندن وقرار الحكومة الأمريكية استقبال الأرامل، ويستنبط من مجموع ما ورد أن هناك خطة لتفريغ أفغانستان من السكان، وأن الناس مستعدون لخوض أي مغامرة للحصول على الأمن وعلى لقمة العيش، وأن حالة اللاحرب واللاسلم ليست أقل خطورةً من الحرب نفسها.

إن ألف باء الحكم تحقق الكفاءة والأهلية، والحكومة الإسلامية لا تعني تنفيذ الحدود فحسب؛ بل من صميم أسلمة القوانين، تأجيل تنفيذ الحدود لغاية إزالة الشبهات.

إن المسؤولية أشمل من أن تتلخص في صدور الأوامر والنواهي، لتشمل الاعتناء بالمواطنين في كل الأحوال، ويكون ذلك بتكوين عنصر المسؤولية في شخصياتهم السياسية تجاه الشعب.

إن المشكلات لا تنحصر بالأمن فحسب، وإنما من واجب الحكومة الاهتمام بالجانب الاقتصادي أيضًا. فالأمن وحده لا يشبع الشعب من الجوع، والأمن مع الفقر غير مؤكد قطعًا، ولئن كانت حكومة طالبان منتصرة في الجبهات؛ فهي لم تنجح في تشكيل حكومة ذات قاعدة واسعة تواجه المشكلات الاقتصادية والمادية وتعالجها، وبينما تضع حركة طالبان نصب عينيها إنهاء المعارضة، يفكر الناس في إيجاد حلول لمشكلاتهم الاقتصادية والمستقبلية ومغادرة البلد، وهذه نقطة الانطلاق نحو تنفيذ الخطة. 

بداية التخطيط والسيناريو كانت قبل اندلاع الحرب الأهلية، عندما رفض قادة المجاهدين مقابلة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان عام ١٩٨٤م عند زيارتهم لأمريكا عندها تأكدت الحكومة الأمريكية أن إيران أخرى على وشك الولادة. 

وعليه قررت الولايات المتحدة مساعدة المجاهدين والقادة، وجعلهم وقودًا للحرب، بحيث يقضون على أنفسهم بانتهاء الحرب. 

ولرغم أنف الأفغان بعد ما نالوا من فخر وعزة؛ نتيجةً وقوفهم ضد الاتحاد السوفييتي. ولانعدام إمكانية تجزئة البلد نظرًا للظروف الإقليمية غير المواتية، ولأن العالم لم يتفق على تجزئة أفغانستان؛ فإن التفريغ أحسن وسيلة ممكنة تجاه الأفغان، مع ضرب الأفغان بعضهم ببعض، وكانت بداية التنفيذ انسحاب السوفييت من أفغانستان عام ۱۹۸۸م بموجب اتفاقية جنيف، بعد حرب مريرة دامت عشر سنوات، والحرب كانت أوسع من القتال، وأشمل فخربت أفغانستان بنسبة ٩٠ %، وعملية التخريب كانت تصدر من السوفييت أو بأيدي المجاهدين على السواء، ولهدفين مختلفين، وإن كانت النتيجة واحدة لدمار الشامل للبنية التحتية للمجتمع. 

وكان الهدف الروسي يركز على تدمير أفغانستان، ولاسيما بانتهاج سياسة الأرض المحروقة، ومن ثم تدمير المقاومة الشعبية التي كان السوفييت يتصورون أنها ستنتهي أو تتقلص عند تدمير البلد وخلوها عن السكان وسياسة الضغط على باكستان؛ نتيجة لجوء المهاجرين إلى الأراضي الباكستانية، ناهيك أن الهجرة بنفسها تستدعي الخراب للديار المهجورة، أما المجاهدون فكانوا يدمرون ممتلكات الحكومة للضغط عليها، وإحداث انهيار في الاقتصاد الأفغاني الذي كان يتكئ على الاقتصاد السوفييتي.

إذن فالحرب شملت جوانب الحياة كافة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، إضافة إلى القتال بالسلاح، وجانب الاقتصاد في أفغانستان من أشد الجوانب تأثرًا بالحرب التي تخطت عقدًا من الزمن، فقد تحمل الاقتصاد الأفغاني نتائج القتال المباشرة، ومنها تدمير البنية الأساسية وقطاعات الإنتاج، وغير المباشرة، ومنها نقص الأيدي العاملة واستنزاف الموارد الاقتصادية في دفع ثمن عدة القتال وعتاده، سقطت حكومة كابول العميلة، وتشكلت حكومة المجاهدين، ثم اندلعت الحرب الأهلية التي سفكت فيها دماء الأبرياء، واستمرت هذه المأساة حتى قامت حركة طالبان. وفي ذلك العام اشتدت المساعي بشكل غير مباشر لتفريغ أفغانستان، وبذلك كان يجب أن تمر أفغانستان بثلاثة مراحل:

الأولى: مرحلة الحرب الأهلية.

الثانية: مرحلة اللاحرب واللاسلم المبررة لتفريغ البلد من السكان. 

الثالثة: مرحلة إعادة التوطين بعد استقرار الأوضاع وتشكيل حكومة علمانية.

وقد جُربت العلمانية في أفغانستان مرات عديدة؛ لكنها فشلت كل مرة فشلًا ذريعًا في تحقيق الأمنية. كانت المرة الأولى عام ۱۹۱۹م بيد الملك أمان الله خان، وقد اضطر للتنحي عن السلطة؛ نتيجة هذه المحاولات، والمرة الثانية كانت عام ۱۹۷۹م بید نور محمد تره كي الذي قدم نظامًا علمانيًّا شيوعيًّا، فوقع بيده نهاية نفسه وحكومته، بل والشيوعية بمسقط رأسها، فمن الخطأ تجربة العلمانية في أفغانستان إلا بعد إجراء سلسلة من المعالجات للتأكد من نجاح التجربة هذه المرة. 

وخلط الناس مع العالم للتأكد من علمانية مستقبل أفغانستان. ومن هنا نجد أن التفريغ محاولة أخرى نحو غسيل مخ أفغانستان على نحو ما يرضي العالم الغربي.

التجربة الأولى

وقد سبق أن مرت على أفغانستان حلقة من هذه التجربة الجهنمية، فمن أخطر الممارسات التي تمت في هذا المجال حين أقدمت السلطات الروسية اعتبارًا من عام ١٩٨٤م متعاونة مع النظام العميل في كابول، على تنفيذ برنامج يقضي بترحيل آلاف من الأطفال الأفغان الصغار ما بين ( 6 - 9 سنوات) إلى الاتحاد السوفييتي وإلى دول الكتلة الشرقية الشيوعية عمومًا بهدف إبقائهم هناك بعيدين عن أهلهم ودينهم وثقافتهم وتقاليدهم لمدة عشر سنوات؛ بحيث يعودون وقد غسلت أمخاخهم تمامًا، وذابت شخصياتهم في الخضم الشيوعي، ولقد تم ذلك رغم أنف أهليهم وذويهم؛ حيث كان الأطفال يسحبون من المدارس، وأحيانًا يخطفون من الشوارع، أو حتى ينتزعون من بين أيدي آبائهم وأمهاتهم، وهؤلاء عندما يعودون يكونون عملاء للنظام الشيوعي وعونًا له ضد أهليهم وذويهم، والكارثة كانت تشمل الفتيان والفتيات. 

إن التاريخ الحديث للروس مع المسلمين يذكر أنهم اتبعوا هذا الأسلوب مع واحد من أكبر المجاهدين المسلمين في آسيا، وهو الشيخ شامل الذي أخذوا واحدًا من أبنائه اسمه «جمال» رهينة عندهم في مقابل بعض جنرالات الجيش الروسي الكبار، ولم يفطن الشيخ المجاهد الكبير للتفكير الجهنمي إلا حين عاد ابنه جمال هذا من روسيا؛ لينقلب عليه، وليسلم وطنه للشيوعيين طائعًا مختارًا، بعد أن غسل مخه، وضاعت شخصيته، فباع دينه ووطنه ووالده.

وكان من أهداف الاتحاد السوفييتي أن يبني له قاعدة بشرية من الضباط الذين يجري تدريبهم داخل أراضيه، وهؤلاء يأتون عادة من دول العالم الثالث التي كان يفرح بعض المسؤولين فيها بمنح التدريب التي يقدمها لهم الروس.

ويبدو أن الغرب يفضل إكمال ما لم ينجح السوفييت في تنفيذه على أن تتوافر هنا عناصر أخرى ذات تأثير بالغ أهمها:

أولًا: عنصر الطوع والرضا؛ بحيث يتمنى كل شخص لو يرحل أقاربه أو ذويه إلى خارج البلد؛ بل إن من أهم شروط زواج الفتيات الهجرة إلى إحدى البلاد الأوربية.

ثانيًا: الاستعداد النفسي: فالحالة النفسية مساعدة لتنفيذ هذه الخطة وتضمن نجاحها، ولعل لأول مرة في تاريخ البلد، وذلك بعد أن قضت فئة كبيرة من الناس قرابة عقدين من الزمن خارج أفغانستان في ظروف مختلفة مع البيئة الأفغانية المتحفظة؛ سواء في البلدان المجاورة أو الاتحاد السوفييتي، وعلى صعيد آخر نظرًا لأسباب خاصة للأفغان، فإنهم يحسنون التجارة؛ حيث إنهم يقنعون بأقل الأرباح، ويتجنبون التكاسل وضياع الوقت؛ مما نتج عنه ازدهار العمل التجاري للأفغان في پاکستان؛ حيث يدير الأفغان اليوم أكثر من ٧٠ ٪من المطاعم في ولاية سرحد في باكستان. 

وقد كان العمال الإيرانيون في قطاع الأعمال اليدوية غير المحترفة في الثمانينيات يشتكون من البطالة؛ نظرًا لأن العمال الأفغان الذين كانوا متواجدين آنذاك يشتغلون بأقل أجرة وبلا تأمين ودون أن ينتموا إلى أي نقابة عمالية تسبب قلاقل أو تطالب بحقوق، هذا الأمر يعكس الحالة النفسية عند الأفغان الذين تعودوا على تحمل المشكلات، ولا سيما في الظروف الحربية التي سادت البلد منذ أكثر من عشرين عامًا. 

التجربة الثانية الهجرة برنامج غسيل الأمخاخ الجماعي كان سائدًا منذ قديم الزمن، فالحضارات تجلب الأدمغة، وقلما ينمو العلم إلا في مناخ خصب، وهجرة الأدمغة للأغراض الاقتصادية والثقافية سائدة في بلاد العالم الثالث النامية، منذ أن تقدَّم الغرب ماديًّا، والهجرة لأغراض سياسية قد لا تكون سائدة بأعداد كبيرة كما الحال في أفغانستان. 

ولعله عند الحديث عن الهجرة الأفغانية يتبادر إلى الذهن تلك التي كانت تحدث في الثمانينيات، والتي تعني عبور الحدود لأجل مسمى، تحاشيًا للهجمات الشيوعية، واستعدادًا للجهاد، والتي كانت لها صبغة دينية. إن اللجوء هنا يعني مغادرة البلاد نهائيًّا من أجل العثور على موطن جديد، ولعله قل من تطرق لهذه الظاهرة السياسية والدينية أيضًا. 

وهنا أيضا يجب الإشارة إلى أن اللجوء يكون غالبًا موقتًا، ولأسباب طارئة ولأجل مسمى، بينما الهجرة عبارة عن مغادرة البلاد للاستيطان في بلد جديد يرحب ويستوعب المهاجر.

إن الشعب الأفغاني يفضل مغادرة البلد لأسباب تخصه، أهمها:

أولًا: أغراض سياسية: وهي تخص المعارضين الحكومة طالبان، سواء من محاربي قوات الشمال، أو من أسر أعضاء الحكومة الشيوعية السابقة، وشروط قبول لجوئهم أن يثبتوا أنهم معرضون فعلًا للخطر البدني إذا رجعوا إلى البلد.

ثانيًا: لجوء لأغراض اقتصادية: هذا النوع من النزوح هو الذي يحتل المكانة الأولى. فالفقر يدفع الناس إلى النزوح بحثًا عن لقمة العيش. وهناك ٩٠ ٪ من الشعب تحت خط الفقر ۷۰ ٪منهم من الفقر المدفع، فهناك قرابة مليون لاجئ في باكستان وحدها، ونصف مليون في إيران، وعشرات الآلاف في الهند، بيد أنه ليس هناك تعداد واضح يُشخص عدد المهاجرين الأفغان في البلدان الغربية؛ حيث إن كثيرًا من الدول تستقبل المهاجرين، وعلى كل فبإمكاننا القول: إن هناك قرابة نصف مليون مهاجر ونصف مليون أسرة تنتظر الهجرة إلى البلاد الغربية، وهناك أكثر من خمسة ملايين يحاولون عبثًا السفر إلى خارج البلاد.

ثالًثا: انعدام ضمان المستقبل: وإذا نظرنا إلى ماضي الشعب الأفغاني قبل اندلاع الحرب، نلاحظ أن حوادث الهجرة كانت قليلة، على عكس الدول المجاورة لأفغانستان، كباكستان والهند؛ حيث إن عددًا ملحوظًا منهم لجأوا إلى بلدان العالم بما فيها أفغانستان، فكان هناك أكثر من عشرة آلاف هندي في كبرى المدن الأفغانية يشتغلون بالتجارة والصرافة وغيرها، وهذا الأمر يوحي بأمور منها: 

-توافر فرص العمل وانخفاض مستوى البطالة.

-قلة تعداد السكان ورخص تكاليف العيش، ضعف الاندماج مع البيئات الأجنبية، وحب الانعزال، والحياة الأسرية الشرقية التي تكره البعد عن الأقرباء.

-سيطرة الحياة الطبيعية التي قلما تتوافر لدى البيئات الأخرى. ويلاحظ بكل وضوح أن الأمور لم تعد على ما يرام، ولا يتنبأ في ظل الأوضاع السياسية بتهدئة أو تحسن؛ مما يفقد الشعب ثقته بالمستقبل المجهول.

رابعًا: احتمال اندلاع حروب أهلية: صحيح أن حركة طالبان تسيطر على معظم الأراضي الأفغانية، إلا أن فقدان دولة قوية ذات جيش وحكومة وإدارة وأمن طبيعي في ظله تبدو مبررًا لاحتمال استئناف الحرب الأهلية، وإن استمرت هذه الحالة عشرات من السنين. ففي ظن الكثيرين أن الأمن السائد والحكومة الموجودة غير طبيعيتين لانعدام أسباب بقائهما، وبالرغم من تفضيل الناس بقاء طالبان في السلطة؛ نظرًا لفقدان البديل.

خامسًا: طموحات توسعية استعمارية: يعتبر الشعب الأفغاني أن الدول الأخرى لا تزال وراء الحكومات التي وصلت إلى سدة الحكم منذ عام ۱۹۷۸م. والمعروف أن الشعب الأفغاني يكره الولاء للآخرين – كائنًا من كان – فثم تساؤلات فيما يخص فهم حقيقة الحكومة الموجودة، وهي أنها يديرها طلاب المدارس الذين تقتصر معرفتهم على العلوم الدينية، فمن أين تأتي بعض مواقفهم وتفاسيرهم التي تدل على بصيرتهم وخبرتهم السياسية، في حين تصدر عنهم تصرفات تؤكد عكس ذلك.

والذي يتبادر إلى ذهن المشاهد والقارئ لصحيفة طالبان الأسبوعية أنها صحيفة غير أفغانية بلسانها وأدبها وصفحاتها وصورها وحماستها. 

فهذه الأمور تثبط إرادة الشعب للبقاء في البلد، ويتوقع حدوث سلسلة من معارك دامية أخرى ضد من يعتبرهم المعتدون على الأراضي، وهم الفئة المهاجرة «جل المهاجرين من المثقفين»، مع أن نسبتهم في البلد محدودة.

وحتى الآن لم تجد المدارس الحديثة طريقها في كثير من القرى؛ نظرًا لعوائق اقتصادية واجتماعية، ولعدم ترحيب الناس بها ؛حيث برامج الدراسة كانت توضع من قبل مستشارين علمانيين وتحت ضغط الاتحاد السوفييتي، ومن هنا فهجرة الأدمغة تعتبر كارثة بالنسبة لهذا البلد الفقير الذي كلفه كثيرًا تثقيف هؤلاء.

آليات وطرق الهجرة

وعندما يقرر الشخص الهجرة يجد أمامه تحديات وصعوبات بالغة، فيتوسل بكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة لدرجة أنه قد يترك دينه، أو يبيع كل ما يملك، أو يتوسل بعملية السرقة أو الغش، على أن الوسائل الآتية أهم طرق الهجرة:

أولًا: التنصير: ويعتبر سبيلًا سهلًا عند من لا يرى الدين عائقًا أمام طموحاته، فلا يرى بأسًا باعتناق النصرانية. بيد أن اعتناق النصرانية المبررة للجوء ليس بأمر سهل، فلها شروط خاصة:

١- كون المعتنق شابًّا لبقًا.

٢- يجيد إحدى اللغات الأوربية، والمفضل اللغة الانجليزية.

٣- مستعد للتنازل عن ديانته الإسلامية.

٤- يعتنق النصرانية عن اعتقاد كامل واقتناع ذاتي.

وكيف يحصل الاقتناع الذاتي، وبعبارة أدق كيف يحصل غسل الدماغ؟ تضخم أمام الشخص المشكلات المادية والسياسية في بلده المسلم، ويستدل أن الإسلام هو العلة، ثم يشار إلى الغرب النصراني، فيرى بكل وضوح الفرق الظاهري بين الإنجليزية بإحدى المدارس الأفغانية بإسلام آباد النصرانية، وعلى الفور حصلت على تذكرة وجواز سفر مؤقت إلى كندا. وقد دعت هذه المرتدة أختها التي لاتزال في كابول إليها، وليس من الضروري قبول النصرانية مباشرة، طالما يتوافر لدى الشخص الشروط الأخرى، فهناك تخطيط لكفالة الطلاب الفقراء، ويحصل بعض طلاب الجامعات الإسلامية الإسلام المليء بالمشكلات، والنصرانية المحفوفة بالراحة المادية، فيقتنع الرجل بالنصرانية، وقد اعتنقت سكينة التي كانت تعمل مدرسة للغة على المنح التي توفرها الكنيسة.

ثانيًا: باكستان ومافيا تجارة التأشيرات: وتعتبر باكستان الطريق الرئيس لمغادرة البلد؛ إذ بإمكان أي فرد عبور الحدود بلا وثيقة أو جواز سفر؛ لكن المعاناة تبدأ عندما يلتقي بالشرطة الباكستانية في داخل المدن الباكستانية، ولم يتطرق أحد إلى ما يعاني الأفغان، ولا سيما بعد تسلم المجاهدين لسفارة أفغانستان في إسلام آباد، والحصول على جواز السفر الأفغاني ليس بسهل؛ حيث يدفع الأفغاني ١٠٤ دولارات أمريكية مقابل جواز السفر الذي يكون صالحًا لعام واحد. يجدد كل سنة مقابل مائة دولار، وهذا ما يتناسب مع دخل الناس والمشكلات المادية للاجئين؛ ناهيك عن أن السفارة ترفض إصدار الجواز في بعض الأحيان، مما يجعل الناس ضحايا للشرطة المحلية التي تشتهر عالميًّا بالفساد والارتشاء والقسوة في التعامل. ومن هنا تروج تجارة جوازات السفر وتأشيرات البلاد الأوربية؛ سواء بالتزييف أو بالارتشاء، وتختلف الأسعار على حسب المسافات، وأهمية البلد اقتصاديًّا وقوانينها تجاه استقبال المهاجرين، فتأشيرة البلاد المجاورة ۲۰۰ دولار أمريكي، بينما تأشيرة بريطانيا أو أمريكا قد تكلف حتى عشرين ألف دولار أمريكي.

ثالثًا: بلاد آسيا الوسطى: وهناك أيضًا طريق تمر عبر بلاد آسيا الوسطى، بدءًا من ترکمانستان وكازاخستان، ثم روسيا نفسها، ومن ثم إلى أوكرانيا وإلى بلاد أوروبا الغربية. وهذا الطريق محفوف بالمشكلات والأخطار نظرًا لطول المسافة وكثرة العصابات والمافيا، وحدوث حوادث السرقة والتعرض لعملية الاختطاف لبيع الأعضاء البشرية والقتل، وغير ذلك من الجرائم؛ فضلًا عن الانتظار المرير الذي قد يطول سنوات عديدة، وصرف مبالغ ضخمة قد تؤدي إلى ديون طائلة.

رابعًا: وسائل استثنائية متميزة: وهناك طرق أخرى كاستخدام ورقة الدبلوماسية مثلًا للعمال الأفغان في السفارات أو القنصليات الأفغانية الذين طلبوا من الدول اللجوء السياسي، أو لجوء الشخص الذي يعمل في مؤسسة غربية، ثم يسافر إلى الغرب لمهمة ولا يعود، أو لجوء طالب علم إلى ذلك البلد، وكذلك الاختطاف الذي حدث في أوائل شهر فبراير من هذا العام، والتوسل بهذه الطريقة يعتبر أسهل طريقة وأضمن.

تنبؤات كثيرة كان العالم يحدس بها كتجزئة البلد، أو تولي حكومة علمانية للسلطة، يبدو أن الخيار المفضل هو هجر البلد على ما هو عليه الآن، وتفريغ البلد من السكان، ولكن إلى أي مدى يمكن أن يكون النجاح حليف تلك الخطة.

١- يتبقى العمود الفقري للبلد وهو السكان الأميون في داخلها، أولئك الذين يصعب حثهم على الهجرة مهما استعصت الظروف، وقد لاحظنا في قضية اختطاف الطائرة الأفغانية إلى لندن عودة ٧٣ شخصًا – من بينهم شباب – إلى أفغانستان رغم إتاحة فرصة البقاء واللجوء السياسي لهم. 

٢- تبقى أسس النزعة الإسلامية وروح الجهاد باقية عند الشعب، بالرغم من ظروفه القاسية. 

٣- تهاجر الفئة المعتدلة، وهم في حقيقة الأمر لا يشكلون خطرًا على مصالح الغرب، وإسكانهم في أفغانستان أو خارجها لا يؤثر إيجابًا أو سلبًا، وإن كانت السلبيات قد تغلب على كل حال.

موقف الأفراد من الظاهرة

بالطبع ليس في استطاعة الأفراد تبني موقف تجاه الظاهرة التي لا تعتبر أساسًا ظاهرة سلبية؛ حيث إن الأفراد منشغلون بالأمور الروتينية، فظاهرة البطالة وتعاطي الأفيون والسجائر والشارع الفاسد هو جل حديث الجادين، وإذا حدثت دراسة بخصوص ذلك؛ فهي تعبر عن نظرة قاصرة، نظرية أكثر منها موضوعية؛ فضلًا عن أنها ليست بمتناول الأفراد ومسؤولياتهم، ولا يوجد البتة نشاط أو موقف جماعي يتصدى لهذه الظاهرة.

موقف الحكومة

لم تبادر حكومة طالبان للتغلب على هذه الظاهرة سوى التوسل بوسائل بسيطة غير مؤثرة منها: 

أولًا: عدم إصدار جواز السفر، وبالفعل وضعت طالبان موانع للهجرة، ولا شك أن هذا علاج سطحي للغاية، وبالتالي فهو فاشل. 

ثانيًا: الضغط على حكومة باكستان: تضغط حركة طالبان على الحكومة الباكستانية لعودة المهاجرين الأفغان إلى أفغانستان، وكانت آخر هذه المحاولات خلال زيارة وفد طالبان لباكستان في شهر فبراير الماضي، وقد أخذت أخيرًا حكومة باكستان خطوات مبدئية نحو عودة المهاجرين، لكن التساؤل هل تكفى هاتان الخطوتان لحل ظاهرة بهذا الحجم؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل