; أفغانستان على مفترق الطرق | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان على مفترق الطرق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 26-أبريل-1992

مشاهدات 70

نشر في العدد 998

نشر في الصفحة 10

الأحد 26-أبريل-1992

انتصارات المجاهدين المتتالية هشمت دور الأمم المتحدة وخطتها التي كانت مقترحة للتسوية.

بدأت التحولات في مسار القضية الأفغانية تتسارع في أعقاب سقوط مزار شريف عاصمة ولاية بلخ في الثامن عشر من مارس الماضي، وما تبع ذلك من استسلام للميليشيات. ومنذ ذلك الحين بدأت الأنظار تنصرف عن الحلول السلمية ومساعي الأمم المتحدة شيئًا فشيئًا وتتجه صوب الحل العسكري. وهذه الانتصارات عززت مواقف المجاهدين، وفي الوقت ذاته أدت إلى انهيار معنويات القوات الشيوعية في كافة أنحاء البلاد وبالأخص في الشمال. كما أدت أيضًا إلى انهيار معنويات أركان النظام ذاته. وأدرك نظام نجيب أن أيامه باتت معدودة، لذلك سارع إلى كسب الوقت ومحاولة قطع الطريق على المجاهدين بإعلانه عن استعداده للتخلي عن السلطة في نهاية شهر أبريل الحالي لصالح مجلس تقرره الأمم المتحدة ويكون مقبولًا لدى الآخرين. هذا الإعلان هز أركان النظام كلها وجعل جميع المقربين منه يدركون أن نجيب يسعى للفرار بنفسه وتركهم يواجهون مصيرهم على أيدي المجاهدين الذين يقتربون في خطوات سريعة نحو كابل.


ثم كانت الضربة القوية التي وجهت للنظام يوم الأربعاء الموافق الخامس عشر من أبريل عندما تقدمت قوات المجاهدين واحتلت ولاية بروان وعاصمتها جاريكار ومطار باجرام الذي يضم أكبر قاعدة جوية في أفغانستان. هذا الانتصار الذي حصل دون قتال يذكر جعل نجيب الله يقف أمام مصيره المحتوم، مما حدا به إلى محاولة الفرار يوم الخميس السادس عشر من أبريل، إلا أن محاولته قد باءت بالفشل وذلك لأن بداية تخليه عن السلطة وعزمه على الهرب قد تسربت، مما حدا ببعض الميليشيات المؤيدة للمجاهدين والمعارضة له إلى احتلال المطار ومنعه من الهرب. كذلك في ذات الوقت انتحر رئيس الأمن الداخلي الجنرال فاروق يعقوبي الذي كان رئيسًا لما يعرف بالـ "خاد" الاستخبارات الأفغانية. هذه الأحداث الدراماتيكية هزت مراكز النظام في كل الولايات وجعلت معنويات القوات الشيوعية فيها في الحضيض، وجعلتها تتسابق في الحصول على ضمانات بالعفو العام عنها من المجاهدين وأخذت تستسلم ولاية تلو أخرى.


فقد استسلمت بعد ذلك ولاية غزني وولاية هرات، وتبع ذلك سقوط عدد كبير من الولايات الأفغانية حيث تأكدت أنباء سقوط مطار شندند القريب من هرات وهروب طائرتين تحملان بعض أركان النظام إلى إيران. كما سقطت كل من ولايات كندز وهلمند وبدخشان، وكذلك سقطت ننجرهار حيث عاصمتها جلال آباد للمجاهدين. كذلك سقطت ولاية وردك وذلك باستسلام عاصمتها ميدان شهر، كما استسلمت ولاية بغمان وأجزاء من ولاية بارغيس ونمروز وأجزاء من ولاية قندهار. وباستسلام جلال آباد، لم يبق من المدن الأفغانية في يد الشيوعيين سوى أجزاء من مدينة قندهار يحاول المجاهدون الضغط عليها من أجل الاستسلام، ولم يبق في أيديهم إلا العاصمة كابل والتي يحيط بها المجاهدون إحاطة السوار بالمعصم ويقتربون منها بشكل كبير حيث يقفون فقط على بعد حوالي (25) كم منها، وهم في أعلى درجات الاستعداد.


الوضع في كابل:

منذ تنحي نجيب الله عن السلطة يوم الأربعاء قبل الماضي، تولى إدارة شؤون كابل نوابه الأربعة وهم الجنرال نبي عظيمي والجنرال آصف دلاور والجنرال مؤمن والجنرال باباجان، وجميعهم من جناح برشم الموالي للرئيس السابق بابراك كارمل. وفي خطوة أرادوا من خلالها كسب ود المجاهدين، أعلنوا أن نجيب الله كان عدوًا للسلام وأنهم سيسعون إلى تسليم السلطة إلى مجلس محايد تسعى الأمم المتحدة إلى تشكيله. وعلى الفور بدأ هؤلاء الضباط خطوات حثيثة وسريعة على كافة الأصعدة حيث شكلوا مجلسًا عسكريًا من 49 جنرالًا إضافة إلى 15 ضابطًا. كذلك قاموا بتوزيع المهام الأمنية فيما بينهم حيث قاموا بتقسيم ولاية كابل إلى 4 أقسام وذلك من أجل تعزيز موقفهم العسكري والوقوف أمام هجمات المجاهدين المحتملة في أي لحظة. وهذا مما يعزز الاعتقاد أن هؤلاء لا ينوون تسليمها للمجاهدين، وأنهم يحاولون تضييع الوقت وإعطاء مبعوث الأمم المتحدة بينون سيفان فرصة أكبر لعله يستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه ويخرجهم من مأزقهم. وهذه التقسيمات هي: منطقة القصر الجمهوري والمطار ومحطة الإذاعة والتلفزيون ومكاتب الحزب واللجنة المركزية لحزب الوطن ويتولى الإشراف عليها الجنرال مؤمن. ويشخور ودار الأمان ويالعصار يتولى مسؤوليتها الجنرال آصف دلاور. كوتل وجبل خيرخانه وطريق كابل حتى ده سبز يتولى مسؤوليتها الجنرال بابا جان. بقية أجزاء كابل يتولى مسؤولية الدفاع عنها الجنرال عظيمي. كذلك عين القادة الجدد الجنرال عبد الرحيم هاتف رئيسًا للبلاد بالوكالة.


الأنباء تفيد أن الوضع في كابل حذر للغاية وأنه تتساقط عليها بين الحين والآخر بعض القذائف والصواريخ، كذلك تسمع من آن لآخر العديد من حالات إطلاق النار في أجزاء متفرقة منها، إلا أنه قد خفت حدة التوتر فيها في أعقاب إعلان مسعود عن عزمه عدم القيام باقتحام كابل وعن تشكيله ما يعرف باسم مجلس الجهاد الإسلامي والذي يضم العديد من ممثلي المنظمات الجهادية وممثلين عن الميليشيات المتحالفة معه. هذا المجلس الذي رفض الحزب الإسلامي "حكمتيار" المشاركة فيه، إلا أن الوضع عاد للتوتر في أعقاب تجديد الحزب الإسلامي لتهديده باقتحام كابل إذا لم تستسلم خلال فترة وجيزة لم يحددها. هذا التهديد الذي صاحبته نداءات من إذاعة الحزب الإسلامي تدعو النظام الجديد للاستسلام، وصاحبته أيضًا خطوة هامة وهو إعلان الحزب الإسلامي التعبئة العامة في صفوف مقاتليه ومؤيديه، حيث توجه آلاف المسلمين التابعين للحزب الإسلامي من المخيمات ومن مدينة بيشاور، وقد شوهدت العشرات من سيارات النقل الضخمة تتجه من باكستان إلى أفغانستان وهي مزدحمة بمسلمي الحزب الإسلامي وهم يلوحون بأسلحتهم ويرفعون شارات النصر. هذا وقد التحق العديد من طلبة المدارس الذين هم فوق الصف العاشر وكذلك شباب الجامعات والموظفون بقوات الحزب وتوجهوا إلى داخل أفغانستان فيما يبدو أنها خطوة جادة من الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار والذي قد توجه إلى داخل أفغانستان لاقتحام كابل في حال عدم استسلامها.


الموقف بين الحزب الإسلامي والجمعية الإسلامية:

اتسم الموقف بين القوتين الرئيسيتين حول كابل بحذر شديد حيث أفادت مصادر كلا الطرفين أن الوضع حساس للغاية رغم أنه لم تحصل أية حوادث تذكر حتى الآن، والعمل جار على تطويق أي نوع من الخلاف. حالة التوتر هذه تعود إلى كون الحزب الإسلامي يعتقد بأن قوات الجمعية الإسلامية بقيادة أحمد شاه مسعود قد عقدت بعض الاتفاقيات مع الميليشيات التي قدمت من شمال أفغانستان. وفي حديث تم إجراؤه مؤخرًا مع السيد قطب الدين هلال رئيس اللجنة السياسية في الحزب الإسلامي، أعرب عن شكوك الحزب في تحركات مسعود بعد لقائه مع عبد الوكيل وزير خارجية نظام كابل والذي ذهب جوا إلى شمال أفغانستان حيث اجتمع بمسعود وقادة الميليشيات المؤيدة له. ويقول المهندس هلال: إن عملية التقاء عبد الوكيل بمسعود وقبل ذلك لقاء مسعود مع نبي عظيمي في فترة فتح مزار شريف كانت بهدف ترتيب أمر ما مع مسعود وميليشيات رشيد دوستم، كما يقر هبوط 9 طائرات في الأسبوع الماضي في مطار خواجه رواش على أنها كانت تحمل ميليشيات جورجية أحضرت لاحتلال المطار. السيد نور الله عماد نائب الشيخ رباني زعيم الجمعية الإسلامية نفى هذه الشكوك وقال في مقابلة مقتضبة معه إن لقاءات مسعود مع عظيمي ومع عبد الوكيل كانت على أساس تنسيق أمر تسليم كابل دون إراقة دماء، وأن أحمد شاه مسعود لم يعد هذه الميليشيات بأية مكاسب أو أية وعود في المستقبل أكثر من إعطائها العفو العام الممنوح للجميع. ونفى كذلك وجود أي نوع من الاقتتال بين الحزب والجمعية كما تشيع الإذاعات الغربية وتحاول تأجيج الموقف، وقال إن الاتصالات مع الحزب مستمرة من أجل تطويق أي نوع من الخلافات قد ينشأ. وقال السيد نور الله عماد أيضًا أن هؤلاء الجنرالات يعلمون علم اليقين أن السلطة لا يمكن أن تبقى في أيديهم، وهم فقط يناقشون أمر تسليمها بما يحفظ الدماء وأن مسعود ليس له أي رغبة للدخول معهم على أي حال من الأحوال في تحالفات أو تشكيل حكومة مشتركة. وهم يكثفون جهودهم ونشاطهم كلما شدد عليهم مسعود الخناق. ومما تجدر الإشارة إليه أن الإعلام الغربي يهول الأمر ويدعي أمورًا لم تحصل حيث ادعى أن هناك معارك عنيفة بين الحزب والجمعية في هرات في حين أن كلًا من الحزب والجمعية قد نفيا حدوث أي شيء من هذا القبيل في أي جزء من أجزاء أفغانستان. كما نفت مصادر الحزب والجمعية أي احتمالات لحدوث اقتتال على المدى القريب أو البعيد - إن شاء الله.


جهود الوساطة بين الحزب والجمعية:

تبذل جهود حثيثة من كافة الأطراف الحريصة على وحدة الصف الجهادي لمنع حدوث أي اختلافات قد تؤدي إلى إراقة الدماء أو تأخير النصر. وأهم هذه الجهود هو الجهد الذي يقوم به أمير الجماعة الباكستانية الإسلامية القاضي حسين أحمد والذي حصل على تفويض بالقيام بأي جهد يراه مناسبًا من أجل تقريب وجهات النظر ورأب الصدع بين الجانبين، حيث بدأ قاضي حسين لقاءاته واجتماعاته بكافة القيادات الجهادية منذ فترة طويلة ثم كثفها في الأيام القليلة الماضية. وقد امتدحت كافة الأطراف جهوده ومساعيه. كذلك ويقوم البروفيسور سياف والمولوي يونس خالص بجهود طيبة وحثيثة في هذا المضمار، ويكثفان اتصالاتهما بكافة الأطراف. ويتوقع وصول بعض الشخصيات الهامة من أنحاء العالم الإسلامي للغاية ذاتها.


المساعي السياسية:

منذ مدة طويلة والمساعي السياسية تبذل من أجل إيجاد حكومة تتولى أمور البلاد بدلًا من نظام كابل. وقد طرحت في السابق صيغ عدة لمثل هذه الحكومة إلا أنها لم تجد الإجماع المطلوب من كافة الفصائل الجهادية. وكانت جهود الحكومة الباكستانية في مساعيها مع المجاهدين منصبة في الآونة الأخيرة على إقناع المجاهدين بدعم خطط الأمم المتحدة واقتراحاتها بشأن أفغانستان، إلا أن هذه الجهود قد وجدت معارضة كبيرة من المنظمات الجهادية الرئيسية. ثم كثف قادة المجاهدين منذ يوم الأربعاء الموافق 15 من أبريل جهودهم واجتماعاتهم وتمت عدة اجتماعات فيما بينهم وعدة اجتماعات أخرى فيما بينهم وبين رئيس الوزراء الباكستاني. ولم تسفر هذه الاجتماعات في مجملها عن أية صيغة تحظى بإجماع كافة الأطراف، وكان آخر هذه الاجتماعات الذي تم مؤخرًا مع السيد نواز شريف والذي استمر لأكثر من 8 ساعات. ورغم ما تناقلته الصحف ووسائل الإعلام العالمية والباكستانية عن التوصل إلى اتفاق بين قادة المجاهدين يتم بموجبه تشكيل مجلس تتمثل فيه كافة الأحزاب بحيث يكون لكل حزب ممثل سياسي وممثل عسكري، برغم ذلك إلا أن الكثير يعتقد بعدم صحة هذا الاتفاق. والأطراف التي تم الاتصال بها بهذا الخصوص امتنعت عن نفي أو تأييد هذا الأمر. حيث قال البروفيسور سياف في حديث هاتفي مع مكتبه أن المحادثات لا زالت جارية ومن السابق لأوانه الإدلاء بأي تصريح للصحافة، كما امتنع مكتب المولوي يونس خالص عن التعقيب على هذا الاتفاق، إلا أنه من المجمع عليه أن الحزب الإسلامي قد رفض هذا الأمر ويصر على اقتراحه السابق بتشكيل مجلس عسكري يضم القادة المحيطين بكابل والذين كان قد أعلن عن أسمائهم في الأسبوع الماضي وعددهم 38 قائدًا عسكريًا. وقد رفضت الأحزاب الجهادية الأخرى هذا المجلس.


جهود الحكومة الباكستانية:

الحكومة الباكستانية تطالب قادة المجاهدين بالاتفاق على صيغة معينة وأبدت استعدادها على لسان الناطق الرسمي باسم الخارجية لدعم هذا الاتفاق، كما أوضحت أنها ستعقد مزيدًا من المباحثات مع قادة المجاهدين بشكل جماعي وانفرادي، والكل يترقب ماذا ستسفر عنه هذه الاجتماعات في هذه المرحلة الحساسة.


جهود الأمم المتحدة:

مما لا شك فيه أن المجاهدين قد همشوا دور الأمم المتحدة ومساعيها التي كان يقوم بها بينون سيفان مبعوثها الخاص لأفغانستان، وخطفوا الأنظار وسلطوها على اقتراحاتهم وخططهم البديلة وكذلك على فتوحاتهم. ولم يعد بينون سيفان يستطيع عمل أي شيء أكثر من أن يقبع في مكتبه في العاصمة كابل ويتحين الفرص ويدلي بتصريحات عامة واستعداده لدعم أي اتفاق تجتمع عليه الأطراف الأفغانية المختلفة. والأحداث الأخيرة أفشلت إلى حد كبير جهود بينون سيفان وخططه لعرض تسوية على الشعب الأفغاني لا تتماشى مع رغبات المجاهدين وتطلعاتهم. كذلك حطت من عنجهيته وتصريحاته الاستفزازية التي كان يعلن من خلالها أن الأمر كل الأمر بيد الأمم المتحدة وأنه سينفذ أي خطة يراها مناسبة. كما أفشلت التحركات الأخيرة خططه لتشكيل مجلس أفغاني من 15 عضوًا يتولى الأمور في كابل، وكذلك خطة لعقد اجتماع أفغاني في جنيف يضم 150 عضوًا. على أنه يجب ألا يفسر وجوده في كابل وعدم الاستمرار في جولاته المكوكية بين إسلام آباد وطهران وكابل على أنه محاصر ولا يستطيع المغادرة، بل الكثير يعتقد أنه يرتب أمرا ما، وأنه يحاول إيجاد طريقة يستطيع بموجبها إخراج نجيب الله من البلاد الذي يعتقد أنه مختبئ في مكاتب الأمم المتحدة. ويحاول بعمله هذا الاستجابة لنداء في الولايات المتحدة الأمريكية والهند بضرورة السماح لنجيب الله بمغادرة البلاد. كذلك يتوقع أن سيفان يسعى لإعلان اتفاق بين قادة المجاهدين وذلك حتى يصبغ هذا الاتفاق بصبغة الأمم المتحدة ويصور أي نجاح على أنه ناتج عن مساعي الأمم المتحدة وجهودها.

فيا ترى ما الذي سوف يسفر عنه المستقبل في ظل هذه التطورات والجهود؟



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

520

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

578

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8