العنوان أفغانستان وأثرها في الفكر الإسلامي
الكاتب محمد أحمد الرواشدة
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1984
مشاهدات 69
نشر في العدد 675
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 12-يونيو-1984
- نبغ من الأفغانيين الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، وابن حنبل، والإمام البخاري والترمذي.
- ظلت أفغانستان تؤدي دورها الطلائعي في الفكر والسياسة حتى هذا العصر الحديث.
- نتيجة الحرب الأولى فقدت بريطانيا في أفغانستان جيشًا بأكمله.
- لقد كانت أفغانستان بحق دولة رائدة في مبدأ الحياد.
عرفت أفغانستان في التاريخ القديم باسم «أريانا» كما عرفت في القرون الوسطى باسم خراسان، وكلمة «آري» معناها الجيد والنبيل، أما كلمة «خراسان» فمعناها «أرض الشمس» وتعتبر «أريانا» في نظر المؤرخين مهد الآرية والآريين الذين هاجروا إليها من سهول تركستان الغربية، واستقروا بها وتحولوا بمرور الزمن من حياة الرعي والارتحال إلى حياة الاستقرار ومزاولة الزراعة وبناء القرى وتعميرها فتم لهم بقاء مدينة «بلخ» التي عرفها العرب باسم «أم البلاد».
لقد فتح الأفغانيون أبواب قلوبهم أمام هذا الدين، ولم يمض وقت طويل حتى كان الأفغانيون يحملون رايات الإسلام في كل الميادين العسكرية والدينية والعلمية والأدبية والنفسية والفلسفية، ونبغ منهم الأئمة: الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، وابن حنبل، الإمام البخاري، والترمذي، وابن قتيبة والرازي، والغزالي، كما نبغ منهم الفلاسفة أبو علي بن سينا والفارابي، والبيروني، وجابر بن حيان، الجورجاني، ومن المفسرين السجاوندي ويعقوب الجرخي وحسين الكاشفي والزاهدي، ومن المتصوفة إبراهيم بن الأدهم البلخي والشقيق البلخي، وعبد الله الأنصاري الهواري، وأمير حسين السادات الغوري، والسلطان أبو سعيد أبو الخير، والخواجة عبيد الله الأحرار وأبو يزيد البسطامي، وفي علوم الأدب والبلاغة ظهر العلامة الزمخشري وأبو يعقوب السكاكي والتفتازاني وعبد الرحمن الجامي.
وفي علوم الكلام، عمر النسفي والعلامة القوشجي وجلال الدين الدواني ومحب الله البهاري، والقاضي مبارك، وحبيب الله القندهاوي، وميرزا زاهد الهروي.
وظلت أفغانستان تؤدي دورها الطلائعي في الفكر والسياسة حتى هذا العصر الحديث فنبغ منها السيد جمال الدين الأفغاني الذي بدأ رسالته في ديار الأفغان ثم أتمها في مصر..
ولم يلبث الأفغانيون بعد أن اعتنقوا الإسلام الحنيف أن ساهموا في نشره أولًا في أرجاء خراسان «أفغانستان» ثم في شبه القارة الهندية، وهكذا أصبح الأفغان من أتباع الإسلام بل من دعاته المخلصين المتحمسين.
ويعد «سنكنكستين» مؤسس الدولة الغزنوية نسبة إلى مدينة غزنة التي اتخذها عاصمة له في أفغانستان- أول ملك أفغاني ليتوسع في الفتوحات الإسلامية، وينشر الإسلام في خراسان وسيستان وفيما وراء جبال الهندوكش حتى شملت فتوحاته الإسلامية شبه القارة الهندية- وقد نجح السلطان محمود الغزنوي الذي تولى الملك بعد سبكنكتين نهج سلفه، وقد ورث الحكم السامانيون كله في خراسان وبلاد ما وراء النهر «جيحون» ووصل ملكه إلى ما بعد إقليم قزوين وأخضع بلاد الغور فيما بين غزنة وهرات ونشر الإسلام في هذه الجهات على نطاق واسع.
وأعلن أنه أخذ على عاتقه الجهاد في سبيل نشر الإسلام، فغزا شبه القارة الهندية سبع عشرة مرة في سبعة وعشرين عامًا فيما بين عام «1000 و1026» ميلادية عسكريًا وسياسيًا فحسب، بل عنى بالعلم والأدب والفلسفة، فضم بلاطه الفارابي والفردوس والبسروني، كما نبغ في أيامه بديع الزمان الهمذاني وكان عامله على هرات كما كان في عهده أبو بكر الخوارزمي.
ومثلما الغرنويون أبلوا بلاء حسنًا في نشر الإسلام نجد الغورنيين الأفغانيين يحافظون على فتوحات الإسلام التي تمت إلى الشرق من أفغانستان، فجاب السلطان الغوري هندستان غازيًا من البنجاب إلى البنغال في فتوحات متواصلة خلال ثلاثين عامًا، وعلى أيدي رجال الغوري.
بدأ الحكم الحقيقي للمسلمين في الهند فتحول الغزاة إلى مستقرين بالبلاد التي فتحوها وتكونت بالهند دولة إسلامية قوية متسعة الرقعة عظيمة السلطان، وبذلك كان شهاب الدين الغوري على مثال محمود الغزنوي في حرصه على نشر الإسلام كما كان مثله في تقريب العلماء وكان شهاب الدين الغوري يحضر دروس التفسير التي يلقيها فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير، ويعد قطب الدين أبيك الذي بنى المسجد الكبير في دلهي أحد مماليك شهاب الدين الغوري وتعرف مئذنة هذا المسجد في أفغانستان باسم منار جام ويعتبر كل من «قطب منار» و«منار جام» آية في روعة الفن والبناء.
ثم برز في تاريخ أفغانستان السلطان علاء الدين المشهور باسم الإسكندر الثاني الذي استطاع أن يخضع «الدكن» التي استعصت على محمود الغزنوي ومحمد الغزنوي كما استعصت على الإسكندر المقدوني.
وبرز في آل تغلق اسم الأمير غياث الدين، كما حمل لواء الإسلام من بعده ملوك الطوائف واللوديون الأفغانيون، وكان لهؤلاء جميعًا أعظم الفضل في نشر الإسلام وجمع كلمة المسلمين في أفغانستان وبلاد ما وراء النهر وشبه القارة الهندية.
وكذلك نجد للدولة التيمورية آثارًا حميدة في نشر الإسلام وفي النهضة العلمية ويقترن بهذه الدولة اسم مؤسسها السلطان «باير» الذي كان عسكريًا ممتازًا وعالمًا محققًا ألف عدة كتب في علوم مختلفة، كما اخترع خطأ سمي باسمه وكتب به مصحفًا إهداء إلى مكة المكرمة كما كان أديبًا يقرض الشعر، ومنازل ضريحه في مدينة كابل العاصمة مثابة للسياح وعلماء الآثار، وقد خلفه ابنه «همايون» الذي أسهم في إرساء دعائم الحكم الإسلامي في أفغانستان.
ويذكر التاريخ كذلك آل تيمور في هرات الذين امتد ملكهم شمالي خراسان حتى بخارى، وكانوا بناة ثقافة وحضارة وعلم وفن واشتهر منهم رجال مثل الأديب شبيه علي نوائي، والرسام العالمي «بهزاد» وجلال الدين الرومي وحسن الكاشفي، وقد شيد هؤلاء مصلحة في هرات الذي كان آية في الفن الإسلامي كما شيدوا مسجد «كوهر شاه» في مدينة مشهر الذي يضم ضريح الإمام علي بن موسى الرضا.
وجاء «الهونيكيون» بعد التيموريين ثم جاءت الأسرة «الدرواثية» التي بدأت بالإمبراطور أحمد شاه مؤسس هذه الأسرة، ثم أخيرًا تظهر أسرة محمد زائي وهي الأسرة الحاكمة، وقد حاربت هذه الأسرة ثلاثة حروب دموية طاحنة، وكانت نتيجة الحرب الأولى «1838 - 1842م» أن فقدت بريطانيا في أفغانستان جيشًا بأكمله، وكانت نتيجة الحرب الثانية «1878 – 1881م» أن منيت بريطانيا بخسائر فادحة وهزائم منكرة ثم كانت الحرب الثالثة «1919م» التي أعطت أفغانستان استقلالها التام.
وهكذا انتقل الشعب الأفغاني من نصر إلى نصر وكان النصر الأخير «1919م» نصرًا حاسمًا لأنه ألقى على البريطانيين درسًا لن ينسوه.
أما عن صلات الأفغان بالعرب، فعندما نقل العرب الإسلام إلى خراسان ودخل الأفغانيون في دين الله أفواجًا، أصبحوا بعد قليل من الزمن من أرسخ المسلمين قدمًا في الإسلام ومن أشدهم تمسكًا بتعاليمه بل أصبح كثير من الأفغان أئمة في الدين الإسلامي وأساتذة في اللغة العربية وآدابها ومرجعًا في فهم الحديث وتفسيره -كما سلف-.
وكانت خراسان في القرن الثامن للهجرة تنافس مركز الخلافة الإسلامية في زعامة المسلمين وفي نشر الدين الإسلامي وقد قام طاهر الباد غيس الهروي بجهد كبير لتنظيم الخلافة، كما كان للأمير حمزة الخرساني أثر واضح في القضاء على البدع والخرافات.
وبعد، لقد كانت أفغانستان بحق دولة رائدة في مبدأ الحياد فهي أول دولة آسيوية عرفت طريقها إليه وتمسكت به ووقفت موقف الحياد في الحرب العالمية الأولى والثانية، والتي خاضتها دول الشرق الأقصى والأدنى والأوسط، إما عن رضا وطواعية وإما عن ضغط وإكراه ما عدا أفغانستان التي وقفت موقفًا حياديًا ودقيقًا في وقت كانت فكرة الحياد فيه تعتبر مستحيلة.
هوامش:
1- هذا فصل من كتاب قيد الطبع للكاتب وزميله محمد رجا عبد الله بعنوان «أفغانستان والشيوعية، رؤية إسلامية» منشورات دار اللواء/ عمان.
2- انظر كتاب: تقويم العالم الإسلامي، مجموعة من كبار الأساتذة منشورات جمعية الدراسات الإسلامية، القاهرة 1970م.
3- دائرة المعارف الإسلامية مجلد 2 ص 351 - 419.
4- حاضر العالم الإسلامي، شكيب أرسلان الفصول الخاصة بأفغانستان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل