; أفقر بلد في العالم.. متى يبدأ رحلة الإعمار؟ | مجلة المجتمع

العنوان أفقر بلد في العالم.. متى يبدأ رحلة الإعمار؟

الكاتب عبدالكريم حمودي

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002

مشاهدات 59

نشر في العدد 1484

نشر في الصفحة 48

السبت 12-يناير-2002

كل عائد إلى أفغانستان.. في انتظاره ثلاثة ألغام وبقايا القنابل العنقودية

*6 ملايين مشرد خارج أفغانستان ومليون داخلها، والجوع يهدد ٧ ملايين آخرين.

*التركيز الغربي على الإعمار هدفه التغطية على القصف وتغليفه بطابع إنساني.

على الرغم من أن أفغانستان تصنف ضمن الدول الأكثر فقرًا في العالم، إلا أنها تعرضت لأقسى حربين من أكبر قوتين في العالم خلال عقدين من الزمان، بحيث لم يبق شبر واحد من أراضيها إلا وزرع بصاروخ أو قنبلة أو لغم، وأكملت الحرب الأهلية تدمير ما تبقى من مظاهر الحياة الإنسانية في هذا البلد البائس!

فيما تركت أفغانستان بعد انتهاء الغزو السوفييتي لحرب أهلية طاحنة غذتها أطراف أجنبية وإقليمية، فإن الولايات المتحدة ومنذ بداية حملتها العسكرية راحت تروج لخطط وبرامج للنهوض بأفغانستان بعد إنهاء معركتها مع الإرهاب، والآن ومع تولي الحكومة المؤقتة مقاليد السلطة في كابول، فإن ملف إعادة الإعمار عاد إلى التداول من جديد بانتظار الوعود التي أطلقتها الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية والإقليمية بالاستجابة لحاجات أفغانستان الاقتصادية، إذ تتباين كلفة إعادة الإعمار وتتراوح الأرقام المطروحة بين تسعة مليارات دولار و ٥٦ مليارًا، لكن مصادر التمويل الخارجي ما زالت محدودة فيما الإمكانات الداخلية شبه معدومة.

حجم المشكلة

 إن إعادة بعث أفغانستان من بين الركام بعد 23 عامًا من الحرب والتدمير والصراعات وثلاث سنوات من الجفاف، تبدو من المهمات الصعبة إن لم تكن المستحيلة نتيجة كبر حجم الأزمة التي تعاني منها أفغانستان، والتي تبدو تكاليفها عصية على الإحصاء والتقدير، فقد تسببت هذه الحروب في تشريد نحو 6 ملايين أفغاني بالإضافة إلى مليون مشرد داخل أفغانستان، كما يتهدد الجوع نحو سبعة ملايين آخرين، فيما دمرت الطرق والمطارات والمؤسسات والمنازل. ويقول تقرير للبنك الدولي إن المؤسسات الاقتصادية الرئيسة للدولة مثل البنك المركزي، والخزانة، والضرائب والجمارك، والإحصاءات، والخدمات، والأمن، والقانون، والنظام القضائي في حالة ضعف شديدة أو غير موجودة في الأصل.

وكدليل على تردي الأوضاع الاقتصادية، فإن نسبة الوفيات بين الأطفال تصل إلى ١٤٩ من أصل ألف، وهي من أعلى النسب في العالم ومعدل الحياة لا يتعدى ٤٧ عامًا للرجال، و ٤٥ عامًا للنساء، ونسبة الذين تعلموا القراءة والكتابة لا تتجاوز ٣٢%، و ٦% فقط من السكان يحصلون على مياه صالحة الشرب.

كما أصابت الألغام الزراعة بالشلل التام، إذ سيجد كل عائد إلى أفغانستان ثلاثة ألغام بانتظاره وتضم أفغانستان أكبر نسبة من المعاقين في العالم، مع سقوط ما يصل إلى ٥٠٠ ضحية شهريًّا بسبب الألغام، ومخلفات القنابل، وتقول الأمم المتحدة إن ما يتراوح بين خمسة وعشرة ملايين لغم ما زالت مزروعة في أفغانستان، عدا تلك التي ستخلفها الغارات الأمريكية.

التقديرات المالية

في ظل الانهيار الكبير الذي يعاني منه الاقتصاد الأفغاني بمختلف قطاعاته، تتباين قيمة التقديرات المالية المطروحة لإعادة الإعمار تباينًا كبيرًا، ويعود هذا التباين إلى عدد وحجم الإصلاحات التي تشملها الخطط المقترحة من قبل الجهات والمؤسسات الداعمة.

وفي هذا السياق، يقول البنك الدولي والأمم المتحدة إنه بناء على تقديرات مبدئية، فإن تكاليف إعادة الإعمار ستبلغ تسعة مليارات دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، فيما تؤكد توقعات الاتحاد الأوروبي أن أفغانستان بحاجة إلى ما بين مليار وملياري دولار سنويًّا طيلة السنوات الخمس المقبلة لإعادة بناء المدن، وإصلاح البنية التحتية للمواصلات، ومرافق الري، وتجديد المرافق العامة.

ورفعت مصادر قيمة التكاليف إلى نحو ٢٥ مليار دولار، فيما تقول مصادر أخرى إن التقديرات النهائية لتكلفة إعادة البناء سوف يتم إقرارها في المؤتمر الموسع للدول المانحة، الذي سيعقد في العاصمة اليابانية يومي ۲۱ و۲۲ يناير الجاري بمشاركة وزراء المال والخارجية لأكثر من ٢٢ دولة.

الجهات المانحة 

يُتوقع أن تتلقى أفغانستان مساعدات من جهات مانحة عديدة هي: الاتحاد الأوروبي، واليابان، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، بالإضافة إلى دول ومؤسسات مالية دولية أخرى تدعم سياسات الولايات المتحدة، لكن المفوض الأوروبي لمساعدات التنمية بول نيلسون، قال: إنه يتوقع أن تقدم الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، ومجموعها ١٥ عضوًا، معظم التبرعات اللازمة لإعادة إعمار أفغانستان.

فقد خصص الاتحاد الأوروبي حتى الآن ۷۰ مليون يورو فقط ( ٦٢,٥) مليون دولار لإعادة إعمار أفغانستان. وفي مؤتمر برلين أعلن وزير الخارجية الألماني فيشر أن ألمانيا خصصت ۸۰ مليون يورو (٧٠,٤٨) مليون دولار لتمويل أعمال الإعمار بعد انتهاء الحرب.

ومن أجل ضمان نجاح الجهود الدولية، عين الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان المسؤول في المنظمة مارك مالوش براون -مدير برنامج الأمم المتحدة للتنمية- لتوجيه الجهود الأولى، وقال متحدث باسم الأمم المتحدة إن براون سيقوم بمهمته العاجلة مع رؤساء مختلف وكالات الأمم المتحدة، كصندوق الأمم المتحدة للطفولة، وبرنامج الغذاء العالمي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، كما سيجري اتصالات بالبنك الدولي والبنك الآسيوي للتنمية، والمفوضية الأوروبية والمانحين الآخرين، والمنظمات غير الحكومية، وسيعمل براون بالتنسيق مع الأخضر الإبراهيمي الممثل الخاص للأمم المتحدة.

مؤتمرات تحضيرية

منذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية والبريطانية ضد أفغانستان في السابع من أكتوبر الماضي وحتى الآن، شهدت العديد من العواصم العالمية سلسلة من المؤتمرات التمهيدية كان الهدف الرئيس منها التغطية على العمليات التدميرية وتغليفها بطابع إنساني، من خلال التركيز على الإعمار وتلبية الحاجات الضرورية للسكان، ولدعم الحكومة التي جاءت بعد إسقاط طالبان، وإظهار حرص التحالف الدولي على اهتمامه بالشعب الأفغاني ومستقبله بدليل أنه يخطط لإعادة إعمار بلاده. وكان أول المؤتمرات المؤتمر الذي نظمته الولايات المتحدة في واشنطن في نوفمبر الماضي، كما نظم مؤتمر آخر في إسلام آباد في نوفمبر وعلى مدار ثلاثة أيام، حضره نحو ۲۰۰ خبير دولي لبحث كيفية إعادة إعمار أفغانستان، وهدف المؤتمر الذي حضرته دول مانحة، وهيئات دولية غير حكومية، إلى إعداد قائمة بالاحتياجات لبلد مزقته لا الصراعات فحسب، بل أيضًا موجة الجفاف التي استمرت ثلاثة أعوام، ودمرت الاقتصاد المتعثر الذي يعتمد على الزراعة والثروة الحيوانية.

كما شهدت مدينة برلين الألمانية في الخامس من ديسمبر المنصرم، مؤتمرًا حضره ممثلون عن 15 دولة مانحة، بالإضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأوروبي، والوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية تنشط في أفغانستان، وعقد هذا الاجتماع في برلين لأن ألمانيا تولت حتى نهاية ديسمبر رئاسة مجموعة دعم أفغانستان التي أنشئت عام 1996م، قبل أن تنتقل الرئاسة إلى النرويج، اعتبارًا من يناير الجاري. 

كما عُقد في العاصمة اليابانية طوكيو في الفترة من ۱۱ - ۱۳ ديسمبر مؤتمر حضره ممثلو وكالات الأمم المتحدة، والحكومة اليابانية، و ٢٧ منظمة غير حكومية أفغانية ونحو ٥٠ منظمة غير حكومية يابانية لمناقشة إعادة إعمار أفغانستان؛ بهدف صياغة مسودات اقتراحات تعرض على اجتماع للدول المانحة للتبرعات يعقد في طوكيو في ۲۱ و ۲۲ يناير.

 ركز المؤتمر على البرامج الإنسانية، إذ تعهدت الجهات المانحة بتقديم مساعدات حجمها ٦٦٠ مليون دولار لمدة ستة أشهر تنتهي في مارس المقبل.

وفي بروكسل عقد المانحون الرئيسون في ٢٠ و۲۱ ديسمبر مؤتمرًا لمناقشة المساعدات المقرر منحها لأفغانستان، شريطة أن تتمكن الحكومة الانتقالية من تحقيق السلام بين الجماعات العرقية.

وبحث المؤتمر -الذي قاده الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة- في كيفية تنسيق المساعدات التي يحتاجها الشعب الأفغاني وحكومته الانتقالية لإعادة البناء.

وقال المفوض الأوروبي لشؤون العون التنموي بأول نيلسون في افتتاح أعمال المؤتمر: إن هذه المساعدات لن تمنح إلا للمناطق التي يتمكن قادتها المحليون من توفير الأمن والاستقرار فيها!

تكلفة إزالة الألغام

تحتاج أفغانستان إلى مبالغ كبيرة لدعم جهود إزالة ما يتراوح بين خمسة وعشرة ملايين لغم أرضي، تقتل أو تعوق يوميًّا نحو عشرة أشخاص ووضعت غالبية الألغام القوات السوفيتية خلال احتلالها لأفغانستان من ۱۹۷۹ إلى ۱۹۸۹م.

وتقدر مصادر الأمم المتحدة أن تكلفة القضاء على مشكلة الألغام سيتكلف ما يتراوح بين ٥٠٠ مليون و٦٠٠ مليون دولار تقريبًا، ويقدر الخبراء أن ما يتراوح بين ۱۰ و ۳۰ % من محتويات القنابل العنقودية التي أسقطتها القوات الأمريكية خلال الحملة الأخيرة لم تنفجر وتحولت إلى ألغام قاتلة.

عقبات محتملة

يشكك العديد من الخبراء والمهتمين بالشأن الأفغاني بالوعود السخية التي صاحبت الحملة العسكرية، فالعمليات العسكرية لم تنته بعد، وبقاء القوات الأمريكية مرشح للاستمرار لفترة طويلة وهو ما سيعوق فرض سلطة الحكومة على كامل الأقاليم الأفغانية، وكذلك عودة اللاجئين.

كما أن وجود خليط غير متجانس في الحكومة يشكل خطورة على الاستقرار السياسي اللازم لتدفق المساعدات، ومباشرة عمليات الإعمار، علاوة على احتمال استمرار الأطراف الدولية والإقليمية بممارسة لعبة النفوذ على القوى الأفغانية نظرًا التضارب مصالح هذه الأطراف.

ويقول الخبراء: إنه ظهرت بالفعل بوادر منافسات سياسية وإقليمية، ربما تهدد ليس إعادة البناء، وإنما الاستقرار المنشود.

وفي هذا السياق، أكد الخبير روبرت أور من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولي، أنه إذا لم يقم المجتمع الدولي بتنسيق وتنظيم كاملين، وتقسيم للعمل بين جميع الجهات المعنية بإعادة البناء في أفغانستان، فقد تتفكك البلاد، مبديًا خشيته من أن يتحالف كل أمير حرب مع مانح مفضل للمساعدات، وإذا ما حدث ذلك، فليس من الصعب تخيل تقسيم أفغانستان كأمر واقع.

وبكلمة أخيرة لن يطول الوقت حتى توضع الوعود الدولية -بشأن إعادة الإعمار وتلبية حاجات أفغانستان الإنسانية والاقتصادية والتنموية- موضع الاختبار، بعدما أسهمت السياسات الدولية في تدمير هذه البلد، وقتلت وأعاقت وشردت الملايين على مدار 23 عامًا من الحرب والصراعات، وسوف يبرهن مؤتمر طوكيو للدول المانحة على جدية المجتمع الدولي، وصدق وعوده من عدمها.

الرابط المختصر :